; على الطريقة الأمريكية.. إسقاط ديكتاتور وتنصيب آخر | مجلة المجتمع

العنوان على الطريقة الأمريكية.. إسقاط ديكتاتور وتنصيب آخر

الكاتب عبدالمنعم سليم جبارة

تاريخ النشر الثلاثاء 08-يوليو-1997

مشاهدات 65

نشر في العدد 1257

نشر في الصفحة 36

الثلاثاء 08-يوليو-1997

نشرت إحدى المجلات اليسارية تقريرا يضفي على ديكتاتور الكونغو الجديد لوران كابيلا من الصفات والسمات الوطنية ما يدعو للدهشة والعجب، كما ينعته بالثوري اليساري الذي قاد انتفاضة شعب الكونغو ضد موبوتو الديكتاتور السابق الفاسد من أجل أن ينشر أجواء الحرية والعدالة والسلام على أرجاء الكونغو تحت راية اليسار، وفي إطار المبادئ والمثل الثورية.

ووجه العجب في الأمر أن ديكتاتور الكونغو الجديد، لوران كابيلا - الذي نصب نفسه رئيسًا لجمهورية الكونغو في الخامس عشر من مايو الماضي بعد دخول قواته« الثورية» العاصمة كينشاسا - ليس إلا صناعة وعجينة أمريكية تمثل تمامًا الديكتاتور السابق موبوتو، وأغلب ظني أن أهل اليسار يعرفون قبل غيرهم مسيرة حياة كابيلا منذ أيام جيفارا حتى ركوبه موجة قبائل التونسي الثائرين في شرق الكونغو، ليصل على أعناقهم إلى مقعد الرئاسة بسلاح ودعم تقف خلفه إسرائيل وأمريكا، وليطوي الاستعمار الأمريكي صفحة بديكتاتور استبد في الكونغو على مدى اثنين وثلاثين عامًا، كان الإرهاب والقمع ومصادرة الحريات خلالها سبيله ووسيلته لفرض سلطانه، كما كان الفساد سمة عهده وعلامة حكمه، وبعد أن أدى دوره ونهض بكل ما يكفل ويحقق المصالح الأمريكية في الكونغو، وصار أمام زحف المرض الخبيث على جسده، كالجثة الهامدة كان لابد من تمهيد الطريق أمام ديكتاتور جديد، ليواصل المسيرة ويمضي على نفس النهج، وليس ثمة ما يمنع من طلاء جديد لصبغ الوجه أو صبغ الملامح مع تغيير في الشعارات.

وإذا كانت أمريكا قد ساندت موبوتو سنوات طوالًا جثم خلالها على صدور وأنفاس أهل الكونغو استنزف فيها الموارد لتصب في سلة الاستعمار الأمريكي، فإنها - أي أمريكا - قد قررت إنهاء الخدمات وتمهيد السبيل أمام كابيلا لينصب نفسه ديكتاتورًا جديدًا بعد أن تم تدريبه وتدريب اتباعه على أيدي خبراء إسرائيليين، وأمدته أمريكا عبر أوغندا بالمال والعتاد اللازمين لنهوضه بالمهمة وبلوغه للغاية.

وفي هذا يقول دبلوماسي إفريقي إبان زيارة له لأمريكا في الآونة الأخيرة، لقد رافقت أمريكا كابيلا في رحلته من مدينة نموجا في البحيرات شرق الكونغو حتى وصوله إلى لومومباشي غربًا، ليثب منها على السلطة في العاصمة كينشاسا أقصى الغرب وليصبح الحاكم الأوحد في الكونغو، يتصرف في الأمور ويصدر القرارات بإشارة من إصبعه مثلما غير اسم زائير إلى الكونغو الديمقراطية باسطًا سلطانه على دولة من أوسع وأغنى دول إفريقيا في المساحات والثروات، حيث مناجم ومخازن اليورانيوم والماس والنحاس والعديد من المعادن المهمة، إضافة إلى الثروات الزراعية التي لا تزال كامنة في الأرض، على الرغم من ما حل بالكونغو من خراب وتخريب واستنزاف على يد موبوتو.

وإذا كان الألوف من الذين اكتووا بنيران استبداد وطغيان موبوتو وذاقوا الحرمان أشكالًا في ظل حكمه الفاسد، قد خرجوا مهللين فرحين بمقدم كابيلا يحدوهم الأمل في شيء من العدالة أو الرفق والرحمة، فإن المدركين لحقيقة الخيوط التي تحرك كابيلا كما حركت موبوتو من الخلف قالوا معلقين مشفقين: إذا كان موبوتو قد سقط بقبعته التي صنعوها له من جلد النمر، فقد صعد كابيلا بقبعة الكاوبوي التي صنعوها له من الجلد، وليس ثمة فارق بين الاثنين إلا في شكل ونمط القبعة، أما السياسات فقد بقيت كما هي دون تغيير، كما ستبقى الأوضاع والأحوال على ما كانت عليه في الأمس.

لقد حكم موبوتو الكونغو ٣٢ عامًا كون خلالها ثروة تقدر بسبعة مليارات من الدولارات واقتني العديد من القصور والفلل وامتلك المطاعم والفنادق والمقاهي من عرق وأموال أهل الكونغو، ثم ترك الكونغو بعد أن عمها الخراب والدمار في حاجة إلى أكثر من خمسة وعشرين مليار دولار لإعادة البناء، ترى كيف استنزفت أمريكا من ثروات وموارد الكونغو طوال عهد موبوتو؟ وكم ستستنزف في عهد كابيلا الذي نصبته حاكمًا بأمره على الكونغو؟

إن أمريكا اليوم تمارس سياسة فرض الهيمنة وتنحية الآخرين من المستعمرين في إفريقيا، وفي معركة الكونغو التي بدأت بالهيمنة على البحيرات العظمى بعد أن تم ترويض وتدجين موسيفيني في أوغندا، ومن خلال التواجد الإسرائيلي في المنطقة، أكدت أمريكا على استبعاد فرنسا بعد إسقاط موبوتو، وبعد أن صار كابيلا الفارس الذي يلعب على الحلبة لصالح أمريكا، في تلك البقعة الحساسة من القارة الإفريقية.

 تقول صحيفة هيرالد تربيون الدولية «الأمريكية» ٢٧/ ٤ / ١٩٩٧م «نحن الذين صنعنا موبوتو ديكتاتور زائير السابق، وساندنا نظامه الفاسد لأكثر من ثلاثين عامًا، وملانا جيوبه بالدولارات» إن المخابرات الأمريكية جعلت موبوتو المارشال رجلها عقب استقلال الكونغو عام ١٩٦٠م، وأكثر من مرة كان عند أمريكا الفرصة للضغط على موبوتو للإصلاح في الكونغو، لكن أمريكا لم تقم بذلك، وعلى مدى السنوات التي حكمها موبوتو، قدمت أمريكا خمسة مليارات من الدولارات كمساعدات للكونغو. أدخلها موبوتو في جيبه، وفي ۱۹۹۰م تمرد الجيش الزائيري فساندت أمريكا موبوتو، وكان في إمكانها أن تشير عليه بالرحيل، وليست زائير الحالة الوحيدة لاستخدام أمريكا للمخابرات الأمريكية لرسم سياسة هذه الدولة، إن أمريكا لا تكترث بسياسات القمع والوحشية المفروضة على الشعوب من قبل المخابرات الأمريكية التي لا تتصرف بمفردها، وإن كان يحلو للسلطات الأمريكية العليا أن تزعم أنها ليست على علم بما تقوم به المخابرات.

ولعل كثيرين يذكرون. ما قاله متحدث باسم البيت الأبيض في التاسع من أبريل الماضي «إن الموبوتية على وشك أن تصبح شيئًا من الماضي» وكان هذا يعني صدور حكم أمريكي على موبوتو، بأن دوره قد انتهى خاصة بعد أن صار جثة هامدة أمام زحف السرطان، مع صدور قرار بتحريك كابيلا ليرث السلطة ويواصل الدور تحت شعار الديمقراطية والثورية، وهكذا يتم إسقاط ديكتاتور، وتنصيب ديكتاتور على الطريقة الأمريكية ولو تحت رايات وشعارات اليسار، فكل الديكتاتوريات تسحق الشعوب لبست جلد النمر أو ارتدت ثياب اليسار!.

الرابط المختصر :