العنوان اللسان العربي.. عن الهوية والصراع
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 20-أبريل-1993
مشاهدات 60
نشر في العدد 1046
نشر في الصفحة 48
الثلاثاء 20-أبريل-1993
ينسب علماء تاريخ اللغات لساننا العربي إلى أصل قديم مفترض يسمونه «اللغة السامية»، وإليه يرجعون مجموعة من اللغات اندثر بعضها وبقيت أخرى؛ منها العربية والعبرية. ومجموعة اللغات السامية تمثل أحد فروع فصيلة أكبر هي «الفصيلة الأفرو-أسيوية»، وهذه -مع فصائل أخرى كبرى- تشكل التصنيف العام للغات العالم.
وقد نبتت فكرة تجميع لغات الأرض التي
تعد بالآلاف في فصائل كبرى -تقسم بدورها إلى فصائل أصغر فأصغر- مما لاحظه اللغويون
من وجوه شبه عديدة أو محدودة، قوية أو ضعيفة بين اللغات المختلفة، سواء على مستوى
الأصوات، أو المفردات، أو التراكيب، أو الدلالة.
وبعض وجوه الشبه هذه شائعة في لغات
كثيرة إلى حد أن توفر البعض على دراستها، وأطلقوا عليها «السمات اللغوية العالمية»
(Language Universals)،
وهو ما يشير إلى فكرة وحدة أصل اللغات، وإن كان إثبات ذلك فعلاً يكاد يدخل في نطاق
المستحيلات.
أما مصطلح «السامية» التي ينسب إليها
اللسان العربي، فقد أطلقه العالم الألماني «شلوتسر» أواخر القرن 18م (1781م)، وكان
يقصد به أن يكون تسمية مشتركة للعبريين والعرب والأحباش الذين توجد بين لغاتهم
صلات القرابة(1). وهي تسمية أخذها من التصنيف التوراتي للبشر (التوراة سفر التكوين
إصحاح 10) نسبة إلى سام بن نوح -عليه السلام-.
ورغم عدم دقة التسمية علميا،
وانطلاقها من التصور العنصري والزيف اليهودي المدسوس في التوراة، فقد ارتضاها
لغويو الغرب، وسايرهم عليها لغويونا العرب المحدثون كالعادة؛ على الرغم من أن بعض
علمائنا القدامى -كالخليل بن أحمد وابن حزم- قد فطنوا إلى العلاقة بين العربية
والكنعانية والعبرانية والسريانية، ولم ينسبوها إلى سام أو غيره(2).
وتتشابه اللغات السامية في خصائص
كاشتقاق معظم كلماتها من أصل ثلاثي، ووجود حرفي الحلق «ح، ع»، وحروف الإطباق «ص،
ض، ط، ظ»، والتشابه في تكوين الأسماء من حيث العدد والنوع، والأفعال من حيث الزمن
والتجرد والزيادة والصحة والاعتلال، وفي نظام الاشتقاق القائم على السوابق
والأواسط واللواحق، وفي عدد من المشتقات كاسمي الفاعل والمفعول والمكان والزمان
والآلة.. إلخ، كما تعتمد في الكتابة على الحروف الصوامت دون الحركات، وفي مقابل
ذلك توجد فروق عديدة وسمات خاصة. وتتميز العربية من بين هذه اللغات بأنها أقربها
إلى السامية الأم؛ لاحتفاظها أكثر من غيرها بعناصر صوتية ونحوية، كنظام الإعراب
وجموع التكسير تعد قديمة وترجع إلى اللغة الأم. تفرعت العربية إلى لهجات جنوبية
بادت كلها، ولم يصلنا منها سوى نقوش، وأخرى شمالية لم يبق منها سوى هذا اللسان
الذي كتب له الخلود والرقي لنزول القرآن به(3).
لقد دخلت العربية الباقية في صراع
لغوي مع بنات عمها الساميات وأخواتها العربيات قروناً قبل الإسلام، فبادت جميعهن
إلا بقايا لا تذكر (باستثناء العبرية التي بعثت من مواتها بعد ألفي عام تمهيداً
لقيام دولة إسرائيل المصطنعة)، كما صارعت لغات أخرى غير سامية بعد ظهور الإسلام
فقضت عليها وحلت محلها(4).
وهي اليوم تصارع -في حرب مخططة-
لهجات عربية ولغات أجنبية تلقى دعماً من الداخل والخارج، ولكنها كما خرجت منتصرة
من معارك الماضي، ستخرج غالبة كذلك -بإذن الله- في حربها الحاضرة؛ فإن يكن النصر
على أيدينا فالشرف لنا، وإلا كان على أيدي غيرنا وبؤنا بالخزي وسوء الأحدوثة.
الهوامش:
(1) كارل بروكلمان، فقه اللغات
السامية، ترجمة د. رمضان عبد التواب - جامعة الرياض 1977 - 11.
(2) السابق، ص 6.
(3) د. إميل بديع يعقوب، فقه اللغة
العربية وخصائصها (دار العلم للملايين 1982)، 108-126.
(4) د. عبد الصبور شاهين، في علم
اللغة العام (مؤسسة الرسالة 1980)، 188.
اقرأ أيضًا:
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكلنشر في العدد 190
83
الثلاثاء 05-مارس-1974