العنوان واحة الإيمان.. عوامل تقوية اليقظة
الكاتب د.عبدالحميد البلالي
تاريخ النشر الثلاثاء 02-سبتمبر-1986
مشاهدات 74
نشر في العدد 781
نشر في الصفحة 31
الثلاثاء 02-سبتمبر-1986
حال الغافلين
يصف الإمام ابن الجوزي حال الغافلين فيقول «لا يدرون لمَ خلقوا،
ولا المراد منهم، وغاية همتهم حصول بغيتهم من أغراضهم، ولا يسألون عند نيلها ما اجتلبت
لهم من ذم، يبذلون العرض دون الغرض، ويؤثرون لذة سامحة، وإن اجتلبت زمان مرض، يلبسون
عند التجارات ثياب محتال في شعار مختال، ويُلبِّسون في المعاملات، ويسترون الحال. إن
كسبوا فشبهة، وإن أكلوا فشهوة، ينامون الليل وإن كانوا نيامًا بالنهار في المعنى، ولا
نوم بهذه الصورة، فإذا أصبحوا سعوا في تحصيل شهواتهم بحرص خنزير، وتبصيص كلب، وافتراس
أسد، وغارة ذئب، وروغان ثعلب، ويتأسفون عند الموت على فقد الهوى، لا على عدم التقوى،
ذلك مبلغهم من العلم»([1]).
ما أجمل هذا الوصف لحال الغافلين الذي تعلقوا وتمرغوا بوحل مستنقع
الدنيا، ورفضوا الارتقاء، وعشقوا الظلمة ومقتوا النور وكل من يدلهم عليه، إن ترك هذه
الصفات التي ذكرها الإمام ابن الجوزي يقتضي تأصيل اليقظة في نفس ذلك التارك لها، ويضاف
لها عوامل كثيرة لتقوية اليقظة لمن أراد الاستيقاظ ومن أهمها: التوبة:
وشروط التوبة ثلاثة: الندم وترك المعصية، والعزيمة على عدم العودة
لها، ويضاف شرط رابع بحق الآخرين، وهو إرجاع الحقوق لهم، وأبرز شروط التوبة هو الندم
الذي يبعث على الترك والعزيمة؛ لذا كان الإمام الجيلاني يقول لغلامه موجهًا: «استغث
إلى الحق عز وجل، ارجع إليه بأقدام الندم والاعتذار حتى يخلصك من أيدي أعدائك وينجيك
من لجة بحر هلاكك، تفكر في عاقبة ما أنت فيه وقد سهل عليك تركه، أنت مستظل بشجرة الغفلة،
اخرج من ظلها وقد رأيت ضوء الشمس، وعرفت الطريق، شجرة الغفلة تربى بماء الجهل، وشجرة
اليقظة والمعرفة تربى بماء الفكر، وشجرة التوبة تربى بماء الندامة وشجرة المحبة تربى
بماء الموافقة»
([2]).
فما أيسر السير في طريق الحق لو أدرك السالكون نوعية الماء الذي
تتربى عليه تلك الأشجار الأربعة، فالغفلة لا تنمو إلا بالجهل بحقيقة الطريق، وعوائق
الطريق، ونهاية الطريق، وما بعد هذا الطريق، واليقظة لا تنمو إلا بإدامة الفكر بكل
ذلك، والتوبة لا تنمو ويقوى جذعها وتتفرع أغصانها، وتورق أوراقها، وتتفتح أزهارها إلا
بالندم على ما فات، والمحبة لا تنمو إلا بموافقة العمل لما أمر به الله تعالى ولما
جاء به النبي صلى الله عليه وسلم.
تذكر هادم اللذات:
يقول النبي صلى الله عليه وسلم «أكثروا من ذكر هادم اللذات» وتمثيل
ذكر الموت بهادم اللذات دليل على أنه يكسر تلك الغفلة أثناء اللذة، فيستيقظ الغافل
عن تلك الحقيقة التي ستداهمه وتباغته يومًا من الأيام، فكلما تذكر الموت استيقظ وحاول
أن يسرع بالعمل ما استطاع ليبيض وجهه عند اللقاء.
تذكر عاقبة المهلة:
إمهال الله لخلقه ليس كإمهال الخلق للخلق، فمن رحمته سبحانه بعباده
أنه يمهلهم، ويعطي الغافل فرصة بعد فرصة ليرجع، ويوقعه بالبلاء لعله يستيقظ، فإذا لم
يستفد من تلك الفرص الكثيرة في حياته أضله الله وختم على قلبه، فما يعود يبصر ولا يسمع
ولا يعي ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ
غِشَاوَةٌ﴾ (البقرة: 7) إن خطورة عاقبة الإمهال جعلت الواعظ أبا الفضل جبرائيل بن منصور
يقول لذلك الغافل: «إلى متى تتمادى في الغفلة، كأنك قد أمنت عواقب المهلة، عمر اللهو
مضى، وعمر الشبيبة انقضى، وما حصلت من ربك على ثقة بالرضا، وقد انتهى بك الأمر إلى
سن التخاذل وزمن التكاسل وما حظيت بطائل» ([3]).
تذكر الذنوب:
فإن تذكرها يبعث على استهجانها والحرص على عدم الوقوع بمثلها في
المستقبل؛ الأمر الذي يجعله على حذر دائم ويقظة دائمة، ومن هؤلاء الذين كانوا يبالغون
في تذكر ذنوبهم العابد الزاهد كهمس بن الحسن، فعن عمارة بن زازان قال: «قال لي كهمس
بن الحسن: يا أبا سلمة أذنبت ذنبًا وأنا أبكي عليه أربعين سنة. قلت وما هو يا أبا عبدالله؟
قال: زارني أخ لي فاشتريت له سمكًا بدانق فلما أكل قمت إلى حائط جار لي فأخذت منه قطعة
طين فغسل بها يده، فأنا أبكي عليه منذ أربعين سنة» ([4]) من
قطعة طين يبكي منذ أربعين سنة، فماذا لو كان حيًّا ورأى من يسرق كجبال تهامة؟ إنها
اليقظة التي حرصوا عليها، فأعانهم الله في سلوكهم لهذا الطريق.
____________
([1])
صيد الخاطر 310، 311.
([2])
الفتح الرباني 112.
([3])
البداية والنهاية 13/126.
([4])
صفة الصفوة 3/314، 315.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل