; إكرام الجار «1 من 3» | مجلة المجتمع

العنوان إكرام الجار «1 من 3»

الكاتب حجازي إبراهيم

تاريخ النشر الثلاثاء 21-يوليو-1998

مشاهدات 72

نشر في العدد 1309

نشر في الصفحة 58

الثلاثاء 21-يوليو-1998

  • الإحسان إلى الجار يربط بين أبناء الأمة الإسلامية، ويجعل منها بناءً مترابطًا ومتكافلًا

عن عائشة عن النبي- صلى الله عليه وسلم- قال: «ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت انه سيورثه»([1])، وعن أبي شريح العدوي قال: سمعت أذناي وأبصرت عيناي حين تكلم النبي- صلى الله عليه وسلم- فقال: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم جاره، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه جائزته، قيل: وما جائزته يا رسول الله؟ قال: يوم وليلة، والضيافة ثلاثة أيام، فما كان وراء ذلك فهو صدقة عليه، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت»([2]).

الدروس والعبر: إن إكرام الجار والإحسان إليه، وصيانته ودفع الأذى عنه حق مشروع، حث عليه الإسلام، وأمر به القرآن الكريم، قال الله تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا﴾ (النساء:36).

هذه الآية جمع الله فيها بين ذكر حقه على العبد، وحقوق العباد على العبد، وجعل العباد الذين أمر بالإحسان إليهم خمسة أنواع:

الأول: من بينه وبين الناس قرابة، وخص منهم الوالدين بالذكر لامتيازهما عن سائر الأقارب بما لا يشركونهما فيه، فإنهما كانا السبب في وجود الولد، ولهما حق التربية والتأديب وغير ذلك.

الثاني: من هو ضعيف محتاج إلى الإحسان، وهو نوعان: من هو محتاج لضعف بدنه، وهو اليتيم، ومن هو محتاج لقلة ماله، وهو المسكين.

الثالث: من له حق القرب والمخالطة، وجعلهم ثلاثة أنواع:

- الجار ذو القربي: الجار الذي له قرابة، وقيل الجار المسلم، وقيل الجار الملاصق.

- الجار الجنب: الجار الأجنبي الذي لا قرابه له، وقيل الكافر، وقيل البعيد الجوار.

- الصاحب بالجنب، قيل: هو الزوجة، ومنهم من أدخلها في الجار ذي القربي، ومنهم من أدخلها في الجار الجنب، وقيل الصاحب بالجنب هو الرفيق في السفر، ومنهم من أدخله في الجار الجنب، فعن أبي هريرة أن النبي- صلى الله عليه وسلم - كان يقول: «اللهم إني أعوذ بك من جار السوء في دار المقامة، فإن جار البادية يتحول»([3]).

وعن زيد بن أسلم قال: هو جليسك في الحضر، ورفيقك في السفر، وامرأتك التي تضاجعك([4]).

وجاء في لسان العرب في قوله تعالى: ﴿وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُب﴾ (النساء:36)، فالجار ذو القربي هو نسيبك النازل معك في الجوار، ويكون نازلًا في بلدة وأنت في أخرى، فله حرمة جوار القرابة، والجار الجنب ألا يكون له مناسبًا؛ فيجيء إليه ويسأله أن يجيره، أي يمنعه، فينزل معه، فهذا الجار الجنب له حرمة نزوله في جواره، ومنعته، وركونه إلى أمانه وعهده، والمرأة جارة زوجها لأنه مؤتمر عليها، وأمرنا أن نحسن إليها، وألا نعتدي عليها، لأنها تمسكت بعقد حرمة الصهر، وصار زوجها جارها؛ لأنه يجيرها ويمنعها ولا يعتدي عليها، وجاورت في بني هلال إذا جاورتهم، وأجار الرجل إجارة خفره، واستجاره سأله أن يجيره، وفي التنزيل ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ﴾  (التوبة: ٦).

قال الزجاج: المعنى إن طلب منك أحد من أهل الحرب أن تجيره من القتل إلى أن يسمع كلام الله فأجره، أي أمنه، وعرفه ما يجب عليه أن يعرفه من أمر -الله تعالى- الذي يتبين به الإسلام، ثم أبلغه مأمنه لئلا يصاب بسوء قبل انتهائه إلى مأمنه([5]).

 الرابع: من هو وارد على الإنسان، غير مقيم عنده، وهو ابن السبيل: يعني المسافر إذا ورد إلى بلد آخر، وفسره بعضهم بالضيف يعني به ابن السبيل إذا نزل ضيفًا على أحد.

والخامس: ملك اليمين، وقد أوصى النبي بهم كثيرًا، وأمر بالإحسان إليهم، وروي أن آخر ما أوصى به عند موته: «الصلاة، وما ملكت إیمانکم»([6]).

إن القرآن الكريم يدعونا إلى ضرورة الإحسان إلى الجار ومعرفة حقه، وتوكيد العلاقة به، ومشاركته في آلامه وآماله، وسائر أحواله، وإشعاره بأنه لا يعيش وحده، وإنما من حوله جيران له، يرتبطون به، ويشاركونه، ويبادلونه يسره وعسره.

يقول الإمام المراغي: الجوار ضرب من ضروب القرابة، فهو قرب بالمكان والسكن، وقد يأنس الإنسان بجاره القريب أكثر مما يأنس بالنسيب، فيحسن أن يتعاون الجيران، ويكون بينهم الرحمة والإحسان، فإذا لم يحسن أحدهما إلى الآخر فلا خير فيهما لسائر الناس([7]).

حفظ الجار المسلم وغير المسلم:

والإسلام في أمره برعاية الجار وعدم التعرض له بالإساءة والأذى، لا يفرق بين الجيران بعقيدة أو جنس، أو فقر وغنى، وفي ذلك يقول ابن حجر: «واسم الجار يشمل المسلم والكافر، والعابد والفاسق، والصديق والعدو، والغريب والبلدي، والنافع والضار، والقريب والأجنبي، والأقرب دارًا والأبعد، وله مراتب بعضها أعلى من بعض، فأعلاها من اجتمعت فيه الصفات الأول كلها، ثم أكثرها، وهلم جرا إلى الواحد، وعكسه من اجتمعت فيه الصفات الأخرى كذلك، فيعط كل حقه بحسب حاله، وقد تتعارض صفتان فأكثر فيرجح أو يساوي»([8]).

 ولذلك نرى أن الإسلام قسم الجيران من حيث أنواع الحقوق الواجبة لهم، فمنهم من له حق واحد، وهو الجار غير المسلم، له حق الجوار فقط، فعن عبد الله بن عمر أنه ذبح شاة فقال: أهديتم لجاري اليهودي، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «مازال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه»([9]).

ومنهم من له حقان، وهو الجار المسلم، له حق الجوار، وحق الإسلام، ومنهم من له ثلاثة حقوق، وهو الجار المسلم القريب، له حق الجوار وحق الإسلام وحق القرابة، ومنهم من له أربعة حقوق وهو الصهر القريب المسلم، له حق المصاهرة زيادة على سابقه([10]).

حد الجوار: 

والجوار يمتد ليصل إلى أربعين بيتًا، عن كعب بن مالك قال: «أتى النبي- صلى الله عليه وسلم- رجل فقال: يا رسول الله، إني نزلت في محلة بني فلان، وإن أشدهم إلى أذى أقربهم لي جوارًا، فبعث رسول الله- صلى الله عليه وسلم-  أبا بكر وعمر وعليًا- رضي الله عنهم- يأتون المسجد، فيقومون على بابه، فيصبحون: ألا إن أربعين دارًا جار، ولا يدخل الجنة من خاف جاره بوائقه»([11]).

وقد اختلف في حد الجوار، فجاء عن علي: من سمع النداء فهو جار، وقيل من صلى معك صلاة الصبح فهو جار، وعن عائشة: «حد الجوار أربعون دارًا من كل جانب»، وعن ابن شهاب أربعون دارًا عن يمينه، وعن يساره، ومن خلفه ومن بين يديه، وهذا يحتمل كالأولى، ويحتمل أن يريد التوزيع فيكون من كل جانب عشرة([12]).

وهنا ندرك عظمة الإسلام، حين يربط بين أبنائه في القرية الواحدة بحثهم على مراعاة حق الجوار، إن القرية الواحدة كلها تتواصل في ظل هذا الحق؛ لتكون جسمًا واحدًا.

وإذا كان ذلك في حق الأفراد، فماذا لو تجاوزنا حدود جوار الأفراد، وانتقلنا إلى حقوق جوار القرى، وتجاوزنا ذلك إلى جوار المدن، لنصل منه إلى جوار الدول بعضها مع بعض، لا سيما الإسلامية منها.

إن ذلك كله يربط بين أبناء الأمة الإسلامية، ويجعل منها بناءً مترابطًا متماسكًا متكافلًا، ويكون منها أمة واحدة، فيتحقق قول الله تعالى: ﴿وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾ (المؤمنون: 52).

وأحسن إلى جارك تكن مؤمنا:

وحفظ الجار من كمال الإيمان، وهو مما كانت الجاهلية ترعاه، وتحافظ عليه، وتفتخر بحفظه، وتعيب تارك ذلك وتذمه، قال علي بن أبي طالب:

وحفاظ جار لا نُضعه فإنه *** لا يبلغ الشرف الجسيم مضيع([13])

وقال عنترة:

وأغض طرفي إن بدت لي جارتي *** حتى يواري جارتي مأواها([14])

وفي المثل: الجار ثم الدار، ومعناه إذا أردت شراء دار فسل عن جوارها قبل شرائها([15]).

 وقالوا في الأمثال: جار كجار أبي دواد، يعنون كعب بن أمامة، فإن كعبًا كان إذا جاوره رجل فمات وداه- أي دفع ديته- وإن هلك له بعير أو شاة أخلف عليه، فجاء أبو دواد الشاعر مجاورًا له، فكان كعب يفعل به ذلك، فضربت العرب به المثل في حسن الجوار، فقالوا: جار كجار أبي دواد، قال قيس بن زهير:

أطوف ما أطوف ثم آوي *** إلى جار كجار أبي دواد

وقال طرفة بن العبد:

إني كفاني من أمر هممت به *** جار كجار الحذاقي الذي اتصفا

الحُذَاقِيُّ الفصيح اللسان وعني كعبًا ([16]).

الإسلام يتمم مكارم الأخلاق:

وإذا كان إكرام الجار من شيم العرب في الجاهلية وأخلاقهم، فإن الإسلام جاء ليؤكد على هذا الحق ويتممه، فما جاء النبي إلا ليتمم مكارم الأخلاق، والإحسان إلى الجار يكون بالقول والفعل، قال الراغب: والإحسان يقال للإنعام على الغير، والإحسان على فعله، وذلك إذا علم علمًا حسنًا، أو عمل عملًا حسنًا، وعليه قول علي رضي الله عنه: «والناس أبناء ما يحسنون» أي منسوبون إلى ما يعلمون ويعملون من الأفعال الحسنة، والإحسان أعم من الإنعام والعدل، إذ العدل أن يعطي ما عليه، ويأخذ ما له، والإحسان أن يعطي أكثر مما عليه، ويأخذ أقل مما له.

فالجوار يقتضي حقًا وراء ما تقتضيه أخوة الإسلام، فيستحق الجار المسلم ما يستحقه كل مسلم وزيادة، ولذلك كان جبريل يكثر من الوصية به، حتى قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه»([17]).

وإكرام الجار دلالة إيمان بالله، وعلامة يقين بالآخرة، يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم جاره»([18]).

وعن أبي ذر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يا أبا ذر، إذا طبخت مرقة فأكثر ماءها، وتعاهد جيرانك»([19]).

عن أبي هريرة- رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من يأخذ عني هؤلاء الكلمات فيعمل بهن، أو يعلم من يعمل بهن؟ فقال أبو هريرة- رضي الله عنه- قلت: أنا يا رسول الله، فأخذ بيدي، فعد خمسًا، وقال: اتق المحارم تكن أعبد الناس، وارض بما قسم الله لك تكن أغنى الناس، وأحسن إلى جارك تكن مؤمنًا، وأحب للناس ما تحب لنفسك تكن مسلمًا، ولا تكثر الضحك، فإن كثرة الضحك تميت القلب»([20]).

([1]) فتح الباري 10/441[6014- 6015 عن ابن عمر]، مسلم بشرح النووي 16/176/ [140/2624].

([2]) فتح الباري 10/445/619، مسلم بشرح النووي 2/20/48.

([3]) الترغيب والترهيب 3/355.

([4]) الدر المنثور 2/284.

([5]) لسان العرب مادة جور بتصرف.

([6]) أحمد 3/17، وابن ماجه 2697.

([7]) سلسلة الدين والحياة- المجلد التاسع 43.

([8]) فتح الباري 10/44.

([9]) أبو داود 4/341/5152.

([10]) بهجة النفوس 4/165 بتصرف.

([11]) الترغيب والترهيب 3/353، وعزاه إلى الطبراني.

([12]) فتح الباري 10/447 بتصرف.

([13]) الترغيب والترهيب 3/358، بالهامش.

([14]) الجامع لأحكام القرآن للقرطبي 12/148.

([15]) مجمع الأمثال للميداني 307.

([16]) مجمع الأمثال للميداني 1/289.

([17]) فتح الباري10/ 441/ 6014- 6015.

([18]) فتح الباري 10/ 445/ 6019.

([19]) مسلم بشرح النووي 16/ 176/ [142«2625»].

([20]) تحفة الأحوذي 6/ 590/ 2407.

(*) من علماء الأزهر الشريف

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 722

93

الثلاثاء 25-يونيو-1985

الأسرة العدد  (722)

نشر في العدد 1990

82

الجمعة 24-فبراير-2012

أحبك..!!