; إشباع الحاجات والرغبات | مجلة المجتمع

العنوان إشباع الحاجات والرغبات

الكاتب د. إيمان الشوبكي

تاريخ النشر السبت 01-نوفمبر-2014

مشاهدات 51

نشر في العدد 2077

نشر في الصفحة 74

السبت 01-نوفمبر-2014

إشباع الحاجات والرغبات

في القاعة هممت مودعة: هنا - أبنائي وفتياتي - يرسي قطار الحاجات العشر للتوازن قلاعه في المحطة العاشرة من محطات القطار، ليعلن النهاية بإشباع الحاجة العاشرة وتوفير المناخ المناسب لها بعد أن مر بمحطات عديدة؛ بداية بالهدف أو القيمة والمعنى ثم الإنجاز والثقة والحرية والحب والتغيير والانتماء والاستقلال، ثم ها هي إشباع الرغبات. 

فكل حاجة من هؤلاء تمثل جزءاً من دائرة اتزان النفس البشرية وإن اختلت أو اختفت فتحدث اهتزازات نفسية مع استمرار اختفائها، وبإشباع الرغبات تكتمل العشر، ويصل القطار منهياً رحلته داخل النفس لبشرية لتصل إلى الهدوء والأمن والاستقرار بإذن الله تعالى. 

قالت: وهل الرغبات هي الحاجات الفطرية؟ 

قلت: بل أشمل من الحاجات الفطرية، فالحاجات جزء منها. 

قال: هل لعدم إشباع بعضها ذات التأثير المباشر لضياع الإنسان بلا هدف أو فشله في الإنجاز أو فقد الثقة أو القهر دون حرية أو شعور الكره لبعضنا بعضاً أو عدم الحب؟ 

قلت: نعم، إنها بمثابة نقطة ارتكاز لكثير من الحاجات الأخرى، بل اتزان الإنسان واستقراره النفسي، بل الزيادة فيها أو النقص يمكن أن يقود إلى جنة أو نار أحياناً. 

استكمل قائلاً: كالحاجة إلى الطعام والشراب والزواج، ولو بنسب؛ فستؤثر على النفس وتوترها باحثة عن إشباع لها، لذلك من فضائل الصيام أنه علاج لعدم القدرة على الزواج كما ورد في الحديث النبوي؛ عن عبدالله بن مسعود قال: قال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يا معشر الشباب، من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر، وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء".

لأن النفس حينما تكون غير مشبعة من حاجة فطرية أو غريزة طبيعية كالأكل لن تبحث عما بعدها كالنكاح مثلاً، وهكذا تتوالى كلما أشبع من قبلها طالبت النفس بما بعدها ولكن في إطار الدين، على العكس؛ إذا طالت فترة الحرمان مع عدم البحث عن معالجته سرعان ما تتحرك فكرة غير سوية تهاجم قيمه وأخلاقه كالسرقة والقتل والكذب وغيرها. 

قالت: ولكن هناك الفقراء لا يملكون إشباع ذلك بشكل جيد أو عدم القدرة عليه؟ 

 قلت: نعم لأنهم عالجوا أنفسهم بالرضا بما قسم لهم، أو الاستسلام للواقع مع السخط ومحاولة حصوله بأشكال شتى، وعدم إشباع حاجة الطعام والأمن لدى الإنسان أفرزت شريحة كبيرة في المجتمع، منها ما يسمى "أولاد الشوارع"، ومشكلات كثيرة بل مدمرة لهم وللمجتمع من عدم الإشباع هذا. 

قال: الفقر وعدم الأمان من أخطر الأشياء أليس كذلك؟ 

قلت: إلى حد ما؛ لأنه بالإضافة لذلك يتولد حقد وغيرة وحسد ونقمة على من حوله؛ لأنه يدفع الكثير مقابل الحصول على لقمة العيش ليقيم نفسه، ويدفع من كرامته أو حريته أو حتى آدميته وغيرها التي تصبح عرضة للانتهاك، ويصير مستباحاً لأي أحد في أي وقت لمن يدفع، أو للأقوى. 

قال: بالفعل هذا النموذج موجود في الشوارع مع مثل هؤلاء، ونلاحظ في أعينهم نظرة غريبة تتراوح بين الضعف والقهر بين النقمة والتوحش, وقد يبدو على أحدهم التشرد، لكن في حالة احتوائه وإشباع رغباته الفطرية والحاجات تستقيم حاله ويصلح شأنه. 

قلت: نعم هم مساكين، ضحية الظلم والبطش للحكام الظالمين، وعدم تحقيق العدالة الاجتماعية، أو ضحايا أخلاقية لبعض الشباب والفتيات، أو الطلاق، وغيرها. 

انظروا معي وتابعوا بعض كلمات أو جزء من هذه الرسالة التي تلقيتها من أطفال بعض دور الأيتام واللقطاء، وهي تقطر ألماً على ما عانوه، فما بالنا بمن في الشارع لا مأوى لهم ولا مأكل بعد الله تعالى.. تابعوا وتأملوا نعم الله عليكم:

 "نحن أطفال مثل أطفال العالم، إلا إننا نفقد أغلى شيء يربطنا بطعم الأمان والسعادة وسط أقراننا في المجتمع عندما تطالعوني بسؤال: من أنت؟ ومن أبوك؟ ومن أمك؟ 

وأنا أسألهما: لماذا اختارا لنا هذا المصير؟ أنا من أنا لو كان لي شهادة ميلاد مثل أطفال العالم؟ أنا من أنا لأعيش بمعزل عن المناطق والمعالم، أخشى على نفسي من سؤال يطاردني.. يلاحقني: من أنت؟ وابن من؟ لا أدري بماذا أجيبهم! أعيش وسطهم، ولكن لا أعيش مثلهم، أتواجد وسط الكائنات، ولكن أقبع داخل: من أنت؟ ومن أبوك؟ 

أنظر للعالم من حولي والدنيا مزدانة بالأزاهير لمن هم في سني، ولكن تحجبني لوحة سوداء.. لوحة مجهول فيها نسبي، أرى الدنيا بعين الطفولة، ونظرة الخزي تصاحبني، وكأن كل بنان يلوح صوبي، وأنا مجهول النسب".

دمعت هي قائلة: كم هؤلاء مساكين ومحرومين ظُلموا. 

رد قائلاً: لذلك يظهر ألم عدم إشباع حاجة الانتماء التي تحدثنا عنها سابقاً. 

قلت: نعم، وغيرها الكثير لم يوجد ولم يشبع، لذلك علينا أن نفصل بين الرغبات في وجودها وبين إشباعها، فوجودها لا دخل لنا فيه، لكن إشباعها لنا دخل في اختيار الوسيلة؛ لذلك إنما عدم وجودها يعد أمراً شاذاً للإنسان، ويؤدي إلى خلل في منظومة الحياة بأكملها على غير ما خلقت له وخالفت الطبيعة؛ ولذا علينا أن نرى أثرها على باقي الحاجات العشر في قطار التوازن ودوائر التوازن النفسي للإنسان من خلال كل واحدة حسب حجم تأثيرها.

الآن، وقد مضينا إلى نهاية المطاف ووصلنا لإشباع كل الحاجات.. 

قاطعني قائلاً: بالفعل لقد مضينا مع أهدافنا خلال هذه الرحلة الممتعة التي جعلت لحياتنا معنى وقيمة، وبتحقيق نجاح حقيقي وإنجاز فعلي.. 

أكمل له صاحبه قائلاً: ودعم الثقة بالنفس، مع حسن التواضع، والحرية المسؤولة، والحب النقي، والتغيير لحياة أكثر تطوير.. 

قالت: ولم ننسَ الانتماءات المختلفة التي تبث فينا روح الحب للأسرة والمجتمع والوطن والمؤسسة وكل ما ينتمي إليه الإنسان، والاستقلال بأنواعه المختلفة والذي يدفع ضحيته أرواح ونفوس في الأوطان، ويدرب عليه الأبناء من قبل الأسرة منذ الصغر. 

قلت: وهكذا نختم القطار بإشباع الرغبات لتكتمل الدوائر، واختفاء أحدها يسمح باختراق غيرها، ويتسرب إلى الباقين. 

قالت: كيف يصل إلى هذا الحد؟ 

قلت: تخيل أن كل جزء من هذه الدوائر غير مكتملة؛ فستجد طريقها إلى الزحف على الأجزاء والحاجات الأخرى؛ حتى يفقد الإنسان توازنه في الحياة من حيث الحالة النفسية والمزاجية العصبية والاستقرار بشكل عام. 

قال: ألهذه الحاجات هذه الأهمية؟ 

قلت: نعم لو أدركنا قيمتها وسعينا مع أنفسنا وذريتنا أو أولادنا أو حتى آبائنا في الكبر إلى إشباع هذه الحاجات استيفاءها قدر المستطاع لتجنبنا الكثير من المشكلات أو على الأقل عرفنا طريق حلها إن حدثت. 

ها هي النفس البشرية تمارس دورها كعامل متغير غير ثابت في الحياة، فكل شيء متحرك إن لم يكن للأمام فهو للخلف لا يمكن أن يصمد على حال واحدة. 

وفي النهاية علينا - شبابي وفتياتي - الأعزاء أن نكتب جملة أو شعاراً لكل حاجة ليعلق في غرفكم؛ حتى لا تنسوها وتتخذوها خطة للسير إلى استقرار نفوسكم ونفوس أبنائكم حتى من ترأسوهم في عملكم تساعدوهم على إشباعها وتحقيقها؛ فسوف تجد نتيجة مذهلة بل وسريعة إلى النجاح والتقدم بل التميز إن شاء الله تعالى. 

وهيا لنبدأ: 

- إن لم يكن لك هدف فأنت جزء من أهداف الآخرين. 

- إن لم تخطط للنجاح فأنت تخطط للفشل. 

- فاز من له إنجاز. 

- بالحب نحيا. 

- الحرية مسؤولية. 

- غيِّر نفسك يتغير العالم من حولك. 

- ثِق في نفسك ولا تغتر. 

- نعم للانتماء لا للانشقاق. 

- الاستقلال طريق الناجحين. 

- اعدل ميزان الرغبات. 

وهكذا، اتخذها خريطتك الحياتية للجنة إن شاء الله، واجعل شعارك فيها: "لن يسبقني إلى الله أحد"، فاجعلها وجهتك تفُز بالدنيا والآخرة. 

 

الرابط المختصر :