العنوان إعادة ترتيب أوراق الخلافة الإسلامية.. الحلقة التاسعة والثلاثون ..
الكاتب أ.د. عجيل جاسم النشمي
تاريخ النشر الثلاثاء 14-أكتوبر-1980
مشاهدات 108
نشر في العدد 501
نشر في الصفحة 46
الثلاثاء 14-أكتوبر-1980
الحركة الوهابية في الميزان.. «الشبهات»
اتهموه بادعاء النبوة وانتقاص النبي -صلى الله عليه وسلم- وإبطال المذاهب الأربعة
محمد عبد الوهاب يقول إنه متبع لا مبتدع وأنه على مذهب الإمام أحمد بن حنبل
ذكرنا في الحلقة السابقة بعض الشبهات والتهم التي وجهت إلى حركة الإمام محمد بن عبد الوهاب ورأينا الشيخ نفسه ورده عليها واليوم نتابع تلك الشبهات التي لا يمكن تقويم الحركة إلا من خلال النظر في كل ما لابس الحركة من الشبهات ومقدار قربها وبعدها من الحقيقة التي عليها منهج الدعوة الفعلي أو منهج الدعوة العملي والواقعي.
ادعاء النبوة:
قال الشيخ دحلان وبمثل كلامه قال غيره: «وكان محمد هذا بادئ بدأته مولعًا بمطالعة أخبار من ادعى النبوة كذبًا، كمسيلمة الكذاب وسجاح والأسود العنسي وطليحة الأسدي وإضرابهم، فكان يضمر في نفسه دعوى النبوة، إلا أنه يدعي باطنًا أنه أتى بدين جديد كما يظهر من قرائن أحواله وأقواله، ولذلك لم يقبل من دين نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، إلا القرائن، فإنه قبله ظاهرًا فقط لئلا يعلم الناس حقيقة أمره فينكشفوا عنه» -راجع الضياء الشارقة ٢٥ وما بعدها وبحث الدكتور عبد الرحمن عميرة الشبهات ۳۱ والشيخ محمد يوسف الشبهات 19 من بحوث أسبوع الشيخ محمد بن عبد الوهاب وليس من شك تفاهة هذه الدعوة ولكن سقناها ليعلم مقدار ما كان الناس يقولون ومقدار العقول التي كانت تصدق مثل هذا الهراء وتبني عليه مواقفها من الحركة. وأدنى ما يقال في رد ذلك إن الذين كتبوه وقالوه يقرون أن محمد بن عبد الوهاب لم يفصح عن شبهتهم هذه وأنها بقيت حديث النفس عند الشيخ، فكيف عرفوا ذلك، والشيخ لم يفصح إلا عن خلافه وكتبه من أولها إلى آخرها مشحونة بخلاف ذلك، مما لا يحتاج إلى تسجيل وتدليل فكثيرًا ما كان يقول: «إني متبع ولست بمبتدع عقيدتي وديني الذي أدين به مذهب أهل السنة والجماعة الذي عليه أئمة المسلمين».
انتقاص النبي صلى الله عليه وسلم:
يقول علوي الحداد في كتابه «مصباح الأنام وجلاء الظلام» عن محمد بن عبد الوهاب «أنه كان ينتقص النبي صلى الله عليه وسلم كثيرًا بعبارات مختلفة منها قوله:
«إنه طارش بمعنى أن غاية أمره أنه كالطارش الذي يرسل إلى أناس في أمر يبلغهم إياه ثم ينصرف» ومنها قوله: إني نظرت في قصة الحديبية فوجدت فيها كذا وكذا كذبة إلى غير ذلك مما يشبه هذا على أن أتباعه يفعلون ذلك أيضًا ويعلم بذلك ويظهر عليه الرضا به، وكان بعضهم يقول: عصاي خير من محمد لأنها ينتفع بها بقتل الحية ونحوها، ومحمد قد مات ولم يبقَ فيه نفع أصلًا» ويقول ابن دحلان في كتابه فتنة الوهابية «وكانوا- أتباع الإمام محمد بن عبد الوهاب- يمنعون من الصلاة عليه صلى الله عليه وسلم على المنابر بعد الأذان حتى أن رجلًا صالحًا كان أعمى وكان مؤذنًا وصلى على النبي صلى الله عليه وسلم بعد الأذان بعد أن كان المنع فأتوا به إلى ابن عبد الوهاب فأمر به أن يقتل فقتل» «الأسنة الحداد ١٦ وفتنة الوهابية ٧٦ عن بحث الدكتور عبد الرحمن عميرة (٤٢) وعلى هذا قالوا إنه يكره النبي -صلى الله عليه وسلم- وأنه لو قدر على هدم قبة النبي -صلى الله عليه وسلم- لفعل... وقد رد الشيخ محمد بن عبد الوهاب عن هذه الفرية في أكثر من موضع من كتبه فقال: «محمد -صلى الله عليه وسلم- أفضل الأنبياء».
وقال: «وما ذكره المشركون أني أنهي عن الصلاة على النبي أو أني أقول لو إن لي أمرًا هدمت قبة النبي أو أني أتكلم في الصالحين... فكل هذا كذب وبهتان». «الرسائل الشخصية» (٥٢) ولما شاع هذا البهتان وبدأ كثير من العلماء يصدقه أو يتردد فيه ويشيع المصدقون أن محمد بن عبد الوهاب يهدم قبور الصالحين ولم يفرقوا بين القبب على القبور والقبور ذاتها.
كتب محمد بن عبد الوهاب رسالة خاصة إلى العلماء في الحرم فقال: «من محمد بن عبد الوهاب إلى العلماء والأعلام في بلدان الله الحرام نصر الله بهم سيد الأنام وتابعي الأئمة الأعلام، سلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد: جرى علينا من الفتنة ما بلغكم وبلغ غيركم وسببه هدم بنيان في أرضنا على قبور الصالحين فلما كبر هذا على العامة نظنهم أنه تنقيص للصالحين ومع هذا نهيناهم عن دعواهم وأمرنا بإخلاص الدعاء الله، فلما أظهرنا هذه المسألة مع ما ذكرنا من هدم البنيان على القبور كبر على العامة جدا وعاضدهم بعض من يدعى العلم الأسباب أخرى والتي لا تخفى على مثلكم أعظمها أتباع هوى العوام مع لأسباب أخرى فأشاعوا عنا أنا نسب الصالحين وإنما على غير جادة العلماء، ورفعوا الأمر إلى المشرق والمغرب ونكروا عنا أشياء يستحي العاقل من ذكرها وأن أخبركم بما نحن عليه، خبرًا لا أستطيع أن أكذب... فنحن ولله الحمد متبعين غير مبتدعين على مذهب الإمام أحمد بن حنبل... فإن بان لكم أن هدم البنا على القبور والأمر بترك دعوة الصالحين لما أظهرناه «وبين هنا أن هذا إذا انطلى على العوام فلا ينطلي على العلماء» وتعلمون أعزكم الله أن المطاع في كثير من البلدان لو تبين بالعمل بهاتين المسألتين أنها تكبر على العامة الذين درجوهم وإياهم على ضد ذلك: فإن كان الأمر كذلك فهذه كتب الحنابلة عندكم بمكة شرفها الله مثل «الامتناع» و«غاية المنتهى» و«الإنصاف» اللاتي عليه اعتماد المتأخرين وهو عند الحنابلة «كالتحفة» و«النهاية» عند الشافعية وهم نكروا في باب الجنائز هدم البنا على القبور واستدلوا عليه بما في صحيح مسلم عن علي رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثه بهدم القبور المشرفة وأنه هدمها، واستدلوا على وجوب إخلاص الدعوة لله والنهي عما اشتهر في زمنهم من دعاء الأموات بأدلة كثيرة، وبعضهم يحكي الإجماع على ذلك الرسائل الشخصية (٤١).
إبطال الشفاعة:
وادعوا أن الشيخ محمد بن عبد الوهاب يرد شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم وينكرها، وهذا في الحقيقة مجانب للصواب إن لم يكن بهتانًا وافتراء على ما دونه الإمام نفسه في بيان العقيدة الصحيحة فالإمام محمد يقر بالشفاعة للنبي صلى الله عليه وسلم في حياته، كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يدعو الأفراد من الصحابة في وقائع كثيرة. وكذلك شفع لجماعات من المسلمين كالذين لم يمطروا حتى مطروا. ولكن محمد بن عبد الوهاب ينكر الاستشفاع بالنبي صلى الله عليه وسلم بعد وفاته. لأن الشفاعة دعاء ولا يكون الدعاء إلا من الحي.
ولما شاع ذلك افتراء على الإمام كتب رسالة إلى عالم من أهل المدينة قال فيما قال: «... ويزعمون إننا ننكر شفاعة الرسول صلى الله عليه وسلم فنقول سبحانك هذا بهتان عظيم، بل نشهد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم الشافع المشفع صاحب المقام المحمود نسأل الله الكريم رب العرش العظيم أن يشفعه فينا وأن يحشرنا تحت لوائه، هذا اعتقادنا وهذا الذي مشى عليه السلف الصالح من المهاجرين والأنصار والتابعين وتابع التابعين والأئمة الأربعة رضي الله عنهم أجمعين. فإن كانوا يأتون عند قبره يطلبون الشفاعة فإن اجتماعهم حجة، والقائل إنه يطلب الشفاعة بعد موته يورد علينا الدليل من كتاب الله، أو من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم أو من إجماع الأمة»، والحق أحق أن يتبع «الرسائل الشخصية للإمام محمد بن عبد الوهاب ٤٩».
ويقول الشيخ عبد الله ابن الشيخ محمد بن عبد الوهاب «ونثبت الشفاعة لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم يوم القيامة، حسب ما ورد. وكذا نثبتها لسائر الأنبياء والملائكة والأدعياء والأطفال حسب ما ورد أيضًا، ولا نسألها إلا من الله تعالى المالك لها والآذن فيها لمن يشاء من الموحدين الذين هم أسعد الناس بها كما ورد بأن يقول أحدنا متضرعًا إلى الله، شفع نبينا محمدا -صلى الله عليه وسلم- فينا يوم القيامة»
«الهدية السفيه ٤٢».
دعوى الاجتهاد وإبطال المذاهب الأربعة:
لِما يجد الطاعنون بغيتهم في خلاف الإمام محمد بن عبد الوهاب في الأصول، جنحوا إلى الطعن به من جهة الفروع، وقالوا إنه يضرب صفحًا بالمذاهب الأربعة ولا يعتد بها وأنه يمثل مذهبًا خامسًا وذلك سموه «المذهب الوهابي» وأنه يدعي
الاجتهاد المطلق لنفسه.
ولقد تصدى الإمام محمد بن عبد الوهاب لهذه الإشاعات مبينًا مذهبه وحدود اجتهاده. فقال قولًا صريحًا «ولا نستحق مرتبة الاجتهاد المطلق، ولا أحد منا يدعيها، إلا أننا في بعض المسائل إذا صح لنا نص جلي من كتاب أو سنة غير منسوخ ولا مخصص ولا معارض بأقوى منه، وقال به أحد الأئمة الأربعة أخذنا به، وتركنا المذهب أي -مذهب الحنابلة- كإرث الجد والإخوة فأنا أقدم الجد بالإرث وإن خالفه مذهب الحنابلة «الدرر السنية ٣٩» ويقول: الإمام ابن القيم وشيخه إماما حق من أهل السنة، وكتبهم من أعز الكتب إلا أنا غير مقلدين لهم في كل مسألة، فإن كل أحد يؤخذ من قوله ويترك إلا نبينا محمد صلى الله عليه وسلم» «الدرر السنية 4/8» وقال في معرض رسالته إلى البكبي صاحب اليمن:
«وأما ما ذكرته من حقيقة الاجتهاد فنحن مقلدون الكتاب والسنة وصالح سلف الأمة، وما عليه الاعتماد من أقوال الأئمة الأربعة أبي حنيفة النعمان بن ثابت، ومالك بن أنس، ومحمد بن إدريس، وأحمد بن حنبل رحمهم الله تعالى» «الرسائل ٩٦»
ويقول «وأما المتأخرون رحمهم الله فكتبهم عندنا تعمل بما وافق النص منها وما لا يوافق النص لا نعمل به «الرسائل ۱۰۱» ومن هنا يتضح أن الإمام محمد بن عبد الوهاب لم يأت ليمثل دورًا مذهبيًا جديدًا ولا ليشغل الناس بالفروع، فلم يدع الاجتهاد ومع ذلك لم يرضَ أن يكون متمذهبًا تمذهبًا أعمى وإنما ينظر للدليل ما وسعه ذلك مما ذكره الإمام أحمد «وإذا اختلف كلام أحمد والأصحاب فنقول في محل النزاع التراد إلى الله وإلى رسوله لا إلى كلام أحمد ولا إلى كلام الأصحاب ولا إلى الراجح من ذلك، بل قد يكون الراجح والمرجح من الروائيين والقولين خطأً قطعًا، وقد يكون صوابًا» «الدرر السنية ٤/٤».
ويقول: «إذا استدل كل منهما أي المختلفين في المذهب- بدليل فالأدلة الصحيحة لا تتناقص بل الصواب يصدق بعضه بعضًا، لكن قد يكون أحدهما أخطأ في الدليل، أما أن يستدل بحديث لم يصح، وأما فهم من كلمة صحيحة مفهومًا خاطئًا، وبالجملة فمتى رأيت الاختلاف فمرده إلى الله ورسوله. فإذا تبين لك الحق فاتبعه فإذا لم يتبين لك واحتجت إلى العمل فخذ بقول من تثق بعلمه ودينه» «الدرر السنية 14:4».
وطريقة محمد بن عبد الوهاب هذا حيال المذاهب طريق سديد يتفق ورأي الأئمة الأربعة أنفسهم فكلهم يطلب الدليل وكما قال أبو حنيفة رحمه الله: إذا صح الحديث فهو مذهبي وكما قال الشافعي رحمه الله: انظروا في قولي فإذا رأيتموه يوافق حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم فخذوا به، وإذا رأيتموه يخالفه فأضربوا به عرض الحائط وكما قال مالك رحمه الله: ما من أحد ألا يؤخذ منه ويرد عليه إلا صاحب هذا القبر مشيرًا إلى قبر الرسول صلى الله عليه وسلم.
وكما قال أحمد بن حنبل رحمه الله: لا تقلدني ولا تقلد مالكًا ولا الشافعي ولا الأوزاعي ولا النووي وخذ من حيث أخذوا أي إن كنت قادرًا على الأخذ- فالإمام محمد بن عبد الوهاب على المذهب الحنبلي متبع في هذا الإطار الذي ذكرنا ما دام المستند الكتاب والسنة وله مؤلفات في المذهب الحنبلي كمختصر الشرح الكبير ومختصر الإنصاف وغيرهما. وكتبه مشحونة باستدلالات كثيرة من الإمام ابن تيمية وابن القيم يتبع في ذلك الدليل حيثما كان..
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل