العنوان إعادة ترتيب أوراق الخلافة الإسلامية.. الحلقة الحادية والأربعون.. الحركة الوهابية في الميزان
الكاتب أ.د. عجيل جاسم النشمي
تاريخ النشر الثلاثاء 04-نوفمبر-1980
مشاهدات 83
نشر في العدد 503
نشر في الصفحة 46
الثلاثاء 04-نوفمبر-1980
قضية تكفير الطواغيت وقتالهم
ابن عبد الوهاب يبين من هم الطواغيت، ومتى تقوم الحجة عليهم فيقاتَلوا؟.
ذكرنا في الحلقة السالفة قضية التكفير واختلاط مفهومها على البعض، واليوم نستكمل أهم جوانبها ناظرين إلى حجة محمد بن عبد الوهاب، ثم معقبين ذلك في القضية اللاحقة للتكفير وهي القتال، ونترك ابن عبد الوهاب يجيب على من يقاتل؟ ومتى؟ ولماذا قبل أكثر العلماء منه كل شيء إلا التكفير والقتال؟ من أدق ما يخفى على كثير من أهل العلم أنهم يطلبون الحجة والبرهان على كفر أشخاص بأعيانهم يستحقون صفة كونهم طواغيت ينبغي إزالتهم ومحاربتهم، ولكي يوضح الشيخ محمد بن عبد الوهاب هذه القضية فإنه يفرق بين أمرين: بين قيام الحجة وفهم الحجة، فهو يعتبر الحجة قائمة بمجرد العلم حتى ولو لم يفهمها الناس لأن ذلك من أصول الدين، فانظر كيف يعالج ابن عبد الوهاب هذه القضية في رسالة له يرد فيها على تشكيك بعض العلماء بكفر أولئك الطواغيت ويلبسون في ذلك على العوام، فيقول:
إلى الإخوان، سلام عليكم ورحمة الله وبركاته: وبعد..
ما ذكرتم من قول الشيخ كل من جحد كذا وكذا وقامت عليه الحجة وأنكم شاكون في هؤلاء الطواغيت وأتباعهم هل قامت عليهم الحجة، فهذا من العجب؛ كيف تشكون في هذا وقد أوضحته لكم مرارًا؟ فإن الذي لم تقم عليه الحجة هو الذي حديث عهد بالإسلام والذي نشأ ببادية بعيدة، أو يكون ذلك في مسألة خفية مثل الصرف والعطف فلا يكفر حتى يعرف، وأما أصول الدين التي أوضحها الله وأحكمها في كتابه فإن حجة الله هو القرآن، فمن بلغه القرآن فقد بلغته الحجة، ولكن أصل الإشكال أنكم لم تفرقوا بين قيام الحجة وفهم الحجة، فإن أكثر الكفار والمنافقين من المسلمين لم يفهموا حجة الله مع قيامها عليهم، كما قال تعالى: ﴿أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ ۚ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ ۖ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا﴾ (الفرقان: 44). (1)
وقيام الحجة نوع، وبلوغها نوع، وقد قامت عليهم وفهمهم إياها نوع آخر، وكفرهم ببلوغها إياهم وإن لم يفهموها.
إن أشكل عليكم ذلك فانظروا قوله صلى الله عليه وسلم في الخوارج: «أينما لقيتموهم فاقتلوهم». وقوله: «شر قتلى تحت أديم السماء» مع كونهم في عصر الصحابة ويحقر الإنسان عمل الصحابة معهم ومع إجماع الناس. إن الذي أخرجهم من الدين هو التشدد والغلو والاجتهاد وهم يظنون أنهم يطيعون الله، وقد بلغتهم الحجة، ولكن لم يفهموها.
وكذلك قتَل علِي -رضي الله عنه- الذين اعتقدوا فيه وتحريقهم بالنار، مع كونهم تلاميذ الصحابة مع مبادئهم وصلاتهم وصيامهم وهم يظنون أنهم على حق. وكذلك إجماع السلف على تكفير غلاة القدرية وغيرهم مع علمهم وشدة عبادتهم وكونهم يحسبون أنهم يحسنون صنعًا، ولم يتوقف أحد من السلف في تكفيرهم لأجل كونهم لم يفهموا. إذا علمتم ذلك فإن هذا الذي أنتم فيه كفر. الناس يعبدون الطواغيت ويعادون دين الإسلام فيزعمون أنه ليس ردة لعلَّهم ما فهموا الحجة، كل هذا بيَّن وأظهر مما تقدم الذين حرقهم علِي فإنه يشابه هذا، وأما إرسال كلام الشافعية وغيرهم فلا يتصور يأتيكم أكثر مما أتاكم، فإن كان معكم بعض الإشكال فارغبوا إلى الله تعالى أن يزيله عنكم.. والسلام.
«الرسائل للشيخ محمد ابن عبد الوهاب 244».
ويعتبر الشيخ محمد بن عبد الوهاب أن الحجة تقوم بالفعل، يفعله المسلم ولو لم يكن عليه اعتقاده، بل اعتقاده خلافة. فيعتبر ذلك التظاهر بالفعل المخل بعقيدة المسلم من اليقين الذي يكفر به وليس ذلك من الظن الذي لا يكفر به المسلم. وهي قضية مهمة تعكس موقف ابن عبد الوهاب من أولئك الذين يشهدون ألا إله إلا الله لكنهم يفعلون فعلًا يناقض ذلك على سبيل القطع واليقين، فيقول في إحدى رسائله إلى بعض المتشككين: «لقد قررتم أن من خالف الرسول -صلى الله عليه وسلم- في عشر معشار، ولو بكلمة أو عقيدة قلب أو فعل فهو كافر، فكيف بمن جاهد بنفسه وماله وأهله؟». ثم يضيف ابن عبد الوهاب حكم من تظاهر معه فيقول: «ومن أطاعه في عداوة التوحيد وتقرير الشرك مع إقراره بمعرفة ما جاء به الرسول، فإن لم تكفروا هؤلاء ومن اتبعهم ممن عرف أن التوحيد حق وأن ضده الشرك، فأنتم كمن أفتى بانتقاض وضوء من بزغ منه مثل رأس الإبرة من البول وزعم أن من يتغوط ليلًا ونهارًا، وأفتى للناس أن ذلك لا ينتقض، وتبعوه على ذلك حتى يموت أنه لا ينقض وضوءه».
ثم يمثل بمثال دقيق لفهم ذلك الكفر العملي الذي هو أبلغ من غيره، فيقول: «لو تقدر أن السلطان ظلم أهل المغرب ظلمًا عظيمًا في أموالهم وبلادهم، ومع هذا خافوا استيلاءهم على بلادهم ظلمًا وعدوانًا ورأوا أنهم لا يدفعونهم إلى استنجاد الفرنج، وعلموا أن الفرنج لا يوافقونهم إلا أن يقولوا نحن معكم على دينكم ودنياكم هـو الحق ودين السلطان هو الباطل، وتظاهروا بذلك ليلًا ونهارًا مع أنهم لم يدخلوا في دين الفرنج ولم يتركوا الإسلام بالفعل، لكن لما تظاهروا بما ذكرنا ومرادهم دفع الظلم عنهم، هل يشك أحد أنهم مرتدون في أكبر ما يكون من الكفء والردة إذا صرحوا أن دين السلطان هو الباطل مع علمهم أن دين الفرنج هـو الصواب؟». فتأمل هذا تأملًا جيدًا.
ومعرفتكم بالناقض إذا تحققتموه وأنه يكون بكلمة ولو لم تعتقد، ويكون بفعل ولو لم يتكلم، ويكون في القلب من الحب والبغض ولو لم يعمل، تبين لك الأمر «الرسائل 28». ويعزز ابن عبد الوهاب هذه الحجة بمثال آخر في رسالته إلى أحمد بن إبراهيم شيخ مرات فيقول: «... بودي أن تفكر فيما تعلم، لما اختلف الناس بعد مقتل عثمان -رضي الله عنه- وبإجماع أهل العلم أنهم لا يقال فيهم إلا الحسنى مع أنهم عثوا في دمائهم ومعلوم أن كلا الطائفتين: أهل العراق وأهل الشام معتقدة أنها على الحق والأخرى ظالمة، ونبغ -أي ظهر- من أصحاب علِي من أشرك بعلي، وأجمع الصحابة على كفرهم وردتهم وقتلهم، لكن حرقهم علي، وابن عباس يرى قتلهم بالسيف، أترى من الصحابة من يشك في كفر من التجأ إليهم؟ ولو أظهر البراءة من اعتقادهم، وإنما التجأ إليهم وزين مذهبهم لأجل الاقتصاص من قتلة عثمان، فتفكر في هذه القضية فإنها لا تبقى شبهة إلا على من أراد الله فتنته «الرسائل 207».
ومن هذا المنطلق اعتبر الشيخ محمد بن عبد الوهاب كل من عاداه، أو بمعنى أصح عادى التوحيد وأهله ووقف مع أعدائه فهو منهم، وحكمه في الكفر حكمهم ما دام قد تظاهر معهم بفعله ولو خالف اعتقاده، وعلى هذا كفَّرهم وأباح قتالهم.
القتال والمواجهة الفعلية:
يلاحظ أن الشيخ محمد بن عبد الوهاب قطع بلا شك بكفر أولئك الطواغيت ومن على شاكلتهم ومن ناصرهم ووقف معهم ضد دعوة الحق والتوحيد، ولا شك أيضًا أنه قطع بحل قتالهم.
وكثير من العلماء قد أقروا الشيخ في كلامه عن الشرك وأنواعه، وأقروا أن ما عليه القوم هو شرك، إلا أنهم ردوا عليه دعوة التكفير والقتال خاصة، ولذا يقول في إحدى رسائله: «... إذا صح أن أهل الأحساء والبصرة يشهدون أن التوحيد الذي نقول دين الله ورسوله، وأن هذا المفعول عندهم في الأحياء والأموات هو الشرك بالله، ولكنهم أنكروا علينا التكفير والقتال خاصة».
«الرسائل 204»
ويقول أيضًا في إحدى رسائله: «... عرفت بأربع مسائل:
الأولى: بيان التوحيد.
الثانية: بيان الشرك.
الثالثة: تكفير من بان له أن التوحيد هو دين الله ورسوله ثم أبغضه ونفر الناس عنه وجاهد من صدق الرسول فيه.
الرابعة: الأمر بقتال هؤلاء خاصة حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله الله، فلما اشتهر غنى هؤلاء الأربع، صدقن من يدَّعي أنه من العلماء في جميع البلدان في التوحيد وفي نفي الشرك وردوا على التكفير والقتال».
«الرسائل 25»
وكان الشيخ محمد بن عبد الوهاب في بادئ أمره يعلن التكفير ويوجب القتال ويأمر به دون أن يباشر هو أولًا ذلك، وهذا ما تلمحه في رسائله التي كتبت في بداية الدعوة كقوله آنفًا الرابعة، الأمر بقتال، وعلى شاكلة ذلك كل رسائله الأولى، ولم يبدأ الشيخ قوله بالقتال حتى بدؤوه هم.
وحتى حينما بدأوا القتال كان رده في حدود الدفاع عن النفس والحرمة، ولذلك يقول في إحدى رسائله في بداية الصدامات والقتال: «وأما القتال فلم نقاتل أحدًا إلى اليوم إلا دون النفس والحرمة، وهم الذين أتونا في ديارنا ولا أبقوا ممكنًا، ولكن قد نقاتل بعضهم على سبيل المقابلة وجزاء سيئة سيئة مثلها...».
«الرسائل 158»
ولما أظهره الله عليهم بمؤازرة ابن سعود مؤازرة فعلية، بدأ يقاتل من لم يجب دعوة التوحيد، ولذا يقول في إحدى رسائله: «... فهذا الذي أوجب الاختلاف بيننا وبين الناس حتى آل بهم الأمر إلى أن كفرونا وقاتلونا واستحلوا دماءنا وأموالنا حتى نصرنا الله عليهم وظفرنا بهم، وهو الذي ندعو الناس إليه ونقاتلهم عليه بعدما نقيم عليهم الحجة من كتاب الله وسنة رسوله وإجماع السلف الصالح من الأئمة ممتثلين لقوله سبحانه وتعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّىٰ لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ ۚ فَإِنِ انتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ (الأنفال: 39)، فمن لم يجب الدعوة بالحجة والبيان قاتلناه بالسيف والسنان كما قال تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ ۖ وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ ۚ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ (الحديد: 25).
«الرسائل 114»
وبعد استعراض هذه الشبهات يستطيع كل ناظر أن يحكم من خلال تلك الردود والحجج، بأن كل ما حِيك من تُهم وإشاعات لم تقوَ على مواجهة حقيقة الدعوة، وإذا كانت الظروف لم تسعف الحركة في زمن محمد بن عبد الوهاب فتوصل صوتها وحجتها إلى الناس مما كان سببًا رئيسًا في انتشار تلك الأوهام، فإن الظروف الراهنة وانتشار مؤلفات الشيخ وتلاميذه قد غطت فراغات الماضي وأصبحت الحجج في متناول الطالبين.
وعليه فإن أول ما امتازت به دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب بعد تجليتها من الشبهات، صفاء العقيدة ونقاؤها، وأنها غضة حية كما جاء بها النبي -صلى الله عليه وسلم- تربي في نفس المسلم العقيدة الصحيحة في جانبي توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية، وتعلن بذلك الحاكمية لله عز وجل وحده وتكفر بالطواغيت مهما تنوعت أشكالهم واختلفت أنواعهم وتباينت صورهم من حجز أو بشر أو غير ذلك.
هذا هو الميزان الراجح لهذه الحركة المباركة في جانبها النظري والعقيدي أو المنهجي، ويبقى أن ننظر في موقف الحركة الواقعي من خلال ممارساتها آخذين في الاعتبار ظروف الجزيرة العربية وبلاد نجد التي نشأت فيها الحركة والبلاد التي انتشرت فيها وتوسعاتها خارج الجزيرة، وموقفها في كل ذلك من دولة الخلافة الإسلامية في الآستانة.
وهذا ما نلاحظه في الحلقات القادمة إن شاء الله تعالى.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل