; إفريقيا وأوربا.. من الاستغلال إلى العولمة | مجلة المجتمع

العنوان إفريقيا وأوربا.. من الاستغلال إلى العولمة

الكاتب أحمد عبدالفتاح

تاريخ النشر الثلاثاء 18-أبريل-2000

مشاهدات 62

نشر في العدد 1396

نشر في الصفحة 34

الثلاثاء 18-أبريل-2000

■ المساعدات الإنمائية والقروض شعارات رفعتها أوروبا لتغطية هيمنتها على القارة السمراء

■ لم يتناقص الاهتمام الأوروبي بإفريقيا ولكن الأوروبيين بعد زوال الخطر الشيوعي لم يعودوا مستعدين لتقديم الثمن الزهيد الذي كانوا يدفعونه مقابل الهيمنة على إفريقيا

■ لماذا لا تدفع أوروبا تعويضات لإفريقيا عن فترات الاستغلال؟ إنها تدفع لحفنة من اليهود لم تفعل معهم عشر ما فعلته مع الأفارقة!

من لا يتعلم من  التاريخ لا يمكن أن يساهم في بناء المستقبل على دعائم قويمة.. يسري هذا على العلاقات الإفريقية- الأوروبية أكثر من سواها، وتاريخ هذه العلاقات حافل بالدروس إلى أبعد حد، وهي الآن على جسر ينتقل بها بين حقبتين، وفي هذه المرحلة الانتقالية- وليس بعد أن تستقر معالم حقبة جديدة- يمكن أن يستفاد من تلك الدروس التاريخية، فتوظف للحيلولة دون تكرار ما سبق وشهدته الحقب التاريخية الماضية والذي أوصل إلى الأوضاع المأساوية الراهنة في القارة الإفريقية.

لا تقتصر دروس  التاريخ المأساوية في إفريقيا على حقبة استعمارية استمرت إلى الستينيات الميلادية، ووصلت فيها العلاقات الاستغلالية إلى درجة التجارة بالبشر وبيعهم عبيدًا فضلًا عن نهب الثروات الطبيعية حتى أصبحت الخامات الإفريقية وقودًا للثورة الصناعية وأول أعمدة «الرفاهية» المادية الراهنة في البلدان الغربية، إنما استمر الاستغلال بعد حقبة الاستعمار العسكري المباشر، صحيح أنه ينبغي البحث أولًا عن المسؤولية الذاتية ولكن لا ينبغي بالمقابل الانزلاق إلى موقف مبالغ فيه، فالاستفادة من دروس التاريخ، تتطلب إلى جانب النقد الذاتي «المطلوب»، عدم التطرف به إلى درجة إنكار وجود «عدو»، يخطط وينفذ ويسعى لتحقيق أهدافه، علنًا.. أو سرًا.

هذا مما يسري على رصد ما كان من دور للدول الاستعمارية الأوروبية في إفريقيا، كفرنسا وبريطانيا والبرتغال وبلجيكا وسواها التي لم تخرج «رسميًا» من القارة، إلا بعد رسم حدود وزرع بذور مشكلات إقليمية كان لا بد أن تثير نزاعات مستقبلية، وكذلك بعد ترسيخ أقدام طبقة معينة في السيطرة على أنظمة حكم فاسدة منحرفة استبدادية داخليًا، غربية بسياساتها، خدمت الغرب وحصلت لعشرات السنين التالية على دعمه المباشر العلني والسري العسكري وغير العسكري، واتخذت أشكالًا عديدة من الأنظمة، بدءًا بشخصيات أسطورية مثل الإمبراطور بوكاسا في إفريقيا الوسطى، مرورًا بأنظمة دموية كالتي عرفتها الكونغو، وانتهاء بأشكال أخرى من أنظمة الحكم التي غلبت عليها صبغة وطنية، أو تعددية شكلية ولكن لم تكن تختلف في جوهرها ولا في سياساتها وممارساتها عن سواها من حيث مصادرة الحريات والحقوق داخليًا، والارتباط بالخارج ارتباطًا تبعيًا خطيرًا. 

ويوجد من ينتقد الأفارقة اليوم.. فيذكر- وهو محق- وقوع زهاء مائة انقلاب عسكري بعد الاستقلال.. لم يكتسب إلا القليل النادر منها صفة تحرك بدافع وطني من أجل التخلص من استبداد داخلي أو ارتباط أجنبي، ولكن لا ينبغي أن يغفل الناقد عن عنصرين لا يستهان بأي منهما، أولهما وجود أفراد فاسدين على استعداد لأن يدوسوا على مصلحة بلادهم وشعوبهم طمعًا في تحقيق منافع ذاتية، ولكن كان من المستحيل أن يتمكنوا من فرض ما يريدون داخليًا، لولا العنصر الثاني الذي قامت عليه تلك الانقلابات، وهو اليد الأجنبية المشاركة مباشرة في تدبيرها، تخطيطًا أو تخطيطًا وتنفيذًا أو دعمًا مكشوفًا، لقد كانت الدول الأوروبية لا ترى في إفريقيا سوى ساحة نفوذ ممتدة ما بين قناة السويس، وسبته ومليله، ورأس الرجاء الصالح!

ولا يختلف الأمر اختلافًا يستحق الذكر في حصيلة ما شهدته القارة أيضًا من حروب ونزاعات مسلحة، سواء في ذلك ما كان حروبًا بالنيابة في حقبة الحرب الباردة، أو ما يوصف بالحروب الأهلية، وهو من قبيل ما نعرفه في جنوب السودان منذ أكثر من عشرين عامًا، ونعرف ما يكمن وراءه من دور استعماري سياسي وكنسي.. ويضاف إلى هذا وذاك الموجة الجديدة التي يؤرخ لبدايتها بمأساة رواندا الدامية، وتقترن بقرار الولايات المتحدة أن تقتحم القارة الإفريقية بعد أن فرغت من الحرب الباردة، فدخلت طرفًا منافسًا جديدًا للقوى الأوروبية الاستعمارية القديمة.

حصيلة المساعدات

إن محاولة استشراف مستقبل العلاقات «الاقتصادية» بين إفريقيا وأوروبا، تتطلب النظر من داخل معطيات الإطار السياسي المذكور عن حقبة «الاستقلال» بالمنظور الإفريقي أو عن حقبة «الحرب الباردة» بالمنظور الغربي، لتحديد معالم ما كانت عليه تلك العلاقات خلال العقود الستة الماضية، ثم ما وصلت إليه من نتائج حتى الآن لتقدير ما يمكن أن تصل إليه وتحققه في المستقبل. 

ومعروف أن الأوروبيين طرحوا بعد تجاوزهم دمار الحرب العالمية الثانية شعار المساعدات الإنمائية في علاقاتهم مع الدول النامية عمومًا بما فيها الدول الإفريقية فهل كانت حصيلة تلك المساعدات على مدى عدة عقود. أقل خطرًا وضررًا على البلدان الإفريقية من الحقبة الاستعمارية السابقة؟.. لا نحسب وجود من يزعم تحقيق فائدة ملموسة، وإن لجأ بعض من يتحدثون عن المساعدات الإنمائية إلى أساليب التمويه، برداء دبلوماسي، أو حتى رداء بحث منهجي... فما يحكم على تلك الفترة في نهاية المطاف هو الحصيلة المرئية رأي العين، والثابتة بالوقائع والأرقام، وهي حصيلة مأساوية بمختلف المقاييس.

قروض الهيمنة

إن تلك «القروض» التي توصف زورًا بالمساعدات، اعتمدت على ما سبقت الإشارة إليه من علاقات التبعية السياسية والعسكرية الباقية من العهد الاستعماري المباشر، وأضافت إليها في النهاية علاقات هيمنة اقتصادية ومالية كاملة للدول الغربية، كما اعتمدت على ركائز الجيوش والأسلحة والقواعد العسكرية، وأضافت إليها أغلالاً أخطر وأطول أثرًا، عبر الديون الخارجية التي تجاوزت مع فوائدها الربوية ٣٥٠ مليار دولار، فارتفعت نسبتها- وهي مساعدات!- إلى ثلثي الإنتاج الاجتماعي العام، أي مجموع المنتوجات المادية والخدمات العامة في الدول الإفريقية، وبات سدادها يستهلك أكثر من ثلث العائدات السنوية من الصادرات الإفريقية، وحتى أصبح ما ينتقل من أموال إلى أوروبا من إفريقيا ومن المناطق النامية الأخرى في العالم، أكثر مما يذهب إلى تلك المناطق وهذا ما يطلق عليه وصف «حصيلة حركة الأموال العالمية» قروضًا جديدة وسدادًا لقروض قديمة، سيان ما يطلق على ذلك من أوصاف مثل مساعدات جديدة.. أو منح.. أو إعادة جدولة ديون أو قروض استثمارية أو سوى ذلك من المسميات! 

إفريقيا تملك ما لا تملكه أوروبا من خامات معدنية لا حصر لها، وثروات كبرى من اليورانيوم والذهب والماس، فضلًا عن الفوسفات والنحاس والنفط.. وتملك من الطاقة المائية أنهارًا وأمطارًا وبحيرات أكثر مما تملكه أوروبا، وما يكفي عند الاستفادة القويمة منه لتغطية احتياجات البلدان النامية جميعًا.. وتملك من الأراضي الزراعية والصالحة للزراعة ما يكفي- دون المساعدات الإنمائية- لإطعام أهلها وتصدير الفائض إلى أوروبا.. بل تعادل مساحة الأرض الزراعية والصالحة للزراعة في حوض النيل فقط مثيلها في أوروبا بكاملها، وإفريقيا لا يصل متوسط الكثافة السكانية فيها إلى ثلث متوسط الكثافة السكانية في القارة الأوروبية.. ولكن تحولت الأوضاع في القارة الإفريقية رغم ذلك كله، وبعد مساعدات مزعومة إنمائية وغير إنمائية ثنائية وجماعية، إلى منطقة تضرب الأرقام القياسية في المجاعات والفقر والمرض، والتخلف، والألغام القاتلة... وتكفي الإشارة إلى انتشار الفقر المدقع بين ستين في المائة من سكان القارة، بما يشمل ۲۱ دولة أشد فقرًا من سواها عالميًا، و٢٤ دولة من المرتبة الثانية بين الدول النامية الفقيرة، هذا من أصل ٥٢ دولة إفريقية.. أو يكفي الإشارة لوجود ۳۰ مليونًا من أصل ۱۱۰ ملايين لغم أرضي في أنحاء العالم في ١٨ دولة إفريقية من بين ٦٤ دولة تنتشر فيها تلك الألغام في أنحاء العالم، وجميعها من فترة الحرب العالمية الثانية ومن مخلفات الحروب بالنيابة في فترة الحرب الباردة.

مرة أخرى.. لا يراد هنا تبرئة الأفارقة من حمل قسط من المسؤولية عن هذه الأوضاع، وعن تدهورها خلال العقود الماضية، إنما لا ينبغي الإغراق الساذج في ذلك إلى درجة تبرئة الدول الأوروبية من المسؤولية، ولعل «الجريمة» الكبرى التي ارتكبها فريق من الأفارقة ويحملون المسؤولية عنها هي أنهم جعلوا من أنفسهم ومن البلدان التي حكموها، أدوات في خدمة الأطماع الأوروبية فساهموا في صناعة نسيج الاستعمار الحديث بمختلف وسائله من شركات.. ومؤسسات مالية... وقواعد عسكرية وأجهزة «أمنية»... وكذلك ما حمل عناوين استثمارات أجنبية ومساعدات إنمائية.

المشاركة.. في عصر العولمة

منذ نهاية الحرب الباردة بدأت الدول الأوروبية تردد أنها عازمة على الانتقال بعلاقاتها مع الأفارقة من مرحلة «التعاون» كما يسمون حقبة الاستغلال بعد الاستقلال إلى مرحلة المشاركة، كما يصفون صيغتهم الجديدة للتعامل مع القارة في عصر العولمة الجديد.

ومع ملاحظة أن هذه الدعوة ظهرت للعيان حوالي عام ١٩٩٤م، فمن الجدير بالتساؤل عن السياسة الأوروبية تجاه إفريقيا خلال عشرة أعوام سبقت أي منذ ظهور البوادر الأولى لانهيار المعسكر الشرقي وشيوعيته، وليس صحيحًا ما يتردد بشكل عام، أن الاهتمام الأوروبي بالقارة قد اضمحل في تلك الفترة، نظرًا إلى غياب مفعول «صراع النفوذ» والأصح أن الدول الأوروبية المعنية، لم تعد بعد زوال الخطر الشيوعي تشعر بالحاجة إلى الاستمرار في تقديم القليل الذي كانت تقدمه «ثمنًا» لولاء بعض أنظمة الحكم الإفريقية لها، لم يعد الأوروبيون في حاجة إلى دفع ذلك «الثمن الزهيد» مقابل ما يحصلون عليه من الخيرات الإفريقية، وهذا ما نفهمه من عبارة تتردد كثيرًا في الآونة الأخيرة، وهي: «ضعف الاهتمام الأوروبي بالقارة».. ومن المعروف أن هذا الاهتمام لم يضعف قط من حيث استمرار حصول الأوروبيين على ما يريدون من الخامات والثروات بأبخس الأسعار.. التي انخفضت مجددًا بنسبة تجاوزت خمسة عشر في المائة، كما انخفض في الوقت نفسه «الثمن الزهيد للولاء»، فهبط معدل ما وصل إلى القارة من قروض واستثمارات في تلك الفترة إلى أقل من نصف ما كان عليه من قبل، وهو ما لم يؤد إلى تدني مستوى معيشة الطبقة المترفة المنتفعة في كل بلد إفريقي على حدة، وإنما إلى تدني ما تنفقه الأنظمة القائمة لتغطية الاحتياجات الأساسية للسكان.. حتى وقعت الكوارث الكبرى على شكل مجاعات في شرق القارة ووسطها، ثم الحروب الدموية في منطقة البحيرات الكبرى.

تحرك أوروبي جديد

التحرك الأوروبي الجديد باتجاه إفريقيا له أكثر من دافع جديد لا علاقة له بدعم القارة للخروج من مآسيها، أو بإقرار أوروبي ما بالمشاركة في حمل المسؤولية عن تلك المآسي ومن تلك الدوافع ازدياد حدة التنافس الأوروبي- الأمريكي والعمل على مواجهة التحرك الأمريكي الجديد في القارة المجاورة، ومنها أيضًا مواجهة مشكلة الهجرة إلى البلدان الأوروبية، وهو ما ينبغي وضعه في إطاره الحقيقي، فكثرة الحديث عن تلك الهجرة، لا يصح أن توهم بأنها مشكلة أوروبية مع القارة الإفريقية فأكثر من نصف المهاجرين هم من شرق أوروبا التي يزداد الانفتاح الغربي تجاهها.. ولكن يراد التخلص من الجزء الباقي من مشكلة الهجرة بإنشاء مزيد من السدود تجاه البلدان النامية مثل العودة إلى الأخذ بنظام تأشيرات السفر تجاه بعض البلدان، وتشديد قوانين اللجوء السياسي ومضاعفة إجراءات الترحيل القسري هذا مع أن نسبة الأجانب جميعًا في أوروبا لا تزيد وسطيًا على خمسة في المائة من السكان، وأن عدد اللاجئين والمشردين والوافدين لا يصل إلى معشار عدد المشردين داخل القارة الإفريقية نفسها والذين يمثلون أعباء هائلة على بعض البلدان الإفريقية كالسودان.

وحتى الآن فإن التأكيدات الأوروبية المتكررة بتقديم الدعم الاقتصادي كوسيلة جديدة لإغراء مواطني البلدان الفقيرة بعدم الهجرة إلى الغرب لم تتحول إلى إجراءات عملية، بل على النقيض من ذلك، منذ مطلع التسعينيات الميلادية أضافت الدول الأوروبية شروطًا جديدة لتقديم القروض للدول النامية، منها ما يرتبط بحقوق الإنسان، وما يرتبط بالبيئة، ومنها ما يرتبط بسياسات اجتماعية محضة مثل قضية المرأة أو تحديد النسل. وانعكس ذلك على أرض الواقع بانخفاض نسبة القروض الأوروبية إلى الدول الإفريقية، كما انخفضت نسبة القروض الإنمائية من ثلاثة ونصف إلى أقل من اثنين في الألف من الناتج الاجتماعي العام في الدول الصناعية. 

وفي الوقت الذي تناقصت فيه أسعار المواد الخام التي تشكل عصب الحياة للدول الإفريقية كانت أسعار المواد الصناعية بالمقابل في ارتفاع مطرد طوال العقود الماضية، فبلغت نسبة الزيادة أكثر من ۳۰۰٪ ثم بعد الاتفاقية التجارية الدولية الأخيرة كانت الفائدة لصالح عائدات الدول الصناعية وحدها، نتيجة تحرير التجارة من إجراءات الحماية الوطنية بصورة مدروسة لصالح الغرب.. فارتفعت تلك العائدات بمعدل ثلاثمائة مليار دولار سنويًا. 

ومن الأمثلة الصارخة على استمرار الاستغلال تحت عنوان «المشاركة» الجديد، أن المنسوجات والمزروعات كانت حتى الستينيات من الصادرات الرئيسة للبلدان النامية، فساهمت حملة التصنيع المزعومة تحت عنوان الدعم الإنمائي بانهيار موقع البلدان النامية لصالح الدول الصناعية حتى أصبحت تحتكر هذين القطاعين أيضًا.. ثم بدأ عندما شمل تحرير التجارة من القيود معظم الصادرات الغربية، ولم يشمل هذين القطاعين بالذات، بل بقيت الدول الأوروبية تنفق المليارات سنويًا على إتلاف الفائض من المنتجات الزراعية والغذائية، كيلا تنخفض أسعارها في الأسواق الدولية، كما بقيت تنفق عشرات المليارات على دعم الإنتاج الزراعي فيها.

حاجة أوروبا إلى إفريقيا

كانت العلاقات بين أوروبا وإفريقيا في الماضي استعمارية استغلالية، فتبدلت العناوين، ولم يتبدل المضمون حتى اليوم.. ومن هنا يمكن القول بأن الأفضل لإفريقيا أن يدعها الأوروبيون وشأنها على حد تعبير القذافي.. بغض النظر عن القبول أو عدم القبول بأساليبه المعروفة. ويسري شبيه ذلك على مطالبته بتعويضات أوروبية على ما مضى من استغلال. فليس في هذا الطلب ما يثير الاستغراب، وإنما يستغرب المرء أن يعتبر بعض الزعماء في المؤتمر الأخير في القاهرة، أن مثل هذه القضايا لا يمكن طرحها بصورة جادة.

منذ سنوات تشهد الساحة الأوروبية المطالبة بتعويضات تدفعها الشركات لصالح المتضررين أثناء العهد النازي، بما في ذلك الشركات التي لم تكن موجودة آنذاك أصلًا.. بحجة «المسؤولية الجماعية» ومن ذلك التعويض عن «العمل القسري»، أفلا ينبغي المطالبة على الأقل بتعويضات عن البيع في «سوق الرقيق» الذي مارسه الأوروبيون في حق الأفارقة؟ ألا ينبغي للدول الإفريقية أن تعلن أنها تعتبر الديون الخارجية لصالح الأوروبيين وهي أكثر من تسعين في المائة من أصل ٣٥٠ مليار دولار قيمة إجمالي الديون وفوائدها الربوية سدادًا للتعويضات عن تلك الحقبة أو عن حقبة الاستعمار.. أو عن الاستغلال بعد الاستقلال؟ ليست إفريقيا في حاجة إلى الأوروبيين قدر حاجة الأوروبيين إلى إفريقيا، هم في حاجة إلى خاماتها لتشغيل مصانعهم، وشبابها لتأمين المعاشات التقاعدية لعجائزهم وأسواقها القريبة لتصريف منتجاتهم، وعمقها الجغرافي لتحقيق تميزهم السياسي والأمني. 

ولئن بقي الحديث عن التعويضات محظورًا .. فلا أقل من تطبيق مبدأ المعاملة بالمثل وفق العرف الديبلوماسي والاقتصادي، ومن ذلك على سبيل المثال وضع الحواجز في وجه المنتجات الأوروبية.. والملاحة بين ارتفاع أسعار الإنتاج الصناعي وارتفاع أسعار المواد الخام.. واقتران كل استثمار أوروبي يحقق مردودًا ضخمًا على الأرض الإفريقية باتفاق ملزم على الإسهام في نقل التقنية الحديثة وليس هذا إلا غيضًا من فيض من الجوانب التي ينبغي التعامل بالمثل على صعيدها، مما يبدأ بالسفارات والقنصليات كما نعلم عند المقارنة بين السلوك الأوروبي المتعجرف فيها مع الأفارقة مقابل السلوك الإفريقي «الذليل» مع الأوروبيين.

إن باستطاعة الفقير المحروم في الصومال والسنغال وفي موريتانيا والسودان أن يبقى محرومًا من سيارة أوروبية مستوردة، فهو في حاجة أكبر إلى لقمة الطعام، وجرعة الدواء، وشربة الماء والمأوى الآمن.. ولكن لم يعد باستطاعة الأوروبي أن يعيش دون سيارة تسير بالوقود الليبي والجزائري والنيجيري، ودون أجهزة تدفئة تعمل بذلك الوقود، ودون مواد كيمياوية يتم إنتاجها بالخامات المستوردة من القارة الإفريقية.

ولكن لن تتوازن العلاقات الإفريقية- الأوروبية ما لم تتوازن العلاقات الإفريقية- الإفريقية أولًا، وهذا ما يسري على البلدان النامية عمومًا والتي تمثل البلدان الإسلامية أكثر من ثلثها على مستوى الدول فيما بينها، وعلى مستوى الحكومات والشعوب داخل كل دولة على حدة، وهذا ما ينبغي إعطاؤه الأولوية في المؤتمرات وخارج نطاق المؤتمرات على أي تحرك باتجاه الحوار أو التعاون أو المشاركة مع أي طرف غربي.

الرابط المختصر :