العنوان «تطبيع أوباما».. وليست «شراكة أوباما» مع العالم الإسلامي!
الكاتب محمد جمال عرفه
تاريخ النشر السبت 08-مايو-2010
مشاهدات 53
نشر في العدد 1901
نشر في الصفحة 18
السبت 08-مايو-2010
الهدف الرسمي للمؤتمر كما روج له الأمريكان وقاله الرئيس «أوباما» في خطابه كان «تدشين مجموعة من البرامج لتبادل الخبرات بين أمريكا ودول العالم الإسلامي»، حيث ستستضيف أمريكا مجموعات من شباب رجال الأعمال المسلمين في برامج تدريبية في مجال إدارة المشروعات الصغيرة، بينما يذهب شباب أمريكي لدورات تدريبية في دول إسلامية للتعرف على الثقافة الإسلامية ولتعميق روح التعاون.
ولهذا أعلن «أوباما» عن ثلاث مبادرات لتعزيز «أواصر الشراكة الجديدة مع العالم الإسلامي»، أبرزها إطلاق العديد من برامج التبادل الأمريكية بين أصحاب العمل الحر والاجتماعي من مختلف الدول الإسلامية ونظرائهم الأمريكيين، وضرب مثالا على ذلك بأن مجموعات من المتدربين من العالم الإسلامي سيأتون في منح إلى الولايات المتحدة، بينما سيشاطر قادة «وادي السيلكون» خبراتهم التكنولوجية في الشرق الأوسط وتركيا وجنوب شرق آسيا.
وجاءت هذه القمة كخطوة لتنفيذ لما سمي رؤية «البداية الجديدة» التي أعلنها الرئيس «أوباما» في خطابه الشهير بالقاهرة في شهر يونيو من العام الماضي ۲۰۰۹م، والذي وعد فيه بإطلاق مبادرات شراكة وتعاون بين أمريكا وشعوب العالم العربي والإسلامي.
تطبيع وغسيل مخ!
ولأن «أوباما» - البراجماتي - انتهج منذ توليه سياسة برجماتية (نفعية) محددة تقوم على تنفيذ ما يخدم بلاده ويحقق مصالحها، وضمنه عملية خداع العالم العربي والإسلامي، والإيحاء بأن هناك فصلا جديدا من العلاقات المشتركة بين أمريكا والعالم الإسلامي يقوم على الاحترام المتبادل، فقد أظهرت مؤشرات عديدة أن مؤتمر «أوباما» ما هو إلا مؤتمر للتطبيع بين المسلمين والصهاينة من جهة، ومن جهة أخرى هو مؤتمر يدشن حقبة جديدة من غسيل المخ لنا ضمن التصورات الأمريكية الساذجة التي تقدمها العشرات من مراكز الأبحاث الأمريكية، وتركز فيها على تخليص العرب والمسلمين من التطرف وتوجيههم نحو الاعتدال أو «العلمانية»!
فخطة «أوباما» للإصلاح التي قدمها في خطابه للعالم الإسلامي بالقاهرة العام الماضي على أنها شراكة وتعاون وتبادل بين أمريكا والعالم الإسلامي؛ هي بالأساس عملية غسيل مخ خصوصا للمبعوثين والدراسين العرب والصحفيين والإعلاميين في أمريكا، وتستهدف تيسير التطبيع بين الكيان الصهيوني وبين ۲۲ دولة عربية.
ولذلك كان حديث «أوباما» الصريح - في خطاب القاهرة الذي كرره في خطاب مؤتمر الشراكة - عن دمج «إسرائيل» في المنطقة والحفاظ على أمنها وتأكيده أن العلاقات بين أمريكا و «إسرائيل» غير قابلة للكسر، وأن «الرابطة بين أمريكا و «إسرائيل» لا يمكن قطعها أبدا أو تغييرها»!! لماذا العلاقات مع «إسرائيل» غير قابلة للكسر أو التغيير في حين أن كل شيء قابل للتغيير في الوطن العربي والإسلامي (كما قال)؟
بل لقد انتقد «أوباما» الحكومات العربية لأنها «تلهي» شعوبها بقضية الصراع العربي الإسرائيلي».. كأنه يقول للعرب: انسوا قضية فلسطين أيضاً أظهرت مؤشرات من مؤتمر الشراكة مع العالم الإسلامي الذي دعا له «أوباما» في واشنطن أن الهدف الرئيس هو التطبيع، وربط مصالح رجال الأعمال العرب مع نظرائهم «الإسرائيليين» الذين يحرص «أوباما» ومسؤولو إدارته على حشرهم حشراً في أي مؤتمر يخص العالم الإسلامي، برغم أن الدولة الصهيونية ليست دولة إسلامية!
فقد روعي مثلاً انتقاء رجال أعمال من منتدى رجال الأعمال المصري الأمريكي الذين لهم علاقات قوية مع الخارجية الأمريكية بهدف تشجيع مشروعات ريادة الأعمال ونشر ثقافة العمل الحر، وانتقاء رجال أعمال من دول إسلامية لهم علاقات اقتصادية مع أمريكا ودول أخرى، ولا يهتمون سوى بعلاقات «البيزنس» لا السياسة أو الدين!
وقد وجه الأمريكان دعوة للدولة الصهيونية لحضور المؤتمر بجانب ۱۷ دولة عربية وإسلامية ونشط مسؤولو «البيزنس» الأمريكان في تشبيك العلاقات بين رجال الأعمال هؤلاء ونظرائهم الصهاينة، علما أن العديد من الصهاينة لديه أكثر من جنسية أوروبية أو أمريكية بجانب «الإسرائيلية» ويسهل إخفاء هويته!
ونلاحظ هنا أنه عندما حضر «أوباما» لمصر وحرص على لقاء صحفيين من العالم العربي والإسلامي: فوجئ من جرى اختيارهم للحضور بدعوة صحفي إسرائيلي» معهم الحضور لقاء «أوباما»، وكان منهم الكاتب «فهمي هويدي الذي انسحب من اللقاء، معتبرا أنه تطبيع» مقصود.
أيضاً لم يكن مفهوماً عدم دعوة دول إسلامية مثل السودان وإيران للمؤتمر برغم أنها دول إسلامية كبيرة في حين تمت دعوة دول لا علاقة لها بالعالم الإسلامي مثل النرويج وفنلندا وباراجواي ما قد يعني أن المؤتمر سياسي لا اقتصادي، وأنه يهدف لهدف سياسي – هو التطبيع - لا ريادة الأعمال أو نشر ثقافة العمل الحر كما زعموا!
ولو ربطنا بين هذا المؤتمر ومسعى «أوباما» لتنفيذ فكرة الشراكة الاقتصادية بين الدول العربية والكيان الصهيوني والتي هي امتداد لفكرة الرئيس الصهيوني الحالي «شيمون بيريز» عن «الشرق الأوسط الجديد»، وبين فكرة رئيس الوزراء الصهيوني عن «الحل الاقتصادي» لمشكلة فلسطين عبر تكامل عربي - «إسرائيلي»، وتطبيع، وليس فقط تكامل فلسطيني «إسرائيلي»، ستظهر الصورة أكثر وضوحاً!
وعندما خطب «أوباما» في هؤلاء في مؤتمر واشنطن كان من الواضح أنه يحاول أن يدفعهم دفعا للتطبيع وغسيل الدماغ، فقد تناول في خطابه قصص نجاح الرواد ورجال أعمال مسلمين جدد، واعترف الرئيس «أوباما» أن العلاقات بين أمريكا والعالم الإسلامي عانت لفترة طويلة من انعدام الثقة ولكنه قال: إنه «يتعين على الشعب الأمريكي وشعوب البلدان ذات الغالبية المسلمة ألا تعيش أسيرة خلافات الماضي، وأن تتطلع إلى آفاق مستقبل يسوده التعاون والشراكة»، دون أن يضع حلولا المشكلات احتلال أراضيهم من قبل قواته أو من قبل الكيان الصهيوني الذي يحميه.
نعم أعلن «أوباما، التزام أمريكا بضرورة إقامة دولة فلسطينية ذات استقلال كامل كما أعلن أن الولايات المتحدة ملتزمة بإنهاء حرب العراق والعمل على جعل العراق أكثر أمنا ولكنها كلها وعود وعد بها أسلافه بدون أن ينفذوها.
والأكثر غرابة أن الرئيس «أوباما» تجنب في خطابه الحديث عن الديمقراطية أو حقوق الإنسان أو الفساد في العالم الإسلامي، واكتفى بعبارة واحدة ربما كان لها صلة بالموضوع قائلا: «الشعب الأمريكي والشعوب الإسلامية تجمعهم رغبات مشتركة، كالرغبة في أن نعيش بكرامة، والرغبة في التعلم والحياة الصحية، والرغبة في بدء تجارة دون الحاجة لدفع رشاوي».
وأضاف قائلًا: «وتجمعنا الرغبة في أن نعيش بحرية ونختار من يحكمنا لنعطي أبناءنا مستقبلاً أفضل».
واعتبر «أوباما» أن إقامة هذه القمة هي خطوة أولى يجب أن تليها خطوات أخرى لتحقيق كل الوعود التي قطعها على نفسه في خطابه بجامعة القاهرة في العام الماضي وأن قمة واشنطن ستكون سنوية، وأن تركيا قررت استضافتها في العام المقبل.
مطلوب أن نحترس من برجماتية «أوباما»، الذي يسير في سياساته على قاعدة الفكر البراجماتي.. الفكر الأمريكي القديم في تعامله مع العرب والمسلمين.. خصوصا بعدما ظهرت الآثار الكارثية للسياسة الأمريكية المنحازة للمصالح الصهيونية في عهد «بوش»، والتي أضرت بالمصالح الأمريكية بعد هجمات ۱۱ سبتمبر، والعداء المتزايد في العالم لأمريكا وانهيار أمنها الداخلي ثم تأثرها بشدة بالأزمة الاقتصادية العالمية ما تطلب إعادة ترتيب للأولويات الأمريكية، ولكن بلغة المصالح.
قد يعني هذا التقرب من الشعوب العربية والإسلامية ومحاولة التصالح معها، وهذه هي فلسفة وهدف خطاب «أوباما» للعالم الإسلامي، وقد يعني محاولة مد اليد الأمريكية بجزرة ووردة للعالم الإسلامي في صورة مبادرة أمريكية جديدة للسلام لا يزال أوباما» يبلورها، ويقال: إنه قد يفصح عن ملامحها قريباً بعد بدء المفاوضات الغير مباشرة بين الفلسطينيين و «الإسرائيليين» بشروط «الإسرائيليين» - عدم وقف الاستيطان - التي عجز «أوباما» عن أن يحسمها.
«أوباما تعلم الدرس الأمريكي» القاسي بسبب غزوات سلفه «بوش» ذات النزعة الدينية التوراتية وإصباغ السياسة بالأيديولوجية الدينية المتطرفة، فلم يجد بالمقابل سوى تطرف مقابل من قبل مسلمين أو روس أو حتى أمريكان لاتينيين، فبدأ في العدول عن أساليب الأيديولوجية الدينية الأمريكية المتطرفة والعودة إلى لغة النفعية مع البراجماتية وإعادة تشييد علاقات العرب والمسلمين ومع اللاتينيين وغيرهم؛ سعيا وراء تثبيت مصالح بلاده.
ولأن إدارته غالبيتها يهودية صهيونية فمن الطبيعي أن يقدموا مصالح «إسرائيل» على مصالح أمريكا وأن يحشروها حشرا لأهداف إستراتيجية قد تبدو منطقية ولكنها فاشلة تزعم أن التطبيع يبدأ من الشعوب ومن بوابة الاقتصاد والأعمال!
مؤتمر الشراكة الأخير مع العالم الإسلامي الذي دعا إليه «أوباما» في واشنطن كان للتبيع وربط مصالح رجال الأعمال العرب مع نظرائهم «الإسرائيليين»!
تمت دعوة الكيان الصهيوني ضمن 17 دولة إسلامية لمناقشة الشراكة المشتركة...؟!
«أوباما» تعلم درسًا قاسيًا بسبب غزوات سلفه «بوش» ذات النزعة الدينية التوراتية.. فبدأ العودة إلى لغة النفعية البراجماتية!
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل