الثلاثاء 10-يوليو-1984
يتفاقم الوضع الداخلي في إيران وتزداد حدة التوتر بين رجال الدين من جهة وقادة الجيش من جهة أخرى نتيجة لاستمرار الحرب مع العراق والتي شارف عامها الرابع على الانتهاء دون أن تتمكن خلالها القيادة الإيرانية من تحقيق نصر عسكري كما وعدت بذلك شعب إيران في مناسبات شتى!! ويجمع مراقبون في شتى أنحاء العالم- بناء على تقارير تخرج من طهران- أنه يخيم على إیران كلها وضع متوتر يهدد بالانفجار في كل لحظة، فيما تعمل الأطراف المتصارعة للاتصال فيما بينها وبسرعة في خطوة قد تكون تمهيدًا لتنفيذ عملية حسم داخلي للموقف المتفاقم لصالح هذا الطرف أو ذاك!! وفي هذا الجو المحموم الذي ينذر بأوخم العواقب على مصير إيران قد يحلو للبعض أن يتساءل: ما أسباب هذا الصراع الداخلي في إيران؟ وما هي الأطراف الضالعة فيه؟ هل من نتائج سيسفر عنها؟ وما تأثير ذلك على طاحونة الحرب الدائرة؟؟ تساؤلات عدة قد تصعب الإحاطة بها بشكل كامل، لكن لا بد من التعرض لها والإجابة عليها بشيء من التفصيل..
▪ بداية دوامة الصراع الأخير
أجمع معظم المحللين السياسيين ومعهم المراقبون لما يدور على الساحة الإيرانية الداخلية على أن الصراع الأخير ضمن القيادة الإيرانية قد تفاقم بشكل ملحوظ في الأسابيع الأخيرة حول جدوى شن هجوم كبير على العراق حشدت له إیران أكثر من نصف مليون جندي على أقل تقدير، وأصبحت الجاهزية القتالية لدى القوات الإيرانية مهيأة لبدء الهجوم قبل الأول من يونيو، وفجأة ساد هدوء في جبهات القتال ابتداء من «11» يونيو باتفاق توسطت فيه الأمم المتحدة لوقف قصف الأهداف المدنية في كلا البلدين المتحاربين. مما فجر صراعًا بين الرئيس علي خامنئي ورئيس مجلس الشورى هاشمي رافسنجائي وكبير ممثلي الخميني في الحكومة الأمر الذي أدى بادئ ذي بدء إلى انقسام مجلس الشورى الإيراني إلى ثلاثة محاور.. محور صغير يؤيد ممثل الخميني، ومحور آخر يؤيد حسين منتظري الذي يدعو إلى مراجعة حسابات الحرب والتحول تدريجيًا إلى حرب استنزاف ومحور المعارضة.. وهو الذي يطالب بإيقاف الحرب حالًا.ويلقى هذا المحور تأييدًا من بعض رجال الجيش.
▪ تعقد الأزمة
هذا الاتفاق الذي توصل إليه الجانبان العراقي والإيراني عقد الأزمة داخل القيادة الإيرانية إلى حد كبير وأبرز تناقضاتها إلى الساحة لدرجة أن رافسنجاني اتهم خامنئي بالخيانة لقبوله اتفاق الأمم المتحدة، وثار سخط خامنئي من محاولة نسف سلطته التي حصلت على تأييد ودعم لها من الخميني نفسه، ويبدو أن خامنئي في موقفه هذا وقبوله لاتفاق الأمم المتحدة كان يستند إلى دعم كبار ضباط الجيش الإيراني الذين وجدوا في قبول خامنئي للاتفاقية فرصة للتعبير عن رأيهم المناهض لاستمرارية الحرب، بإيقافها أو بتحويلها إلى حرب استنزاف طويلة الأمد تبقى إيران الطرف الأقوى فيها نظرًا لإمكاناتها البشرية والمادية.
▪ الجيش ضد الحرب!
لقد كان قادة الجيش على بصيرة من أمر قواتهم وفرقهم، فالجيش الإيراني يعاني من نقص كبير في العتاد والذخيرة وأي هجوم جديد من جانب إيران يعد محاولة انتحارية لا طائل من ورائها تقول الديلي تلغراف في عددها الصادر بتاريخ 7/ 6/ 84م ما يلي:
وقعت خلافات ومشادات عميقة بين قادة الجيش الإيراني ورجال الدين الحاكمين في طهران حول هجوم إيراني كبير ضد العراق والانتقام من السعودية لإسقاطها طائرتين حربيتين اخترقتا مجالها الجوي.. هذه الخلافات والمشادات أدت إلى تأجيل جديد للهجوم الذي وعد الخميني بالقيام نظرًا لمطالبة قادة الجيش بدعم القوات البرية بالسربين الإيرانيين المتبقيين في القوات الجوية قبل إعطاء الإشارة ببدء الهجوم، وأشارت الصحيفة إلى وصول الآلاف من رجال الدين الإيرانيين إلى القرى والمواقع الإيرانية الكائنة على الحدود للاشتراك في الهجوم على العراق.. وقد أثار وجودهم الفوضى وعدم الانضباط بين ضباط الجيش هناك...
وأفادت الأنباء أيضًا أن ضباط الجيش الإيراني وقفوا وبشدة ضد أية محاولة للرد على إسقاط الطائرات السعودية للطائرتين الإيرانيتين، وحذروا من أية محاولة للانتقام للحادث قد تؤدي إلى إجراء عام من جانب دول الخليج العربية الواقعة في مدخل الخليج في وقت لا تسمح فيه ظروف إيران بالقتال من الحدود التركية حتى حدود باکستان!!
▪ المعارضة تنشط
وفي أجواء هذا الصراع الدائر بين رجال الدين وقادة الجيش تحاول أحزاب المعارضة السرية تكثيف نشاطاتها، فقد وصفت مصادر مطلعة الوضع في طهران بأنه لا يوحي بأي نوع من أنواع الاستقرار أو الاستمرار وأن تحالف اليسار ومجاهدي خلق وتودة أصبح يحكم أحياء كثيرة من العاصمة الإيرانية والناس يخافون الخروج من منازلهم ليلًا تحسبًا من وقوعهم في أحد الكمائن التي تقوم بها عناصر اليسار..
▪ تكتلات جانبية
وإزاء هذا الوضع الداخلي المتداعي داخل إيران تقول الأنباء إن صحة الخميني في حالة خطرة جدًا وإن مقابلته للدبلوماسيين كانت لمجرد نفي أنباء حالته الصحية فقط ويعمل رافسنجاني حاليًا على إمساك العصا من الوسط ففي الوقت الذي يعلن فيه ولاءه للخميني يحاول أن يظهر ولاءه لمنتظري في نفس الوقت الذي يسعى فيه إلى السلطة في حالة وفاة الخميني ولا ينازعه في ذلك إلا خوئينيها لذا فهو يحاول أن يزرع التناقضات بينه وبين منتظري وهذا يؤكد الأنباء التي تناقلتها الصحف ووكالات الأنباء في نهاية العام المنصرم من أن هاشمي رافسنجاني وأعوانه داخل السلطة ينشطون باتجاه إقامة تنظيم مسلح ترتبط خيوطه ببعض التشكيلات بالجيش والحرس الثوري بهدف تنفيذ عمليات تصفية الخصوم داخل السلطة وإلقاء تبعات تلك العمليات على عاتق القوى المعارضة ثم يتحول تدريجيًا إلى الجهاز العسكري بتولي مهمة الاستيلاء على السلطة ومن المؤكد أن يسعى تيار الرئيس خامنئي الذي أصبح مثقلًا بأعباء الدولة والمهام الرسمية إلى استثمار موقعه في ترتيب العلاقات مع القيادات في الجيش والشرطة والأمن وهي مسألة أفرزتها التغييرات الأخيرة في عدد من المواقع وحركة التنقلات التي تجري بسرية تامة. وهكذا يحاول كل طرف من أطراف الصراع أن يكسب ولاء الجيش إلى جانبه ويبقى الجيش هو الحصان الذي يراهن عليه طرفا الصراع في الداخل وأطراف المعارضة في الخارج في وقت يجمع فيه الخبراء والمطلعون على حقيقة الوضع الداخلي في إيران على أن حبل الود مفقود بين رجال الدين الذين يوجهون الحرب بأسلوب غير مباشر وبين قادة الجيش نتيجة الخلافات حول معالجة الحرب مع العراق تلك المعالجة الخاطئة من قبَل رجال الدين الذين يهمهم بالدرجة الأولى تصعيد الحرب ضد العراق بل وتوريط إيران مع دول الخليج كافة.. ولا يتعاطف مع هؤلاء من الشعب الإيراني سوى بعض مجموعات من الشباب يمثلون ما يسمى «بالحرس الثوري» ويأتمر هؤلاء مباشرة بأمر الخميني ويرى القادة العسكريون المحترفون صعوبة في التفاهم مع هذه العناصر، ومن هنا يظهر الخلاف حول:
من هو القائد الفعلي في الجبهة؟
▪ تدهور اقتصادي مريع
على أن الخلافات الموجودة على الساحة الإيرانية سواء بالنسبة إلى الحزب أو إلى غيرها تحسم دائمًا بطريقة واحدة، فالخميني هو صاحب القرار الأخير في إيران والاستمرار في الحرب أحد المبررات لاستمرار ثورة الخميني وحكمه فقد ربط النظام الإيراني نفسه بوعود أساسية قاسية وصعبة ووضع ثمنًا غاليًا من أرواح الشعب الإيراني ومن اقتصاده بحيث أصبح تقديم التنازلات خطرًا على النظام نفسه وتتحدث لغة الأرقام على أن صادرات إیران النفطية عبر جزيرة خرج قد تناقصت من «6» مليون برميل يوميًا عام ١٩٧٩م إلى مليون ونصف مليون برميل في اليوم في بداية هذا العام إلى نصف مليون برميل خلال الأسابيع الأخيرة بعد أن أحكم العراق حصاره على جزيرة خرج وبدأت حرب الناقلات، أما احتياط إيران النقدي فلا يتعدى الآن ٨ مليار دولار في حين تكلف الحرب إیران شهریًا مليار دولارًا كما هبطت العملة الإيرانية هبوطًا مريعًا وتضاعفت قيمة الدولار خمس مرات مقابل العملة الإيرانية هذا التدهور الاقتصادي المريع انعكس سلبيًا على شعوب إيران في الداخل فالغلاء فاحش وأسعار المواد الأساسية لا تطاق وهناك نقص كبير في حاجيات الشعب اليومية والسوق السوداء مزدهرة والبطالة على أشدها حيث هناك «5» ملايين عاطل عن العمل من أصل «12» مليونًا هو مجموع القوى العاملة هذا إضافة إلى أن عدد الذين قتلوا أو جرحوا في إیران بسبب الحرب يصل إلى نصف مليون نسمة بينما تقدر الخسائر التي لحقت بالإنتاج النفطي فقط بـــــ١٥٠ مليار دولار.
▪ المطلوب تحكيم العقل!
إن صورة إيران اليوم قائمة، والأيام القادمة يمكن أن تحمل الكثير من المفاجآت من طهران، وخاصة على صعيد الصراع على السلطة، وهذا من شأنه أن يدفع بهؤلاء إلى التعجيل في فتح المعركة مع العراق، إذا تبقى مسؤولية استمرارية الحرب بتكاليفها الباهظة واقعة على عاتق النظام الإيراني خصوصًا وأن العراق قد أبدى في أكثر من مناسبة استعداده لوقف القتال.
إن إیران برفضها لوقف الحرب سلميًا بل وإصرارها على توسيعها إنما تخدم مصالح القوى الدولية الكبرى التي تمسك بعصا الحرب من الوسط لتمنع انتصار جانب على آخر ويتحقق لها بذلك استمرارية الحرب وبالتالي تحقيق مصالحها.
من هنا فإن اللعبة القذرة التي تلعبها الدول الكبرى في حرب الخليج لن يكون من حل لإيقافها سوى الإسراع بإيقاف نزيف الحرب في الخليج وتفويت اللعبة المؤامرة على مخططيها وهذه مسؤولية كبرى أمام الله وأمام الشعوب الإسلامية. فهل يعي رجال الدين في إيران هذه الحقيقة وعلى رأسهم الخميني؟ أم أنهم سيظلون متشبثين بموقفهم غير مبالين بالأرواح التي تزهق والأموال التي تهدر وبالتالي ستزداد هوة الخلاف فيما بينهم وبين قادة الجيش وهذا مما يزيد من زحمة القوى المتنافسة على السلطة داخل الحكم القائم حاليًا في إیران.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل