الإسلاموفوبيا في أستراليا.. كيف يواجه المسلم خطاب الكراهية؟
لم تعد مواجهة الإسلاموفوبيا في أستراليا تقتصر على إدانة حادثة عنصرية بعد وقوعها، أو التعامل مع اعتداء فردي
في الشارع أو وسائل النقل، ففي السنوات الأخيرة، بدأ النقاش ينتقل إلى سؤال أوسع:
كيف يمكن للمجتمع أن يفهم حجم مشكلة الإسلاموفوبيا في أستراليا؟ وكيف يمكن
للمسلمين أنفسهم أن يكونوا جزءاً من صناعة الحلول؟
هذا السؤال
يكتسب أهمية جديدة مع جولة أستراليا لمبعوثها الخاص لمكافحة الإسلاموفوبيا أفتاب
مالك، الذي زار شمال تسمانيا هذا الأسبوع، والتقى في لونسيستون ممثلين عن المجتمع
المحلي وأكاديميين ومتخصصين في الرعاية الصحية وقيادات مجتمعية، ضمن جولة وطنية
للاستماع إلى تجارب المسلمين والتحديات التي تواجههم خارج المدن الكبرى.
وتأتي الزيارة
في وقت تعمل فيه أستراليا على تحويل مواجهة الإسلاموفوبيا من ملف يتعلق
بالتصريحات والإدانات إلى إطار أوسع يشمل التعليم، والحماية، والإبلاغ، والتماسك
الاجتماعي، والمشاركة المجتمعية.
المسلمون في أستراليا.. حضور يعود إلى أكثر من قرن
قد تبدو قصة
الإسلام في أستراليا بالنسبة إلى البعض حديثة نسبياً، لكن الوجود الإسلامي في
القارة يمتد إلى ما قبل موجات الهجرة الحديثة بوقت طويل.
وتشير المصادر
التاريخية إلى وجود اتصال مبكر بين تجار الماكاسان المسلمين والسكان الأصليين في
شمال أستراليا، بينما بدأ الوجود الإسلامي الدائم يأخذ شكلاً أكثر وضوحاً في القرن
التاسع عشر مع وصول سائقي الجمال المسلمين من أفغانستان وبلوشستان ومناطق من شمال
غرب الهند الحالية.
فمنذ ستينيات
القرن التاسع عشر، شارك هؤلاء في استكشاف المناطق الداخلية ونقل المؤن والبضائع،
وكان للجمال التي جاؤوا بها دور مهم في ربط المناطق النائية بالمراكز الساحلية، ويقدر
المتحف الوطني الأسترالي وصول ما لا يقل عن ألفي سائق جمال إلى أستراليا بين
ستينيات القرن التاسع عشر والعشرينيات.
ولم يكن هؤلاء
جميعاً من أفغانستان بالمعنى الجغرافي الحديث؛ فقد كان كثير منهم من البشتون
والبلوش والبنجاب والسند، من مناطق أصبحت اليوم ضمن أفغانستان وباكستان والهند، وقد
عُرفوا في المصادر الاستعمارية على نطاق واسع باسم «الأفغان».
أما اليوم، فقد
أصبح المسلمون جزءاً راسخاً من النسيج الأسترالي، ووفق تعداد عام 2021م، بلغ عدد
من أعلنوا الإسلام ديناً لهم 813392 شخصاً (3.2% من سكان أستراليا).
وتتركز نسبة
كبيرة من المسلمين في المدن الكبرى، ففي نيو ساوث ويلز بلغ عدد المسلمين 349240،
وفي فيكتوريا 273028، وفي منطقة سيدني الكبرى وحدها بلغ عدد المسلمين 329566 (6.3%
من السكان).
لكن هذا
الانتشار لا يعني أن التجربة المسلمة واحدة في كل أنحاء أستراليا؛ فالحياة في
مدينة كبرى مثل سيدني تختلف عن الحياة في مدينة إقليمية أصغر مثل لونسيستون، حيث
تكون المؤسسات الإسلامية أقل عدداً، وقد تكون العلاقات بين أفراد الجالية والمجتمع
المحلي أكثر مباشرة.
وهنا تبرز أهمية
الوصول إلى المدن والمناطق التي لا تحظى دائماً بالاهتمام نفسه.
الإسلاموفوبيا في أستراليا.. مشكلة تتجاوز الحوادث الفردية
لا تظهر الإسلاموفوبيا في أستراليا في صورة واحدة، قد تكون إساءة لفظية في الشارع، أو مضايقة لامرأة
محجبة، أو تهديداً عبر الإنترنت، أو اعتداءً على مسجد، أو تمييزاً في العمل أو
التعليم، وقد تظهر أيضاً في الصور النمطية التي تربط المسلمين بصورة جماعية بالعنف
أو التهديد.
وفي تقريره
الوطني، دعا أفتاب مالك إلى دراسة الأسباب والعوامل التي تقف وراء العداء والتحيز
ونزع الصفة الإنسانية عن المسلمين والتمييز ضدهم، مشيراً إلى دور محتمل للإعلام
ووسائل التواصل الاجتماعي والخطاب السياسي في زيادة العداء تجاه المسلمين.
ولا يعني ذلك أن
كل خطاب سياسي أو إعلامي عن الإسلاموفوبيا هو بالضرورة سبب مباشر لحادثة معينة،
وإنما يشير إلى الحاجة إلى فهم البيئة الأوسع التي يمكن أن تتشكل فيها الصور
النمطية والعدائية.
وقد أصبحت هذه
المسألة أكثر إلحاحاً مع ارتفاع البلاغات عن حوادث الإسلاموفوبيا في أستراليا، فبحسب
ما نقلته «ABC News» عن «Islamophobia Register Australia»، ارتفع متوسط البلاغات الأسبوعية عن
الحوادث من 2.5 إلى 18 خلال السنوات الثلاث الماضية، وهي زيادة بلغت 612%، كما
أشار المبعوث مالك، في تعليقه على حادثة تعرضت لها فتاة مسلمة تبلغ 13 عاماً في
حافلة بسيدني، إلى أن ضحايا «الإسلاموفوبيا» أصبحوا أصغر سناً.
وهنا لا تصبح
القضية مجرد أرقام؛ فالطفل الذي يتعرض للإهانة بسبب دينه، أو المرأة التي تشعر
بالخوف بسبب حجابها، أو الأسرة التي تتردد في إظهار هويتها الدينية، تختبر الإسلاموفوبيا بوصفها تجربة يومية تمس شعورها بالأمان والانتماء.
لماذا يُطلب من المسلمين الإبلاغ عن حوادث «الإسلاموفوبيا»؟
قد يتساءل
البعض: ما الفائدة من الإبلاغ عن حادثة عنصرية إذا كان الاعتداء قد وقع وانتهى؟ الإجابة
التي يقدمها مكتب المبعوث الأسترالي هي أن الإبلاغ لا يتعلق بالتوثيق فقط، بل
يساعد على فهم حجم المشكلة وطبيعتها، وتحديد الأماكن والقطاعات التي تتكرر فيها
الحوادث، وتحسين استجابة المؤسسات والجهات الحكومية.
ولهذا أطلق مكتب
المبعوث في يونيو 2026م حملة «Report Islamophobia»، داعياً
الضحايا والشهود إلى الإبلاغ عن الحوادث، سواء وقعت في الأماكن العامة أو المدارس
أو أماكن العمل أو عبر الإنترنت، ويؤكد المكتب أن كثيراً من الحوادث لا يتم
الإبلاغ عنها، الأمر الذي يجعل تقدير الحجم الحقيقي لـالإسلاموفوبيا أكثر صعوبة.
الإبلاغ، بهذا
المعنى، ليس مجرد شكوى فردية؛ بل يمكن أن يصبح أداة لصناعة معرفة أفضل، فما لا
يُسجل يصعب قياسه، وما يصعب قياسه يصعب أن تتحول معالجته إلى سياسة عامة واضحة، ولهذا
شجع مكتب المبعوث الضحايا والشهود على استخدام قنوات الإبلاغ الرسمية، بالتعاون مع
سجلات الإسلاموفوبيا الوطنية.
من مواجهة الإسلاموفوبيا في أستراليا إلى بناء الأمان المجتمعي
في سبتمبر 2025م،
قدم مالك تقريره الوطني إلى الحكومة الأسترالية، متضمناً 54 توصية بعد مئات
الساعات من الاستماع إلى المسلمين وقادة المجتمع وخبراء محليين ودوليين.
ولم تقتصر
التوصيات على التعامل مع الاعتداءات بعد وقوعها، بل امتدت إلى 4 محاور واسعة:
المساءلة والمسؤولية، والحماية والدعم، والتعليم والتوعية، وبناء التماسك
الاجتماعي.
وفي يوليو 2026م
أعلنت الحكومة الأسترالية استجابتها للتقرير، متضمنة إنشاء فريق عمل للتعليم بشأن الإسلاموفوبيا في أستراليا، ودعماً جديداً للمجتمعات المسلمة، وتعزيز حماية المؤسسات الإسلامية،
وتحسين آليات الإبلاغ والاستجابة للحوادث.
وهذا التحول
مهم؛ لأن مواجهة الكراهية لا يمكن أن تقوم فقط على انتظار وقوع الاعتداء ثم
التعامل معه، فالأمان المجتمعي يبدأ أيضاً من المدرسة، والإعلام، والحي، ومكان
العمل، والمؤسسات الدينية، والعلاقات اليومية بين الناس.
المسجد في مواجهة خطاب الكراهية
في هذا السياق،
لا يكون المسجد مجرد مكان يتلقى فيه المسلمون الدعم بعد وقوع الاعتداءات، بل يمكن
أن يكون أيضاً مؤسسة تبني الثقة قبل وقوع الأزمة.
المسجد في
المدينة الصغيرة قد يؤدي دوراً يتجاوز إقامة الصلوات؛ فهو مساحة يلتقي فيها
المسلمون، ويتعرف فيها الجيران إلى بعضهم، ويمكن من خلالها إقامة أنشطة تعليمية
وشبابية وخيرية وحوارات مع المؤسسات المحلية.
وهذا يجعل
المؤسسات الإسلامية المحلية شريكاً في بناء التماسك الاجتماعي، لا مجرد جهة تطلب
الحماية من الدولة.
ومن اللافت أن
مكتب المبعوث نفسه يربط مواجهة الإسلاموفوبيا في أستراليا بالحاجة إلى استمرار
التواصل مع المجتمعات المسلمة وبناء الثقة معها، وقد أكد مالك بعد استجابة الحكومة
لتقريره أن التغيير المستدام يتطلب استمرار مشاركة الحكومة والمجتمعات المسلمة
وبناء الثقة والعمل على أرضية مشتركة.
الإسلاموفوبيا في المدن الصغيرة.. هل تختلف عن المدن الكبرى؟
ليست المشكلة
بالضرورة أقل خطورة في المدن الصغيرة، لكنها قد تظهر بطريقة مختلفة؛ ففي المدن
الكبرى، يعيش المسلمون في أحياء ومؤسسات وجاليات كبيرة، وتوجد مساجد ومراكز
إسلامية ومدارس ومتاجر ومؤسسات اجتماعية متعددة.
أما في المناطق
الإقليمية، فقد تكون الجالية أصغر وأكثر تفرقاً، وقد لا تتوافر البنية المؤسسية
نفسها، وفي المقابل، يمكن للعلاقات الشخصية أن تكون أكثر تأثيراً؛ إذ يعرف الناس
بعضهم بصورة مباشرة، وقد يصبح المسجد نقطة اتصال أساسية بين المسلمين والسلطات
المحلية والمؤسسات التعليمية والصحية والمجتمع المدني.
ولهذا، فإن
الاستماع إلى المسلمين في هذه المناطق ليس تفصيلاً هامشياً في السياسة الوطنية، بل
وسيلة لفهم أشكال مختلفة من التجربة الإسلامية الأسترالية.
كيف تتحول الجالية المسلمة إلى شريك في صناعة السياسات؟
من أهم التحولات
التي يطرحها نموذج المبعوث الأسترالي أن المسلم لا يظهر فقط بوصفه ضحية لـالإسلاموفوبيا،
بل يظهر أيضاً بوصفه شريكاً في تشخيص المشكلة وصناعة الحل.
فالتقرير الوطني
نفسه بُني بعد مشاورات واسعة مع المسلمين وقادتهم، إلى جانب خبراء وأكاديميين، كما
أطلق مكتب المبعوث في يونيو 2026م أول «Australian Muslim Poll» وطني سنوي بالشراكة مع جامعة ديكن، بهدف إنشاء قاعدة بيانات
وطنية منتظمة عن تجارب المسلمين وآرائهم ورفاههم، بحيث يمكن استخدامها في صياغة
السياسات والبرامج.
وهنا يتحول حضور
الجالية من مجرد الاستجابة للقرارات التي تُتخذ بشأنها إلى المشاركة في إنتاج
المعرفة التي تستند إليها هذه القرارات.
وهذا مبدأ
يتجاوز قضية الإسلاموفوبيا نفسها؛ المجتمع الذي يريد حماية هويته والمشاركة في
وطنه يحتاج إلى أن يكون حاضراً في المجال العام، لا غائباً عنه.
التربية على المواطنة.. حماية الهوية وبناء المجتمع
لا تبدأ مواجهة
الكراهية عند وقوع أول اعتداء، إنها تبدأ قبل ذلك بكثير، حين يتعلم الطفل كيف يرى
المختلف عنه، وكيف يتعامل مع جاره، وكيف يفهم أن اختلاف الدين لا يلغي حق الإنسان
في الكرامة والأمان.
وفي المقابل،
يحتاج أبناء المسلمين إلى تربية تمنحهم الثقة بهويتهم دون أن تحولها إلى عزلة عن
المجتمع، فالمواطنة الإيجابية لا تعني ذوبان الهوية، كما أن الاعتزاز بالإسلام لا
يعني الانسحاب من المجتمع، بل يستطيع المسلم أن يكون متمسكاً بدينه، ومعتزاً
بهويته، ومشاركاً في خدمة مجتمعه، ومدافعاً عن حقه وحق غيره في الأمان والكرامة.
وهذه الرؤية
تتوافق مع أحد المحاور الأساسية في خطة مالك؛ التعليم والتوعية وبناء التماسك
الاجتماعي، إلى جانب الحماية والمساءلة.
ربما تكشف تجربة
أستراليا شيئاً أوسع من مجرد مواجهة الإسلاموفوبيا؛ فحين يُطلب من المسلم أن
يبلغ عن حادثة كراهية، وأن يتحدث عنها، وأن يشارك في الاستطلاعات والمشاورات، وأن
يفتح المسجد أمام المجتمع، وأن يجلس مع المسؤولين المحليين، فإن الرسالة ليست:
«احموا أنفسكم بعيداً عن المجتمع».
بل أن المسلمين
جزء من المجتمع، وأن مواجهة الكراهية مسؤولية مشتركة، وأن بناء الأمان لا يتم من
خلال الضحايا وحدهم، بل من خلال المؤسسات والمجتمع والدولة معاً.
الهوامش
- 1 Australian Bureau of Statistics
- 2 Australia’s Islamophobia envoy brings national action plan to Launceston, calls for grassroots engagement & formal reporting
- 3 Australia's Special Envoy to Combat Islamophobia
- 4 Australian Government response to the Special Envoy’s National Response to Islamophobia
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً