أهمية فهم السياق في تحليل الموقف وإدارة العلاقات
إن أول مرة
انتبهت فيها بشدة إلى مفهوم السِّياق كانت عندما كنتُ أناقش رسالة الدكتوراة في
جامعة برونيل في عام 2014م، حيث سألني حينها المُحكِّمُ الخارجيُّ عن مفهوم السياق
(Context)، وأثره في نتائج البحث، وهل يمكن لاختلاف
السياق أن يُغيِّر من نتائج البحث؟
وحينها توقَّفتُ
قليلاً لأفكِّر في كيفية الإجابة عن هذا السؤال، ولكنني لم أستطع الإجابة عنه في
حينه؛ فكانت تلك إحدى الملاحظات التي تطلَّبت منِّي تصحيح البحث، وإضافة بعض
الفقرات الرئيسة للإجابة عن هذا السؤال.
ومن هنا، بدأتُ
ألتفتُ بصورة أعمق إلى مفهوم السياق وأثره في فهم النصوص والمواقف؛ فالسِّياق
عبارة عن البيئة أو المحيط اللفظي أو المادي الذي يحيط بكلمة أو نص أو حدث معيَّن،
ويسهم في تحديد المعنى الحقيقي وإزالة الغموض؛ فالكلمة الواحدة قد يتغيَّر معناها
كلياً بناء على الجمل التي تسبقها وتلحقها، أو الظروف المحيطة بها.
أمَّا المعنى
اللغوي للسياق، فهو التتابع والتوالي؛ يقال: ساقه يسوقه؛ أي حداه، وسياق الكلام:
مجراه وسرده.
وأمَّا في
الاصطلاح، فهو مجموعة القرائن والألفاظ والملابسات التي تحيط بالنص، وتساعد على
فهم مراده وغايته بدقَّة.
ومن هذا التعريف
يمكن الوقوف على أنواع السياق الرئيسة، ومن أهمها:
أولاً: السياق
اللفظي (المقالي): وهو عبارة عن الكلمات والجمل السابقة واللاحقة للفظ داخل النص، التي
تكمل معناه البنيوي وتساعد على تحديد دلالته.
ثانياً: السياق
الموقفي (المقامي): وهو الظروف الزمانية والمكانية والنفسية والاجتماعية التي
يُقال فيها الكلام، أو يكون فيها البحث أو التحليل.
وما ذكرته أعلاه
هو مقدمة تعريفية مختصرة عن السياق، وتكمن أهمية فهم السياق، بشكل مجمل، في أنَّه
يساعدنا على فهم الكلمات التي أرادها المتكلِّم، ويمنع سوء الفهم الناتج عن أخذ
الكلمات أو النصوص بمعزل عما يحيط بها؛ فهو مفتاح رئيس في تفسير النصوص القانونية
والشرعية والأدبية، واستنباط الأحكام.
وإذا كان فهم
السياق مهماً في فهم النصوص وتحديد دلالاتها، فإنَّ أهميته لا تقلُّ عن ذلك في فهم
المواقف وإدارة العلاقات؛ إذ إن أهمية فهم السياق في تحليل الموقف وإدارة العلاقات
تتمثَّل في كونه مهارة مهمة للأفراد والمؤسسات التي تسعى إلى تحقيق النجاح في
القرارات المتَّخذة، كما تساعدنا على النضج والتوازن في إدارة علاقاتنا.
فمهارة فهم
السياق تنمِّي القدرة على إدراك الظروف المحيطة، والبيئة، والأبعاد التاريخية
والاجتماعية والنفسية التي تؤثِّر في حدث أو مشكلة أو علاقةٍ ما.
ومن خلال فهم
السياق، نتجنَّب سوء الفهم الذي قد يقودنا إلى القرارات الخاطئة، والفشل في إدارة
العلاقات المحيطة بنا، سواء كنَّا أفراداً أم مؤسسات؛ إذ إن فهم السياق أساس مهم
للتعرف على الدلالة الحقيقية للأقوال والخطابات والقرارات والأفعال التي تمسُّ
واقعنا الفردي أو المجتمعي أو المؤسسي.
ولذلك، فإنَّ
فهم السياق في تحليل الموقف يتطلَّب منَّا معرفة البيئة المكانية والزمانية؛ أي أن
نحدِّد: متى وأين حدث الموقف؟ وكذلك معرفة الأطراف المشاركة، والخلفية الثقافية
والاجتماعية التي توجِّه السلوك، والتعرُّف على الهدف والغاية من ذلك الموقف.
ولا يقتصر أثر
فهم السياق على تحليل المواقف فحسب، بل يمتدُّ كذلك إلى مجال الإدارة والقيادة؛
فقد قاد الباحثَيْن كين بلانشارد، وبول هيرسي، إلى تطوير نموذج القيادة الموقفية (Situational Leadership Model)، وهو نموذج قيادة يركِّز على تكييف أسلوب القيادة وفقاً لمتطلَّبات
الحالة.
ويعتمد هذا
النموذج على فكرة أنَّه لا يوجد أسلوب قيادة واحد يناسب جميع المواقف، بل يتعيَّن
على القائد اختيار الأسلوب المناسب للموقف الذي أمامه.
وهنا تتجلَّى
أهمية فهم السياق؛ فالقائد الناجح لا يتعامل مع جميع المواقف بالطريقة نفسها، ولا
ينظر إلى جميع الحالات من زاوية واحدة، وإنَّما يقرأ الموقف، ويفهم ظروفه، ويقدِّر
أطرافه، ثم يختار الأسلوب الذي يتناسب معه.
وكما يظهر أثر
فهم السياق في الإدارة والقيادة، فإنَّ له أثراً واضحاً في إدارة العلاقات؛ إذ
إنَّ فهم السياق في إدارة العلاقات يساعدنا على تحسين جودة التواصل الفعَّال، وحل
النزاعات والمشكلات بسرعة وسلاسة وبطرق ذكية، كما يعزِّز مستوى الثقة والتقارب بين
الأفراد أو المؤسسات.
ويزيد فهم
السياق من إدراكنا لكيفية التعامل مع أطراف العلاقة في المشروعات، سواء كانوا
مستفيدين، أو أصحاب مصلحة، أو غيرهم.
فكثير من
المشكلات في العلاقات لا تنشأ بالضرورة من الكلمات ذاتها، وإنَّما من الطريقة التي
فُهِمت بها هذه الكلمات، أو من تجاهل الظروف والملابسات التي قيلت فيها.
ومن هنا نصل إلى
جانب آخر لا يقلُّ أهمية، وهو أثر السياق في التعامل مع المعلومات والبيانات
واتخاذ القرارات؛ فإنَّ فهم السياق في تحليل الموقف وإدارة العلاقات يجعلنا نعرف
كيف نتعامل مع المعلومات والبيانات التي أمامنا؛ فقد تكون المعلومات صحيحة، ولكنها
غير مناسبة، ولا يمكن الاعتماد عليها لاتخاذ القرار.
ومن هنا، فإنَّ
جودة القرار والنجاح في إدارة العلاقات لا يعتمدان على صحَّة البيانات فقط، بل على
مدى ملاءمتها للسياق المطلوب.
فالمعلومة
الصحيحة في غير سياقها قد تقود إلى قراءة خاطئة، والبيانات الدقيقة إذا وُضعت في
غير موضعها قد تنتج قراراً غير دقيق؛ ولذلك لا يكفي أن نسأل: هل المعلومة صحيحة؟
بل ينبغي كذلك أن نسأل: هل هذه المعلومة مناسبة لهذا الموقف، وفي هذا الوقت، ولهذه
الأطراف، ولهذا القرار؟
وفي ضوء ما سبق،
يتبيَّن أنَّ فهم السياق إحدى الوسائل المهمة في التوصل إلى الفهم الصحيح للموقف،
أو تقييم العلاقات التي في محيطنا.
وحريٌّ بكلِّ من
يسعى إلى النجاح، من أفرادٍ ومؤسسات، أن يتقن هذه المهارة؛ فكثير من الفرص يكون
فواتها بسبب عدم قدرتنا على استيعاب السياق الذي يقودنا إلى الفهم الصحيح للموقف
أو السلوك.
فحين نفهم
السياق، يتضح المشهد أمامنا، وتتزن قراراتنا، وتصبح قدرتنا على إدارة علاقاتنا
أكثر نضجاً ووعياً، ونعرف -بعد أن كان المشهد ملتبساً- أين نضع أقدامنا.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً