العنوان إلغاء الأيديولوجيا.. شل إرادة الأمة
الكاتب محمد السيد
تاريخ النشر الثلاثاء 16-يناير-2001
مشاهدات 123
نشر في العدد 1434
نشر في الصفحة 18
الثلاثاء 16-يناير-2001
من بنود ثقافة الاستسلام
إلغاء الأيديولوجيا..
تحييد الهوية وإلغاء الخصوصية
شل إرادة الأمة
المد الإسلامي عصي على الاستسلام وقوى الاستعمار.. والصهيونية تسعى لإخضاعه والقضاء عليه
ثقافة الاستسلام هدفها غلق ملف قضية فلسطين والإقرار باغتصابها إلى الأبد
المشروع الصهيوني الأمريكي يسعى لكسر إرادة شعوبنا العربية والإسلامية عن طريق محاصرة مشروع الجهاد والمقاومة الإسلامية
لولا أن ديننا يبشرنا بأن هذه الأمة تختزن الخير في كل حين لتطرق الشك إلى النفوس في إمكان إنقاذ الموقف
لا يمكن للقاتل أن يدعي امتلاك برعم السلام، ولا يمكن للغاصب المحتل أن يتحول إلى مانح للحقوق، ويوم اتجه البعض من أمتنا إلى ترويج شعارات كهذه -خدمة لكراسيهم أو مكاسبهم الشخصية- راحت الحقوق تتساقط من أيدينا حقًا حقًا، وراح التاريخ يفقد معناه الحقيقي من خلال الأنشودة الشاذة التي أخذ هؤلاء يدندنون بها ليتركوا الأوطان على وقعها تنزف الكرامات والرجولة والمروءة من أين ابتدأت القصة؟ وكيف زرعت في حقولنا فسيلة الوهم هذه فذهب الزارعون يمدونها بأسباب الحياة؟ لعلهم يستطيعون نقلها من حالة الصدى إلى حالة السكون داخل عقول الجيل من أبناء هذه الأمة؟ أهي من وقت سلم الناس في هذه الأمة أعناقهم ومصائرهم لبضعة نفر منهم -كما قال كيسنجر- يتحكمون في كل شيء، بما يتوهمون أنه يديم عليهم مواقعهم ويبقي لهم استحقاق الامتيازات الهائلة، التي يتمتعون بها في غفلة من الجماهير- صاحبة هذه الامتيازات الحقيقية؟
أم أن الأمر أقدم من ذلك، وأنه بدأ من وقت أن هجرت هذه الجماهير نداء ربها في الاحتكام إلى شريعته واتخاذ الجهاد سلاحًا لا حيدة عنه تجاه الغزو المادي والفكري، لعقر دارنا وعقولنا وعقول أجيالنا، فرضيت بالدونية، لتجرجر أقدامها خلف أذناب الآخرين تابعة تبعية ببغاوية في كل شيء؟
إن الاحتمال الأول تابع للاحتمال الثاني وكلاهما سبب ومسبب لا ينفصلان عن بعضهما في تشخيص الداء الذي بدأ يأخذ بتلابيب العقول والحركات والأقوال متمثلًا بثقافة ما يسمى بالسلام وهو حقيق أن يسمى «ثقافة الاستسلام»، التي يشكل إلغاء الأيديولوجيا أول بند فيها، يجب إلقاء المزيد من الضوء عليه كي تتضح معالم هذه الثقافة التي تناوش نواصي الأمة لتقودها إلى نهايات مأساوية، هذا إن لم يتدارك الأمر المؤمنون بخيرية هذه الأمة قبل فوات الأوان.
فكر نهاية الأيديولوجيا وأهدافها الخفية: في العقدين الأخيرين من القرن العشرين ساد كتابات كثير من المفكرين العرب والمسلمين مصطلح انتهاء عهد الأيديولوجيا أو العقيدة وسقوط الاعتماد عليها في عملية التقدم والمعاصرة ويأتي استعمال هذا المصطلح عند هؤلاء الكتاب تقليدًا لمفكرين غربيين راحوا يطلقون هذا المعنى بكثافة، وهم يشكلون في واقع الحال طلائع الجوقة العولمية التي تهدف إلى إزالة أخر المعاقل التي تقف في وجه زحف حضارة واحدة بعينها باتجاه فرض لونها على الجميع مبتغية إقامة إمبراطورية مهيمنة متوهمة أن باستطاعتها دك المرجعية الإسلامية التي ما تزال تشكل الشوكة القوية التي تؤخر إطباق مشروع الهيمنة الأمريكية على مساحة شاسعة من أقطار الدنيا، ذلك المشروع الذي لا يكتفي بإنتاج نماذج مكررة في الخارج تعكس صورته بل يسعى إلى «مأسسة»، تلك الملامح في العالم، مثل الأحلاف والمؤسسات الاقتصادية والعالمية والبنى التشريعية والقضائية العالمية (الجات البنك الدولي، محكمة العدل الدولية).
ولابد من القول إن الغرب المسيحي والشرق المسلم شكلا ندية قال عنها ألبرت حوراني: شكل المسيحيون والمسلمون بعضهم لبعضهم الآخر تحديًا دينيًا وفكريًا وعسكريًا، كما وصف المفكر الألماني فردريك شلاير ماخر هذه العلاقة بالتنافس بين المسلمين والمسيحيين بهدف السيادة على الجنس البشري، وهي كذلك بالنسبة للنصارى لكن المسلمين لا يرون فيها سيادة على الآخرين وإنما هداية للحق.
ورغم أنه قد مرت على العلاقة بين الطرفين فترات هدوء وتعاون إلا أن الطابع العام الذي قابلت به الحضارة الغربية المسيحية الإسلام على مدى القرون الأربعة عشرة المنصرمة هو طابع العداء والمناجزة، ومحاولة تشويه صورة الإسلام وحضارته ومن ثم إلغاؤه كوجود حضاري له إضافاته الفذة في الساحة التاريخية وحضوره المؤثر تأثيرًا إيجابيًا في العالم أجمع.
لقد برزت تلك السياسة الغربية منذ الإمبراطورية الرومانية، ثم البيزنطية من خلال سياسة الاعتداء على الثغور الإسلامية والزحف على الأندلس ومن ثم الحروب الصليبية التي استمرت قرونًا تعاون فيها الغرب مع المغول وثنيي الشرق وهمجه في سبيل إزالة الإسلام من وجه الزحف الغربي للهيمنة على العالم.
وانتقل هذا الوجه العدائي الغربي للإسلام في القرنين التاسع عشر والعشرين إلى صورة الاستعمار البشعة التي نهبت ثروات العالم الإسلامي لصالح رفاه الإنسان الغربي، تاركة شعوبه تتخبط في الفقر والجهل والتخلف.
وأخيرًا وعندما بدأ أن العمل الإسلامي عصي على الاستئصال أوجد الغربيون مخالب جديدة يناوشونه بها متمثلة في العولمة الجديدة التي تحاول إلغاء كل آثار الهوية والأيديولوجيا ذات الأبعاد الإسلامية والعربية، وبذلك يدخلون العالم الإسلامي ذا المضمون العقدي والتاريخي الواحد في عملية تفكيك الأواصر والعرى، ليصبح شعوبًا وقبائل غير متعارفة، بل متناكرة المصالح والأهداف والمطامع الإقليمية والمحلية وحتى العشائرية.. وبما أن الضعف والتخلف والجهل كلها قضايا تشكل همًا واحدًا للجميع، فإن التفكك القائم على أساس البراجماتية العولمية يأتي ليقضي على أي بصيص من الأمل في مقاومة الهيمنة.. وهذا هو الهدف الحقيقي من وراء الدعوة لإلغاء الأيديولوجيا.. تحت غطاء دخول الكونية والعولمة التي أصبحت عند البعض حتمية لا يمكن الهروب منها، مدعين أن الهروب يعني العزلة والانهيار لأن معظم ما يحيط بالمرء اليوم لم يعد له خصوصية إثنية كما يقول أحدهم وأن الصحيح هو الدخول فيها مع تحضير النفس بالتكنولوجيا والعلم وتحييد الهوية والخصوصية، فإذا علمنا أن التكنولوجيا والعلم الغربيين لا يمكن لدولنا وشعوبنا بأوضاعها التي هي عليها أن تلحق بهما فإنه لا يبقى سوى بند واحد فقط يستطيعونه، هو بند تحييد الهوية والخصوصية، وهو ما يقومون به بنشاط الآن من خلال الحرب الشعواء التي شنتها جهات رسمية وثقافية على الإسلام، وعلى حركاته، وذلك من خلال إيجاد حملة كبيرة من مدعي الثقافة يركزون الهجوم فيها على الأيديولوجيا والخصوصية واعتبارهما السبب الرئيس في تخلفنا وضعفنا، وهم يدندنون ليل نهار بمثل هذا النغم الشاذ المدمر ليقبضوا مقابل ذلك ثمنًا بخسًا يتمثل في تصدرهم الوسائل الإعلام والثقافة ليسمعونا باستمرار فكرهم الداعي إلى نبذ التاريخ وتعطيل الذاكرة وذلك على أنغام صهيونية تريد من الأمة نسيان كل شيء سوى أن وجود كيانهم وجود حقيقي يجب أن يتكيف الجميع مع واقعيته.
وتدليلًا على هذا الذي ذهبنا إليه فإن نظرة واحدة تلقيها على العالم العربي، ترينا كيف أن تلك الحملة تمضي في غيها لتوغل في تمزيق كل الأواصر القائمة بين الشعوب العربية الإسلامية منها والقومية والتاريخية.. وها هم العرب يقفون حیاری مترددين أمام جمع شمل قمتهم فنرى هذا الاجتماع يشكل محنة لهم تلوكها الألسن ولا تجد لها مخرجًا مقبولًا، إذ دخلت الحرب التي تخوضها السلطات والكثير من مدعي الثقافة والتناقضات المحلية والدولية بوابة النظرية الأمريكية المسماة نظرية نزاعات الحدة الدنيا (LOWER INTENSITY) التي تتمثل في تشجيع الانقسامات وتغذية النزاعات الإثنية والعرقية والمحلية الأنانية الضيقة، وذلك كي تطيل أمد هذه الحال إلى أبعد فترة ممكنة.
ولا بد أن المراقب الحصيف يلاحظ كيف أن المشروع الأمريكي- الصهيوني، المذكور يركز على إلغاء العلاقات المجمعة للهوية، وإثارة ما يجلب الكراهية والعداوات والإحن المحلية الضيقة كما يجب أن يلاحظ أن أهل المشروع يجندون مجموعات كبيرة من الأقلام، ممن يروجون له، ويسوقون تداعياته، ويبشرون بآفاقه التفتيتية في السر والعلن ويحرضون في المقابل على الاتجاهات التي تحمل برامج معتدلة وسطية تكمن فيها كل ملامح وعناصر صمود الأمة وشعوبها في وجه الغزوة الأمريكية الصهيونية، سواء كانت هذه الاتجاهات إسلامية أو عروبية نقية.
فلسفة الاستسلام: إن هدف إلغاء الأيديولوجيا ورمي جميع اتجاهات الفكر والحركة في أمتنا بأنه فكر أصولي ينطلق من حقائق نهائية، واعتبار هذا الاتجاه اتجاهًا غير صالح للبناء عليه وقيام نهضة من خلاله، إن هذا الهدف يبتغي جعل شعوب المنطقة تعيش حالة من التعري ونبذ الأواصر والجوامع الفكرية والروحية والعربية، تحت ادعاء رفض العيش مع الأموات..
وهي دعوة -كما هو واضح- لإدخال العدو إلى ساحاتنا وهي خاوية فارغة مقتولة فيها كل عناصر المقاومة لكنها مزخرفة كما يقولون بأطر الحداثة المدعاة، والواقعية المروجة للهزيمة والترهل المعالج بدهون تحمل فيروس الاندثار وفي هذا الاتجاه من إلغاء الأندية الأيديولوجية تأتي كلمات يكتبها البعض، يغلفها بغموض ترجمة رديئة جدًا للفكر المستورد، يحاول بها أن يقنعنا بالتعايش مع الواقع الأليم الذي فرضته على معظم شعوبنا العربية منذ أكثر من ثلث قرن انقلابات عسكرية متتابعة حاولت أن تدهن وجهها بأي صيغة من صيغ الشرعية والمؤسسية الشكلانية، ثم هم يدعوننا إلى الاندماج في هذا الواقع أو بعبارة صريحة الاستسلام له.
إننا مدعوون جميعًا إلى استلهام فكرنا وأصوله وتراثنا وتجاربه والاقتباس من تجارب وفكر الآخرين غير المتعارض مع هويتنا وأصولنا الكبرى وخصوصيتنا، وذلك من أجل العثور على عناصر النهوض والتغيير وإيجاد موقع مرموق لأمتنا في المسيرة العالمية المعاصرة ولسنا مع الرجوع ابتداء إلى العلماء الأجانب، أو إلى أتباعهم في بلادنا.. لأن فكر هؤلاء جميعًا لا يلائمنا فهو يدعو إلى تفريغ الأمة وتهيئتها لقبول الآخر صهيونيًا كان أو محتلًا غاصبًا معتديًا على كل عناصر تكوين القوة والمجد والمكانة... مصادمين بذلك العقيدة الإسلامية المتحولة إلى سلوك متسام على الواقع السيئ ليغيره نحو الأفضل، ويحافظ على هويته وخصوصيته، ويدمر ثقافة الاستسلام، مصداقًا لقوله تعالى: ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ﴾ (الأنبياء: ۱۸).
وحين لا يجد النشء الجديد في أمتنا سوى مكثفات من الأقوال تعلو بها الأصوات من حوله، وتلوح بها اللافتات المنثورة في كل زاوية تناديه بلا هوادة: أن فيئي إلى الاستسلام أيتها الأجيال، وانتظري العيش الرغيد المغسول من القتال، والمعجون بماء الود مع المحتلين من خلق الله!! وحين لا يسمع ولا يرى ولا يقرأ إلا إعلامًا غاصًا بثقافات الربح والاستهلاك، وقنوات فضائية عربية اللسان تتلو عليه صباح مساء نصوصًا مدمرة من سفر التسوية بين الغاصب والضحية مسلوبة الإرادة والأرض والكرامة، ثم تنشدها على أنغام همهمات تلمودية صليبية، نفثها قوى محلية متكلمة كاتبة، فتردد صدى حينئذ ترتفع قامات الذين يسعون إلى التطفل على موائد الآخرين فتارة هي يسارية تزاود على ميراث لينين وجيفارا وماو، وتارة تخلع جلدها هذا لتمارس طقوس العلمانية العولمية المتلبسة باقتصاد السوق الممتشقة أسلحة البنك الدولي وصندوق النقد الدولي.
لقد جاءت مذابح القدس وفلسطين المستمرة المتجددة الآن لتقيم الدليل الكامل والقاطع على إفلاس ثقافة تحاول أن تلبس أثواب تكنولوجيا الاتصال التي تتباهى شركات وادي السيلكون في كاليفورنيا بنشر ثقافتها، متمثلة بجملة ثابتة هي (المصلحة الأمريكية)، بكل أنانيتها وبكل الأبعاد اللاإنسانية التي تختزنها في باطن الصورة المطلية بدهانات مدينية مبتغية فرضها من خلال الاستثمار ذي الشيكات الربحية المفتوحة اللافظة لمشاعر القطاع الأكبر من الناس في العالم، طالبة منهم جميعًا أن يقدموا التضحيات الجسيمة على مذبح التمسك بعولمة (الأمركة) دون مقاومة تذكر ليرضي رأس المال الأمريكي المدلل.. الذي يرغم معظم الشعوب والدول على العيش بصدقات (القروض المذلة) للبنك الدولي وصندوق النقد الدولي.. ولكي تبقى العيون في العالم النامي مكسورة، فلا يرتفع لها بصر، ولا يسمع لها من الاحتجاج أو النقد إلا همس، ناهيك عن التمرد، أو محاولة الخروج على قواعد اللعبة المرسومة، وها نحن نرى اليوم كيف أن معظم المواقف الرسمية في أوطاننا تعجز عن أدنى درجات الفعل أو المقاومة تجاه ما يجري من فظائع يرتكبها جيش الصهاينة بحق العزل من أهلنا في فلسطين، رضوخًا لسياسة الصمت على الظلم التي يفرضها كهنة العولمة الاقتصادية المالية التي أصابت إرادة المقاومة بأضرار بالغة.
تجليات ثقافة الاستسلام
بم يتجلى هذا البند من ثقافة الاستسلام؟
أ. إلغاء الجهاد:
فمنذ مؤتمر القمة الإسلامي في داكار عاصمة السنغال سنة ١٩٩١م، الذي ألغي بند الجهاد من أجندة الخطاب السياسي الرسمي، راحت أقلام محمومة تسطو على ميراث الأمة في القوة وإرادة المقاومة ومدافعة الباطل بكل الوسائل بما فيها المواجهة بالسلاح فأصبح المسلم من دون خلق الله جميعًا -برأي أصحاب ثقافة الاستسلام- إرهابيًا إن هو حمل السلاح ليدافع به عن نفسه أو مكتسباته أو هوية أمته، ومثيرًا للشفقة داخل مساحة الحوار، مفجرًا للرعب إذا تعاطى الحرب والسياسة على حد تعبير قزم من دعاة الاستسلام.
وكثيرة هي المصطلحات التي تلوكها ألسنة أصحاب مشروع الهيمنة وأقلامهم، ليصموا بها المقاومة وإرادة الصمود مبتغين إلغاء الجهاد.
واقرأ إذا شئت مصطلحات مثل (العنف) الذي راح يحل شيئًا فشيئًا مكان مصطلح الجهاد أو الكفاح أو المقاومة، مع أن كلمة العنف توحي في الغالب بمعنى الاعتداء بالقوة على الأبرياء، ثم عرج على مصطلح (الإرهاب)، لتجد الخلط في استعماله على أشده، ولتوقن أن تعويم مراميه في سوق التشويه الثقافي للأمم، يذهب به إلى أبعد ما يكون الخبث والتلبيس الشيطاني الماكر، واستعد إذا شئت تصريحات وزيرة الخارجية الأمريكية أولبرايت لإيقاف هبة الشعب الفلسطيني البطلة، إذ وسمت ما يحدث بالعنف المتبادل فهي لا تريد من الشعب الفلسطيني أن يقوم بمجرد التفكير بالاحتجاج على إهانة مقدساته، إنهم بعد أن أطمأنوا إلى ركون معظم المتنفذين في أمتنا الإسلامية إلى مصطلحات (التعايش) المغشوش و(التفاهم) الماكر، و (الحوار) المدخول التي تبثها ثقافة الهيمنة والاستسلام في مقدمة مشروعها، وهم لا يعنون بها إلا الرضا بالمرسوم والمقسوم في خارطة المشروع العولمي الأمريكي المتصهين، انتقلوا بمعركتهم إلى محاولات كسر إرادة الشعوب عن طريق محاصرة مشروع الجهاد والمقاومة والمدافعة، وتحويل أصحابه في ثقافتهم إلى خارجين على القانون، شاذين عن الجماعة مساهمين في تقوية مواقف الأعداء، بحجة أن استعمالهم القوة ضد هؤلاء الأعداء، يقصد منه إيجاد المبررات لضرب المشروع القومي، أو تأخير قيام الدولة الفلسطينية، أو تعطيل عملية السلام التي يتغنون بها.
لقد اندفعت عصابات الأمركة، والمافيا العسكرية المتقدمة لهم (الكيان الصهيوني في فلسطين) خلف هدف السيطرة على العالم، وذلك بمحاولة هدم حصون المقاومة فاستخدمت كل سبيل يوصل إلى ذلك، فمن تشويه صورة الالتزام بعقيدة الإسلام وما تقتضيه من خصوصية، وإرادة قوية للمحافظة على الفضيلة والأخلاق والأرض والإنسان، بعيدًا عن التلوث الشديد بمفاسدهم وعبثهم، ونبذًا قويًا ومتفوقًا لمحاولات نهب ثروات الأمة، وتحطيم قيمها وعقائدها... إلى زخرفة تلك الاندفاعة الشريرة لتشويه الإسلام بأكداس من (إكسسوارات) التقانة، والإباحية المقنعة بغلالة الحرية والتقدم، وإغراءات الشركات المتعددة الجنسيات المقدمة على طبق من الاستثمارات الماكرة، مرورًا بتعميم الفن الماجن الذي يقدم نفسه عن طريق الواقعية الحرفية والإعلام المروج بالصورة الباهرة والكلمة الممغنطة بجاذبية الانفتاح، الانفتاح الذي يسهل الطريق لغزو دواخلنا الشخصية والمجتمعية والاقتصادية وحصون الدفاع في هذه المؤسسات وانتهاء بالسياحة العارية الفاجرة وكل ذلك ليجعلوا الحدود مفتوحة باتجاه واحد فقط هو اتجاه غزو الداخل ليخلو العالم لهم، فيتصرفوا به كما يحلو لهم.
وما يحدث الآن في فلسطين المحتلة شاهد أكيد على إرادتهم الخبيثة، حيث تستباح المقدسات الإسلامية، وتستباح الأرواح والممتلكات العربية، ويقمع الإنسان الفلسطيني الأعزل بالقتل، فلا تسمع من ردات الفعل تجاه ذلك إلا شجبًا هنا، وبيانًا استنكاريًا هناك، ليظل شعار: (نحن مستعدون للسلام في كل وقت فالسلام هدف استراتيجي) يتردد في الأرجاء، كما يظل مدح الراعي الأمريكي وهمته وسعيه لإنجاز السلام يجري على لسان المسؤولين وغير المسؤولين في حين تقف جماهير الأمة مكبلة محجوزة عن القيام بالفعل المكافئ حتى المسيرات المتفرقة التي تنظمها، تكون محدودة المسارات مكانًا وزمانًا: فقد مضى على محاولات غسل الأدمغة من موضوع الجهاد والمقاومة عقدان من الزمان استطاعت خلالهما الحملة تحقيق شوط بعيد في الوصول إلى الهدف، ولولا أن ديننا يبشرنا بأن هذه الأمة تختزن الخير في كل حين، وأنها مثل المطر فيه الغيث الدائم لتطرق الشك في إمكان إنقاذ الموقف إلى النفوس.
ب- تغييب الذاكرة والتاريخ...
وفي هذا المحور يحاولون بشتى الوسائل التدخل في مناهج التعليم وحذف آيات القرآن الكريم المبينة لوضع اليهود وجبلتهم الشاذة، وقسوتهم وغلظتهم، وتقلب أمزجتهم وغدرهم ونقضهم للعهود، وذلك تحت شعار إبعاد الكراهية المولدة للعنف.. وقد استطاعوا تحقيق ذلك في مواضع متفرقة، لكنهم لم ييأسوا حتى الآن.. إنهم يريدون محو ذاكرة المسلمين لينسوا التاريخ الأسود ليهود الشركاء الرئيسيين في مشروع الهيمنة- ولقد سعوا وأفلحوا في سعيهم إلى حذف مصطلحات مثل: ( العدو الصهيوني) (الكيان الصهيوني) من الإعلام العربي والإسلامي، فأنت لا تكاد تجد إذاعة أو تلفازًا أو صحيفة تردد مثل هذه المصطلحات التي كانت طعام وشراب هذه الوسائل قبل سنوات قليلة، وهم في نجاحهم هذا يريدون إزالة ما تعنيه هذه المصطلحات من ذاكرة العرب والمسلمين، كما يريدون تغييب اللحظة التاريخية لقيام كيان غاصب مفتعل غريب في قلب الجسم الإسلامي وهذه الإرادة منهم تبتغي في النهاية إغلاق ملف المقاومة من الذاكرة العربية، ومحو مسيرة البطولة العربية والفلسطينية والإسلامية من التاريخ الحديث في مواجهة هذا الكيان، لتسلس لهم عملية إدخال وجودهم واقعيًا إلى الثقافة العربية.
كما سعوا ويسعون إلى إدخال مصطلح (إسرائيل) إلى كل وسائل الإعلام العربية والإسلامية التي أذعنت للأمر الموجه من (فوق)، كما أدخل المصطلح على الخريطة الجغرافية في الكتب المدرسية وغير المدرسية في بعض الأماكن وذلك ليطبع البصر العربي واللسان العربي ومن ثم الثقافة العربية بوجود هذا الكيان، فيصبح أمرًا مفروغًا منه، ناجز الصيغة الثقافية والسياسية، فلا يحدث وجوده بالتالي تلك الصدمة الشعورية التي كان يحدثها من قبل، وكانت تؤدي إلى استفزاز الكيان الفردي والجماعي للأمة، بما يبث في تلك الكيانات ثقافة المدافعة والمقاومة.
ولابد ونحن في صدد ذكر عمليات تفصيلية في محو الذاكرة ألا ننسى إيراد عملية محو حدود فلسطين التاريخية والجغرافية من الذاكرة، والاقتصار في هذا الذكر على جزء من الضفة وقطاع غزة.. ولقد نجح مشروع ثقافة الاستسلام أيما نجاح في هذا الاتجاه، ولولا بعض الأصوات المجاهدة القائمة على أمر الله في الشأن الفلسطيني العربي لما استطعت سماع مصطلح الأرض الفلسطينية المغتصبة، الذي يضم فلسطين التاريخية بأكملها، إلى درجة أن بعض الفلسطينيين والعرب أصبح يتلجلج ويرتبك ارتباكًا شديدًا عندما يُسأل عن الموضوع، ليجيب على استحياء بأن هذا موضوع آخر وملف آخر غير مطروح الآن..
ولا ننسى ونحن نتكلم عن محو الذاكرة والتاريخ أن نورد موضوع تعبئة الذاكرة بمعلومات بديلة باطلة عن تاريخنا، إذ نجد حملة مركزة هذه الأيام لمد الذاكرة العربية والإسلامية بتاريخ مشوه، موصوم بالقمع والحروب والاقتتال البيني، وإدانة التاريخ العثماني جميعه دون تفرقة بين عهوده، هذا فضلًا عن محاولات مكثفة لتشويه صورة نشوء الحركات الإسلامية المعاصرة وتاريخها، خصوصًا كبرى هذه الحركات الإخوان المسلمون ونعتها بشتى الاتهامات والمفتريات، التي لا تصمد بنانًا أمام الحقائق الدامغة التي تجعل صفحة هذه الجماعة ناصعة نقية، وقد سطر هذه الحقائق الكثير من النزيهين في كتاباتهم من عرب ومسلمين وغربيين.
ج- تكبيل المجتمعات بالقمع وثقافة الاستهلاك...
وهذا البند لا يحتاج إلى كثير شرح، فنظرة واحدة إلى ساحات الوطن العربي والأوطان الإسلامية، تنبئك كم هي الحريات غائبة، وكم هي الشعوب مقموعة ومغيبة عن العمل والمشاركة، ومحيدة ومقصاة عن التفكير بمصائرها ومصائر أوطانها!
ولا ننسى هذا التوجه الراعب والحملات الدعائية الكثيفة في جميع وسائل الإعلام والإعلان، لدعوة الناس إلى ترك مصائرهم تدار من قبل أفراد معدودين من بني جلدتهم، ولتتفرغ الشعوب لمتابعة دعايات الاستهلاك، أو للركض خلف الرغيف والمؤونة، التي عن الحصول عليها في كثير من البلدان، بسبب البطالة الهائلة أو انخفاض مستوى الأجور، أو بسبب القمع والمحسوبيات وتقريب الموالين، وإبعاد ذوي الكفاءات من غير الموالين ويعلم القارئ الكريم مدى تأثير مثل هذا المنهج القمعي الاستهلاكي في تغييب إرادة المقاومة والصمود....
د- تحديد اللغة...
إنها عملية كبرى تدور رحاها منذ أكثر من قرن من الزمان وكان من مظاهرها: الدعوة إلى العامية، والدعوة إلى الكتابة بالأحرف اللاتينية، والدعوة إلى تفجير اللغة العربية لتنقطع عن تاريخها وذاكرتها، إنها عملية يراد منها قطع الحاضر عن الماضي وبذلك تفقد الأمة أحد أهم عناصر القوة والمقاومة فيها، وبذلك يخلو لكل أفاك أثيم أن يدخل على أجيال الأمة بما يريد من مستوردات فتضيع الهوية، وتفقد الأجيال خط اتصالها وتواصلها مع التاريخ، وبذلك تفقد الحاضر والمستقبل فلا تجد أمامها إلا الذوبان في الآخر ذوبانًا ذليلًا تابعًا ضائعًا، وقد تناسي هؤلاء كلام الكاتب المسيحي (الفار) في القرن التاسع الميلادي مادحًا اللغة العربية- في معرض نقده لمواطنية كونهم جهلاء باللاتينية وأنهم يثملون بقراءة القصائد وروائع الخيال العربية، ويدرسون مصنفات علماء الكلام المسلمين، لا بقصد تفنيدها، بل من أجل التمرن على الأسلوب الصحيح الأنيق في العربية، وجميع الفتيان المسيحيين المبرزين لا يعرفون سوى اللغة العربية والأدب العربي، ويعلنون على الملأ حيثما وجدوا أن الأدب العربي شيء بديع ما أعظم الألم، إنهم يقرضون من الشعر بالعربية ما يفوق من الوجهة الفنية أشعار العرب أنفسهم) (منتصر حمادة القدس العربي- ٢٢/ ٩/ ٢٠٠٠م).
إن هذا القول للمفكر اللاتيني يجعلنا ننحاز بقوة إلى الفكر القائل: إن الأمة القوية المهيبة الممتلئة بعناصر المقاومة والعزيمة، وإرادة الحياة ومميزات الخصوصية هي التي تثبت وجودها، وتحافظ على حقوقها وتحميها من عبث العابثين، ومصائد المتصيدين الذين يريدون كسر ثقافة الجهاد والمقاومة وفرض ثقافة الاستسلام بديلًا عنها، وذلك لتخلو لهم الساحات كي يمارسوا ثقافتهم العولمية المتصهينة الوحشية في القدس وفي كل أنحاء فلسطين، حيث يواجه الطفل الأعزل والمرأة العزلاء والشاب والرجل الأعزلين بالمدفع والرشاش والدبابة والطائرة، فيقتل الطفل الملتجئ إلى ظهر والده بدم بارد، فهل تصلح ثقافة هؤلاء للتداول بيننا بعد كل ما رأينا من ضياع يريدون بذره في حقولنا؟ وبعد كل ما شاهدناه من (الشرعية الدولية) التي تمثل إحدى أهم أدواتهم التنفيذية، وهي لا تخجل من الصمت تجاه قتل الإنسان العربي والمسلم في فلسطين المغتصبة، بينما نجد أساطين هذه الشرعية يهرولون مسرعين إلى المنطقة بعد أسر ثلاثة من الصهاينة المعتدين على لبنان، ليصرح كبيرهم الأمين العام للأمم المتحدة بالقول: إن أهم أولوياته في رحلته إلى المنطقة ( فك أسر الجنود الصهاينة)...
فليستمع وليقرأ وليتدبر كل من لا يزال في عقله أو قلبه ذرة من الميل إلى مقولات الاستسلام وثقافة الاستسلام.
﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ (محمد:24)
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل