العنوان (تجربتي في التحرك بالقرآن)
الكاتب سمية رمضان
تاريخ النشر السبت 05-فبراير-2005
مشاهدات 65
نشر في العدد 1637
نشر في الصفحة 54
السبت 05-فبراير-2005
هي دعوة عملية للتعامل مع القرآن العظيم بشكل تطبيقي وبنظرة تغير كل شيء في حياتنا لما يحب الله ويرضى، دعوة لنعيش جنة الدنيا, دعوة للتعامل مع آيات القرآن الكريم بشكل عملي تطبيقي فلا نكتفي بمجرد تلاوته ثم حبس آياته بعد ذلك بين دفتي المصحف، دعوة لإخراج الآيات لتثير القلب فينبض بها، فتتحرك بها الجوارح أي نتحرك بالقرآن، فعندها سيكون كتاب الله ربيعًا للقلب وذهابًا للهم وجلاء للحزن. سنتكلم عن تجربة حية واقعية اشتركت فيها مجموعة من النساء تم توجيههن وتدريبهن على كيفية التطبيق العملي لآيات القرآن الكريم، وكانت نتائج هذه التجربة ناجحة جدًّا وذلك من واقع روايات النساء أنفسهن وكيفية تعاملهن مع الآيات.
سوف تشرق الشمس
استقبلت ضيفتي بترحاب كبير، وجلست الضيفة عابسة قلقة، لم أكن أتذكر أني قابلتها من قبل، كل ما في الأمر أنها طلبت زيارتي في منزلي فاستقبلتها على الفور، وقبل أن أسألها عن عبوس وجهها والقلق البادي عليها بادرت الضيفة قائلة: سامحك الله، لو لم تكوني متعجلة، وبادرت بالانصراف سريعًا بعد المحاضرة التي ألقيتها منذ عدة أشهر، ولو تسنى لي أن أتحدث معك يومها، وأستشيرك في أمري لربما لم يحدث لي ما حدث. حاولت تهدئتها، وقلت لها: يا أختاه إن «لو» من عمل الشيطان، وقد حدث ما حدث ونحن اليوم في يوم جديد، وأمل جديد، وإن مع العسر يسرًا، أخذت الضيفة في البكاء، قمت أهدئ خاطرها وأجفف لها دموعها وطلبت لها كوبًا من عصير الليمون، وما زلت بها حتى هدأت وبدأت في سرد حكايتها.
قالت الضيفة: في ذلك اليوم الذي كنت أرجو أن أقابلك فيه وأستشيرك في أمري. كانت ابنتي مريضة جدًّا، فأشار عليّ أهلي أن أذهب بها إلى أحد المعروفين ممن يطلق عليهم مشايخ، وما هم بذلك، ولجهلي وقلة خبرتي وثقتي في أهلي وعدم وجود من ينصحني من أهل العلم، أخذت بمشورتهم، وذهبنا بابنتي إليه، فقال كلامًا عجيبًا.
قال: إن ابنتك مريضة بسببك أنت، فإن الجان قد تلبس بك أنت أمها، فإذا أردت لابنتك أن تشفى فلا بد أن يخرج الجان من جسدك أنت. بادرتها قائلة: إن هذا رجل دجال، فابتسمت الضيفة قليلًا, وقالت: لقد كنت أحوج ما أكون إلى سماع هذه العبارة منك في ذلك اليوم، ولكن لأنني لم أسمعها منك ولا من غيرك انسقت مع أهلي في تنفيذ ما ارتآه ذلك الشيخ المدعي، فقد تواعدت مع أهلي أن يأتي إلى منزلنا في يوم محدد ليباشر مهمته، وعند حضوره أعطى التعليمات لأهلي بأنه سيدخل وحده مع الأم التي هي أنا؛ لأن هذا الجان قوي ويخشى أن يؤذيها إن وجد الجميع حولها، وأنذرهم بأنه يتوقع معركة حامية بينه وبين الجان، فإذا حدث وسمعتم صراخ الأم فلا أحد يحاول الدخول أو التدخل حفاظًا على حياة الأم، وخوفًا من بطش الجان، وقد وافق أهلي السذج على كل ما قال ووعدوه بالالتزام الكامل به، وسمحوا له بأن يدخل الغرفة معي وحدنا، وأن يغلق الباب كنت وقتها وجلة قلقة خائفة مما سيحدث لي ولكن قلقي وخوفي تحول إلى رعب شديد حين تأكدت من نوايا الشيخ الحقيقية بعد أن حاول أن ينالني أو ينال مني ما يستطيع، قاومته بعنف وضراوة، ودفعته بكل ما استطعت من قوة، وخرجت من الغرفة باكية، وقد انتزع حجابي وكادت بعض ملابسي أن تتمزق، وبالطبع عزا أهلي ذلك إلى الحرب التي وقعت بين الشيخ وبين الجان. لقد آثرت ألا أخبر أهلي بحقيقة ما حدث حتى لا يعلم زوجي بذلك فيظن الظنون، نظرت إلى ضيفتي برثاء وعطف, وقلت لها: إن ما حدث لك قصة مكررة على مدى عشرات السنين، تختلف بعض تفاصيلها أحيانًا لكنها هي هي، وما يعلم من هذه القصص أقل بكثير مما يحدث في الواقع فاحمدي الله أن كتب لك السلامة، ثم أردفت إن هذا أمر سيعقبه أمور وليسامحنا الله جميعًا, وطلبت منها أن تحضر الدرس القادم في المسجد.
فقد انتويت أن أشن حربًا ضروسًا على هذه الأفكار الخاطئة، وكان موضوع الدرس القادم عن الجان هذا العالم المجهول لنا والذي حكى لنا القرآن وحدثنا الرسول –صلى الله عليه وسلم- بالكثير عنه وعن غرائبه وعجائبه وهذا هو العلم الحق عن هذا الموضوع. كانت الأخوات الحاضرات للدرس مبهورات بما يستمعن، ورؤوسهن تكاد لا تتحرك فلو رآهن الطير وهن على هذه الحالة لاتخذ من رؤوسهن أعشاشًا له، كان التجاوب كاملًا، واتفق الجميع في نهاية الدرس على أن يبدأوا التحرك منذ تلك اللحظة بآيتين من كتاب الله تعالى تؤكدان على حقيقتين مهمتين أن الجن يرانا ولا نراه، وأنه لا يعلم الغيب، والآيتان هما قوله تعالى:
﴿يَا بَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُم مِّنَ الْجَنَّةِ يَنزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا ۗ إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ ۗ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ (الأعراف:27)، وقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَىٰ مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنسَأَتَهُ ۖ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَن لَّوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ﴾ (سبأ:14).
ثم أردفت موضحة في هذه المرة لن نتحرك بالآيتين بجوارحنا وحواسنا فقط، بل نريد أن نتحرك بهما بين كل الناس حتى تتلاشى هذه الخرافات وتزول فلا يكون هناك منفذ للدجالين والمشعوذين وأصحاب الهوى، وكالعادة كان موعدنا هو الدرس القادم لكي نتابع ما بدأناه ونتعرف على ما يسر الله لنا إنجازه.
لم يطل انتظاري حتى موعد الدرس التالي لأتعرف على نتائج ما تم الاتفاق عليه، ففي الليلة نفسها رن هاتف منزلي وكانت على الخط الآخر إحدى الأخوات تريد أن تحكي تجربتها وكلها حماس لتفعل ذلك عبر الهاتف حيث إنها لم تطق الانتظار حتى موعد الدرس, وأمام هذا الحماس استمعت لهذه التجربة، حيث قالت المتكلمة: بعد أن غادرت المسجد توجهت فورًا إلى منزل إحدى صديقاتي، فهذه الصديقة دأبت على أن تروي لنا روايات باطلة عن الجن والعفاريت ولغفلتنا كنا لها مصدقين، فقد كانت تدعي أنها ترى الجان وتتعامل معهم، بل إن أحد إخوانها متزوج من جنية وطالما حكت لنا عن الجان الذي يرتدي الملابس البيضاء يجلس بجانبها.
رعب شديد
والآخر الذي أرجله كأرجل الماعز، كنت بعد سماعي لهذه الحكايات وعودتي لمنزلي ينتابني رعب شديد وأظل أتلفت حولي خوفًا، حتى خيالي كنت أخشاه وأخاف منه، وكانت صديقاتي الأخريات في مثل حالتي أيضًا، كلنا إلا من عصم الله قد وقعنا في فخ أكاذيبها وادعاءاتها وذلك بسبب جهلنا الشديد بكتاب ربنا وسنة رسولنا –صلى الله عليه وسلم- ولكنني عندما استمعت في المسجد إلى الآية الكريمة التي تؤكد أن الجان يرانا ولا نراه، فكأن شعاعًا من نور قد أضاء ظلمة نفسي, وأحسست وقتها بالمعنى الذي كان يردده والدي كثيرًا بأن العلم نور. ذهبت إلى صديقتي هذه لكنني في هذه المرة لم أذهب بخوف ولا هلع ولا رعب، ولكن بثقة كبيرة ويقين عظيم، وبعد لقائي بها بادرتها قائلة: لقد تأكدت أن الجان لا يمكن لنا رؤيته على الإطلاق، وعليه فإن كان ما تتصورين رؤيته إن هو إلا خيالات ليس لها وجود في الحقيقة، وأهبت بها ألا تستسلم لمثل هذه الخيالات والخرافات وذكرتها بالآية الكريمة ثم قلت لها: اسألي نفسك من الأصدق أنت أم الآية الكريمة؟ فردت على الفور ومن أصدق من الله حديثًا، إلا أنني فعلًا أرى كل ما أمكن لكن وهنا تذكرت أنا وذكرتها بحالات الإغماء والصرع التي تنتابها بين الحين والآخر.
وقلت لها مشفقة: أحسبه يا أختاه أنك في حاجة إلى طبيب نفسي وعلى الفور دون تأخير حتى لا تستفحل حالتك وتزداد سوءًا، ولعل الله سبحانه أن يشفيك ويجعل علاجك ميسرًا، ومازلت بها حتى وافقت على الذهاب إلى مثل هذا الطبيب بشرط ألا أذكر ذلك لأي مخلوق حتى لا يعاملها الآخرون أنها مريضة عقليًّا، فوافقت على شرطها واشترطت عليها من جانبي أن تكف تمامًا عن ذكر هذه الحكايات التي كانت ترويها لنا من قبل, فوعدت بذلك.
في صباح اليوم التالي، جاءت لزيارتي -دون موعد سابق- فتاة في حوالي العشرين من عمرها جلست أنظر إليها، فكادت عيناها تنطق قبل شفتيها, بل كانت تتحاشى النظر إلى حتى لا تفضحها عيناها, قالت وهي تنظر إلى الأرض: أريد أن أبوح لك بسر يؤرقني ويذهب البسمة من ثغري لعلي أجد عندك المساعدة والتوجيه الصحيح، قلت لها مرحبة: حبًّا وكرامة.. فهات ما عندك.
بدأت الفتاة الحديث قائلة: أنا لا أدري هل يمكن أن يغفر الله لي ما فعلت؟ لقد ارتكبت إثمًا عظيمًا في حق والدي، ولن أطل عليك، فقد كنت فتاة عاقة والديها، دائمًا أصيح في وجيههما، ودائمًا أتوجه إلى غير الوجهة التي يوجهانني إليها، لا أساعد أمي البتة, بل على العكس أقسو عليها دومًا، حتى أبي كنت كثيرة الاستهزاء به حتى أمام الآخرين، لقد استغلت نفسي الأمارة بالسوء كبر سنهما، وضعف جسديهما وحبهما الشديد لي لكي أتمرد وأطغى عليهما وكأنني أتحرك بإرادة الشيطان وأنفذ له كل ما يوسوس به لي، إلى أن جاء يوم فوجئت فيه برجل غريب في دارنا، لقد أحضره أبي بعد أن اقتنع هو وأمي أو أقنعا نفسيهما بأن بي مسًّا من الجان يجب أن يبذلوا كل ما بوسعهما لإخراجه، فأحضرا هذا الرجل لذلك ابتسمت في داخلي وأوحى لي شيطاني ونفسي الخبيثة أن أمثل هذا الدور وأدخل معهم في هذه اللعبة، فاستسلمت لإرادة الرجل الذي بدأ يتفوه بكلمات غريبة يدخل فيها بعض الآيات القرآنية التي لا أدري إن كان يقرؤها صحيحة أم لا, أتقنت دوري ووجدتها فرصة هائلة لي لكي أضحك عليهم جميعًا كما لم أفعل من قبل، وبعد فترة بدأت أغير نبرة صوتي عندها ارتعد الجميع وأولهم الرجل الدجال الذي لم يتوقع ذلك بالطبع. مما تسبب في أنني كنت أفضح نفسي واستغرق في الضحك وتنكشف لعبتي، إلا أنني تمالكت نفسي وجعلت صوتي أكثر خشونة، وبدأت أتفوه بكلمات لا معنى لها، فبدأت أمي في البكاء والنحيب حزنًا وأسى على ابنتها المسكينة التي كانت تظن أنها عاقة، لكنها هي ممسوسة من الجان ولا حول لها ولا قوة.
ضرب الجان
واقترب مني أبي بكل حنان الأبوة وأراد أن يضمني إليه، إلا أن شيئًا لفت نظري وقتها، العصا التي كانت بيد الرجل الغريب والتي علمت فيما بعد أنها كانت تستخدم لضرب المريض أو المريضة بحجة أن هذا الضرب للجان المتثبت به أو بها, وأن كثيرًا من المآسي قد حدثت نتيجة هذ الضرب, بسرعة خاطفة انتزعت العصا من يد الرجل الغريب انهلت بالعصا على الجميع ضربًا. وهم يصرخون ويبكون إلا أن قلبي كان كالصخر وأنا أوجع أمي وأبي بهذه العصا اللعينة، طبعًا بعد هذه الحادثة كان أبي وأمي يجدان لي العذر في كل ما أفعل، كانا يلبيان طلباتي بل أو أوامري دون مناقشة.
وكأن الله سبحانه أراد الرحمة بأبي وأمي وتبصيري بما كنت فيه من جهل وضلال فساقني الله إلى مسجدكم فبدأت أتغير ببطء شديد. وبدأت أحاول أن أعيش مع الآيات التي أسمعها في الدروس حتى كان الدرس الأخير في الواقع الصحيح الحق لا في السراب, لقد ندمت حقًّا وتغيرت معاملتي مع والدي تغيرًا واضحًا ملموسًا، فإني أريد أن أعوضهما عن كل ما مضى، إلا أنني لا أنسى أبدًا ضربي لهما بالعصا وإهانتي لهما. فترى هل يغفر لي ربي هذا الجرم الشنيع؟ قلت لها: حبيبتي كوني حامدة شاكرة لفضل الله عليك أن جعلك ترين النور وتتبعينه في حياة والديك, وهيأ لك الفرصة لكي تبريهما وتحسني إليهما.
حرب على الدجالين
قالت الفتاة هذا ما بدأت فعله، فقد علمت أن أبي وأمي بعد أن رأوا تبدل أحوالي إلى الأحسن قد عزوا ذلك إلى الرجل الغريب الدجال وبركاته، وأزمعوا أن يذهبوا إليه بهدية ثمينة عندها بدأت أشرح لهما برفق أن الله سبحانه شفاني, وأن هذا الرجل الدجال كان حقيقة الأمر سبب بلائي وشقائي وأقنعتهم أن العلم الشرعي هو الأولى بالاتباع وأن كتاب ربنا وسنة نبينا –صلى الله عليه وسلم- هما ما نحرص على التمسك بهما، وبعون الله تعالى سوف تشرق شمس الآيات بتحركنا بها، وعندها ستنقشع السحابة القائمة ويزول كل ما يحجب شعاع الشمس.
(*) أكاديمية متخصصة في القضايا الدعوية والتربوية.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل