; «إسرائيل».. نزوة تاريخية عابرة | مجلة المجتمع

العنوان «إسرائيل».. نزوة تاريخية عابرة

الكاتب عبد الرحمن فرحانة

تاريخ النشر السبت 24-مايو-2003

مشاهدات 57

نشر في العدد 1552

نشر في الصفحة 28

السبت 24-مايو-2003

 الوجود الصهيوني ليس طبيعيًا... ليس دولة سوية وإنما هو كيان وظيفي مزروع أنشئ نتيجة تحالف طارئ بين الإمبريالية الغربية والصهيونية العالمية

علم الاستعمار الاستيطاني يتنبأ بزوال المشروع الصهيوني.. لماذا؟

الحالة الراهنة بمناخها المشبع بروح الانكسار ليست المعيار الصحيح للحكم على الأمة ومستقبلها، وبالتالي ليس من الحكمة أن تصاغ قرارات ومشاريع استراتيجية تخص مستقبل الأمة خاضعة لسقف المرحلة، لأنها تكلف الأجيال المقبلة أعباء ثقيلة باعتبارها ضرورات ملزمة واستحقاقات خلفها جيل السلف.

الرؤية الصحيحة ينبغي أن تضع اللحظة الراهنة في سياقها التاريخي لتجرى عملية استقراء شمولية لاستخلاص العبر واستشراف المستقبل في ضوئها، وفي هذا المناخ تتحرر دوائر البحث من ضغط المرحلة وسقفها المنخفض لتنتج مشاريع تعبر عن آمال وطموحات الأمة بعيدًا عن الصناعة الرائجة والقائمة على تكييفات سياسية تتوافق مع مناخ الانكسار.

 والباحث في هذا المجال لا تلبي حاجته أطر التحليل السياسي التقليدية بأدواتها الفنية الغربية التي لا تهتم كثيرًا بمفاعيل السنن الكونية وخاصة وفق نظام الأفكار ومنظومة القيم الإسلاميين وفي اعتقادي أن الباحث الذي يحدوه الأمل ويثق بأمته وهويتها ينبغي أن يلجأ لأدوات التفسير التاريخي، لأن هذا الخيار يمنحه مخزونًا من الخبرة التاريخية و سينطلق به في مساحة أرحب من اللحظة الراهنة بحثًا عن تفسير أعمق للظواهر السائدة فيها - ومن خلال الخبرة التاريخية التي ستخصب تجربته في البحث عن طرائق العلاج، ويستتبع ذلك ما سيكتسبه من خلال البحث بهذا المنحى من ثقة بأمته وقوة هويتها واستحالة اندثارها، وما يضفيه ذلك من توازن على منهجيته بسبب عدم انبهاره بتأثيرات وضغط المرحلة فقط.

هذا المنحى ليس هروبًا من الواقع أو تخديرًا بأمل كاذب، إنما هي طريقة لفهم الواقع ومعالجته بأدوات معرفية متحررة من الإطار المعرفي التغريبي السائد، بغية فتح شرفة أمل للطامحين لآفاق التغيير.

وفي ضوء السياق أعلاه وبرغم الفضاء السياسي الراهن نضع أطروحة مستقبل المشروع الصهيوني في فلسطين على مشرحة البحث التاريخي ولنسأل مباشرة: هل «إسرائيل» مشروع له مستقبل في المنطقة؟ والسؤال متعلق بالمدى المتوسط وليس البعيد، لأن شعوب المنطقة جميعًا تؤمن بحتمية زوال هذا المشروع على المدى البعيد.

وإجابة عن التساؤل وفي إطار التفسير التاريخي فإنه من خلال الاستقراء للسياق التاريخي العام للمنطقة تقابلنا حالة شبيهة للواقع المعيش هي حملة الاحتلال الصليبي لبيت المقدس قبل عدة قرون، وفي تحليل تلك المرحلة يتجه فلاسفة التاريخ حتى الغربيون منهم لتفسير ذلك الوجود باختزاله بالآتي:

  • تآكل الأيديولوجية المتمثل بانحسار الفكرة الصليبية في أوساط الغزاة الصليبيين في المشرق العربي وكذلك في الغرب الأوروبي آنذاك.
  •  التغيرات في المحيط العربي المجاور والإرهاصات المتراكمة التي ولدت ظاهرة صلاح الدين.
  • تباطؤ إمدادات الجسر -من أوروبا عبر المتوسط- الذي كان يمثل شريان الحياة للوجود الصليبي في بيت المقدس خاصة، وفي الشام عامة.

تآكل الفكرة الصهيونية

ولو اعتمدنا المعايير ذاتها للحكم على الحملة الصهيونية الراهنة لأمكن للباحث الدارس لهذه الحملة أن يتلمس ظواهر التآكل في الفكرة الصهيونية داخل بنية المجتمع الصهيوني وضحالة الإيمان بها في أوساط النخب، ويجسد هذا التآكل ذلك التكوين الفسيفسائي للمجتمع والدولة وما يرافقه من أزمة هوية تعبر عن ضعف الغراء اللازم لتماسك هذه الفسيفسائية، وعلى صعيد الجوار العربي الإسلامي فمظاهر التغيير الإيجابية في المشهد العام بادية للعيان رغم ثقل المعوقات الداخلية والخارجية، ويمثل هذه الحالة نجاح المشروع الثقافي - الفكري الاسلامي في مواجهة العلمنة القومية، ومعظم المراقبين يعترفون بتخلق نواة المشروع الإسلامي بالمنطقة برغم المناخ المعاكس لتخصيبها، أما المعيار الأخير المتعلق بالسند الدولي للمشروع الصهيوني فدروس التاريخ تؤكد أن الموازنات والتحالفات الدولية لا تقف على قاعدة الثبات، بل هي في حالة تغير مستمر وبالتالي فالجسر لا محالة سينهار في الحالة الصهيونية الراهنة كما انهار في الحالة الصليبية السابقة.

المقدس.. مختلف

زيادة على ذلك، فإن قيم المقدس، التي يتشابك على قاعدتها المشروعان الإسلامي واليهودي تتضمن نصوصًا تنذر في الحالة اليهودية بالانكسار والزوال، بينما نصوص المقدس في المشروع الإسلامي تزخر ببشائر النصر والتمكين، وتلك قوة تعزز الوجدان والذهنية الإسلامية بينما النذر تعمل على نخر إرادة وتطلعات العاملين في المشروع الصهيوني، وهذا البعد الديني معيار رابع ينساق في إطار المعايير السابقة التي تؤكد زوال المشروع الصهيوني، وهو أهمها لأنه يعبر عن ثوابت تتداخل في عقيدة الأمة.

وفي المدى الاستراتيجي فمن خلال رؤية ثاقبة يمكن استكشاف مكامن الضعف لهذا الكيان سواء ما كان منها متعلقًا بتركيبته أو بالظروف الموضوعية التي تحيط به، وفي هذا السياق يمكن تناول بعض مفردات الأطروحات المستقبلية التي تبشر بزوال هذا المشروع الطارئ وذلك في المحطات التالية:

  •  وجود «إسرائيل» في سياق التاريخ أو الجغرافيا ليس طبيعيًا، فهي ليست دولة سوية بالمعنى المعروف للدولة، إنما هي كيان وظيفي مزروع بالمنطقة انشئ نتيجة تحالف طارئ بين الإمبريالية الغربية والصهيونية العالمية وهي غير متجانسة أيديولوجيًا أو ديمجرافيًا مع المحيط المجاور لها، كما أن هذا المحيط يتناقض معها ليس لأسباب مصلحية آنية أو حتى استراتيجية فقط إنما لأسباب أيدلوجية تتمحور حول المقدس التنافر على قاعدة المقدس هو أعلى درجات التناقض ووفق هذا المعطى فـ «إسرائيل» كيان وظيفي مؤقت تابع لقوى دولية قابلة للانحسار بحسب قانون التاريخ.
  •  «عقدة الديموجرافيا» وهذا البعد يشكل أعقد إشكالات البقاء وأحد أخطر نذر الخطر التي تنمي القلق الوجودي لسكان هذا المشروع الطارئ وقد قدم الباحث الصهيوني البروفيسور أوري سافير دراسته وعرضها أمام الكنيست، مبينًا أن الميزان الديمجرافي بدأت كفته ترجح لصالح الفلسطينيين وعلى إثره عقد مؤتمر هرتسليا الأول الذي كان على رأس أجندته مسألة العقدة الديمجرافية، ويؤكد هذا الخطر ما يقوله الباحث الدكتور جورج جبور حول معطيات علم الاستعمار الاستيطاني التي تنبئ باقتراب زوال المشروع الصهيوني في فلسطين نظرًا لأن شروط البقاء، لأي مشروع استيطاني وفق هذا العلم تفرض أن يفوق عدد المستوطنين عدد السكان الأصليين. 

وفي الحالة الصهيونية يتنبأ الدكتور جبور بسبب هذا الاختلال بزوال «إسرائيل» في مدى يصل عام ٢٠٢٠م، ومما يزيد الأمور تعقيدًا القلق الآخر الذي أنتجته المقاومة بسبب تأثيرها على تأكل الأمن الشخصي للمستوطن اليهودي في فلسطين إلى حد كبير، وكما يقول الباحث الصهيوني «غلبر» فقد تحولت «إسرائيل» من فكرة الملاذ الأمن للشعب اليهودي - وفق الفكرة الصهيونية الأساسية لأكثر مجتمع يتعرض فيه اليهودي للقتل. 

  • زيف القوة يعيش الكيان الصهيوني تناقضًا يتضمن القوة والضعف في آن واحد، فعلى صعيد القوة العسكرية فبرغم تفوقه النوعي في الآلة العسكرية إلا أنه عجز عن حسم المعركة مع المقاومة الفلسطينية الحالية مع تواضع أدوات القوة التي تمتلكها، ولهذا فإن دهاقنته يعملون في الوقت الراهن بمكائدهم السياسية على إنتاج مقاول أمني محلي لتحقيق هذه المهمة المعضلة التي شكلت أهم خطر استراتيجي يتعرض له هذا المشروع.

 وعلى الصعيد الاقتصادي فإن البنية الأساسية للاقتصاد الصهيوني مرتهنة بالشريان الخارجي، فـ«إسرائيل» تقوم على اقتصاد المعونات، ويختزل هذه المعادلة التقرير الذي نشره المستشار الأمريكي توماس ستوفر إذ يشير إلى أن مجمل المساعدات والهبات والاستثمارات الأمريكية لـ «إسرائيل» خلال ٣٠ سنة من عام ۱۹۷۳م، وحتى عام ۲۰۰۳م يصل الى 1.6تريليون دولار «١٦٠٠ مليار دولار»، وهو ما يعادل ميزانيات ٢٠ دولة عربية «ما عدا مصر والسعودية» لأكثر من٢٠ سنة.

ومن عوامل الضعف التي لها تأثير على مستقبل المشروع الصهيوني:

  •  تآكل الفكرة الصهيونية والمتابع للأدبيات الصهيونية يلمس هذه النتيجة بوضوح أكثر من ذلك بدأت تتكاثر الأصوات من داخل النخب الثقافية والفكرية التي تدعو إلى أطروحات تتناقض كليًا مع الفكرة الصهيونية.
  • تخثر المادة القتالية في المجتمع الصهيوني بحسب الخبير في الشؤون الصهيونية الدكتور عبدالوهاب المسيري وتراجع ثقافة المجتمع المعسكر باتجاه الترهل وتفشي المادية الجديدة والفردانية إثر انتشار مفاهيم العولمة.
  • التناقض البارز بين مفاهيم العولمة وتنامي الأصولية الدينية اليهودية، مما يعزز التنافر بين تيار العلمنة وتيار التدين داخل المشروع الصهيوني وما يستتبع ذلك من خطر يحيق بمستقبل «إسرائيل» وهويتها.

خيارات المستقبل الصهيوني

وفي ضوء النظريات المستقبلية التي تتحدث عن هذا المشروع ومصيره يلخص أحد البحوث الصادرة عن المركز العربي للدراسات المستقبلية الخيارات التي تواجه «إسرائيل» بالاحتمالات التالية:

  •  احتواء البيئة المجاورة لهذا الكيان وصهره في بوتقتها.
  • تمكن المشروع الصهيوني من تذويب الوسط المجاور وإدماجه معه.
  • الاتفاق بين اليهود الصهاينة والوسط العربي الإسلامي المجاور على إنتاج مشروع مشترك.

 ونظرًت لاستحالة خضوع المشروع الصهيوني للاشتراطات الموضوعية للخيارات أعلاه، وضعفه عن التصدي لبعضها الآخر، فإن المحصلة النهائية هي انسداد الأفق أمام مستقبل هذا الكيان، فليس لديه من خيار سوى الانكفاء والسقوط مثله مثل غيره من الاحتلالات التي سبقته عبر التاريخ وفي هذا السياق، وبناء على الاستقراء التاريخي يرى بعض المؤرخين - اعتمادًا على احتساب أعمار الاحتلالات التاريخية لفلسطين - بأن عمر «إسرائيل» قد شارف على الانتهاء أو اقترب منه. 

وفي شهادة من داخل الكيان تدعم نظرية السقوط يشير الصحفي الصهيوني يوئيل ماركوس في مقال له في هآرتس إلى توافق أفغيدور ليبرمان من أقصى اليمين المتطرف - الأكثر إيمانًا وتمسكًا بالفكرة الصهيونية - مع يوسي بيلين من اليسار على حتمية زوال «إسرائيل» بعد ٢٠ عامًا وذلك في ندوة سياسية مشتركة، ويضيف الصحفي ذاته إلى أن استطلاعًا للرأي يظهر أن 50% من الشباب في «إسرائيل» سيغادرونها خلال ال «۱۰» سنوات القادمة.

وفي سياق متصل تأتي الحملة الأمريكية التي حركها اللوبي اليهودي، لاحتلال العراق إنقاذًا للمشروع الصهيوني من أزمته الاستراتيجية التي تعرض لها جراء انتفاضة الأقصى الحالية تلك الأزمة التي دفعت حتى بعض الأقلام الغربية ليتحدث عن زوال «إسرائيل»، ومن جملتها الجارديان البريطانية إذ أشارت في مقال غير مسبوق إلى أن الحركة الصهيونية في طريقها إلى الزوال إذا ما استمرت انتفاضة الأقصى الحالية، واصفًا الحالة بالطوفان الذي سيخفي اليهود من الوجود.

ورغم أن الحملة الأمريكية على العراق خاصة وعلى المنطقة بشكل عام تحمل في أجندتها الموسعة مضامين من جملتها حماية المشروع الصهيوني وضمان عدم انهياره - وهي تتمتع في الوقت الراهن بزخم كبير بسبب زهوة الانتصار الأمريكي - إلا أن نتائجها ستكون بعكس ما استهدفته.

ولمناقشة ذلك يبرز في هذا الإطار أمام أمريكا خياران للتعاطي مع المنطقة لتحقيق أجندتها. 

  •  أولهما: استراتيجية القوة والضغط بأدواتها القسرية لفرض الهيمنة، وهي معادلة ستخلق وفق - سنن الصراع الإنسانية - حالة من التحدي بل إنها ستكون حافزًا مخصبًا لمكامن القوة للطرف الآخر، وهي سياسة ستؤدي في النهاية لفشل السياسية الأمريكية وأهدافها.
  • ثانيهما: القوة الناعمة من خلال فرض مشاريع الاحتواء والتغريب وتسويقها على نسق مشروع الشراكة الأمريكية مع الشرق الأوسط التي طرحته الخارجية الأمريكية، وآخرها مشروع المنطقة الحرة الذي طرحه الرئيس بوش مؤخرًا وهذه المشاريع وإن كانت تستهدف احتواء المنطقة، إلا أن طروحاتها التي تعزز مناخ الحرية والمشاركة ستكون فرصة وتربة خصبة للقوى الفاعلة وخاصة التيار الإسلامي لاستثمار مناخ الحرية لتخصيب مشروعها وتنميته عبر مناهجها الإصلاحية، وبذلك ينقلب السحر على الساحر.

وعودًا لأطروحتنا الأساسية حول مصير «إسرائيل» فكلتا المحصلتين أعلاه ليست لصالح

المشروع الصهيوني في المدى الاستراتيجي وبالتالي فـ «إسرائيل» ليست سوى نزوة تاريخية عابرة ليس لها مستقبل رغم التغول والعلو «الإسرائيلي» البادي في ظل الهيمنة الأمريكية الحالية.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 1

1320

الثلاثاء 17-مارس-1970

كلمة حق