منصة تضخيم الكراهية.. كيف تغذي «إكس» «الإسلاموفوبيا» في أمريكا؟
في صيف عام 2025م،
عندما انتخبت مدينة نيويورك أول عمدة مسلم في تاريخها، شهدت المنصات الرقمية
تفاعلاً متوقعاً ومقلقاً في آن واحد.
فقد تتبع باحثون
في «مركز دراسة الكراهية المنظمة» ردود الفعل عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وكشفت
النتائج أن 39.4% من المحتوى الخاضع للدراسة تضمن لغة معاداة صريحة للمسلمين
استهدفت المرشح أو المسلمين ككل، مع تأطير الإسلام نفسه كتهديد للمجتمع.
وعلى منصة «إكس»
وحدها، جرى رصد أكثر من 35500 منشور يحمل طابع «الإسلاموفوبيا» وكراهية الأجانب في
الفترة ما بين يونيو وأكتوبر 2025م، وهكذا تحول الإنجاز التاريخي للمسلمين
الأمريكيين إلى بؤرة لشرارة عارمة من الكراهية الرقمية، وكانت منصة «إكس» الوعاء
الرئيس لها.
لم يكن ذلك وليد
المصادفة؛ فمنذ استحواذ إيلون ماسك في أواخر عام 2022م على المنصة التي كانت تُعرف
سابقاً باسم «تويتر»، شهدت البيئة المناهضة لخطاب الكراهية تحولاً جذرياً، فقد
أقدم ماسك على تسريح جانب كبير من العمالة الدائمة، واستغنى عن خدمات مشرفي
المحتوى الخارجيين المعنيين بتتبع الانتهاكات، كما حل «مجلس الثقة والأمان»
بالمنصة؛ وهو هيئة استشارية تطوعية تضم قادة مستقلين في حقوق الإنسان وأكاديميين
تأسست عام 2016 لمكافحة خطاب الكراهية.
وكانت النتائج
ملموسة وتستحق القياس؛ فقد أظهرت البحوث أن المعدل الأسبوعي لخطاب الكراهية على
منصة «إكس» ارتفع بنسبة 50% مقارنة بالأشهر التي سبقت صفقة الشراء، مع تسجيل هذه
الزيادة عبر أبعاد متعددة للكراهية شملت العنصرية، ومعاداة المثلية، والتحول
الجنسي.
وكانت التداعيات
الناجمة عن هذا التراخي التنظيمي شديدة القسوة والمباشرة على المسلمين الأمريكيين،
فمع اندلاع الحرب الأمريكية «الإسرائيلية» على إيران في فبراير 2026م، تحولت
المنصة إلى تدفق لا يتوقف من التهجم المعادي للمسلمين.
وفي الفترة
الممتدة بين 28 فبراير و5 مارس 2026م وحدها، جرى تسجيل 25348 منشوراً يندرج ضمن «الإسلاموفوبيا»
ويسعى لاستهداف المسلمين على منصة «إكس».
وعند احتساب
إعادة النشر، ارتفع المدى الإجمالي لوصول هذا المحتوى الضار إلى 279417؛ ما يمثل
مضاعفة الانتشار الأولي بواقع 11 مثلاً، واعتمد المعلقون عبر الإنترنت لغة يصنفها
الباحثون تاريخياً بالخطرة؛ حيث وثقت التقارير استخدام مصطلحات تجرد المسلمين من
الإنسانية وتصفهم بـ«الآفات»، و«الجرذان»، و«الديدان»، و«الطفيليات»، وسط تحذيرات
من الباحثين تشير إلى أن مثل هذه الأدبيات كانت تاريخياً تمهيداً وتوطئة لأشد
أشكال العنف قسوة ضد المجتمعات المستهدفة.
ولا يقف هذا
الخطاب المحموم عند حدود الفضاء الرقمي، بل يتسرب إلى الواقع الملموس بتأثيرات
مدمرة؛ إذ دفع المسلمون الأمريكيون ثمن هذا المناخ المحتقن من دمائهم.
ففي عام 2023م،
قُتل الطفل الفلسطيني الأمريكي وديع الفيومي (6 سنوات)، وأُصيبت أمه بجروح بالغة
في بلدة بلينفيلد بولاية إلينوي على يد جارهما، بدافع من كراهية المسلمين
والفلسطينيين.
وفي عام 2025م،
أقر رجل بذنبه في ارتكاب جُرم الحرق العمد الذي استهدف مسجدين في مدينة
مينيابوليس.
وهذه الأحداث
ليست سوى حلقات في سلسلة متصلة، ونتيجة حتمية لسيل التجريد من الإنسانية الذي
يتدفق يومياً عبر المنصات الرقمية.
وقد زاد الساسة
المشهد تعقيداً بمضاعفتهم لنشر الصورة النمطية السائدة على «إكس».
فقد صرح النائب
أندي أوغز بأن المسلمين لا ينتمون إلى المجتمع الأمريكي!
بينما كتب
النائب راندي فاين منشوراً مفاده أن المفاضلة بين الكلاب والمسلمين ليست بالخيار
الصعب!
هذه التصريحات،
الصادرة عن مسؤولين منتخبين يحظون بقاعدة جماهيرية عريضة، تحمل في طياتها سلطة
ضمنية للمؤسسة الرسمية، وتصب مباشرة في الشريان المعلوماتي المفعم بالأساس
بالمحتوى المعادي للمسلمين.
وفي فبراير 2025م،
قام ماسك نفسه بتصنيف العديد من الجماعات الإسلامية والعربية الأمريكية زوراً
بأنها «منظمات إرهابية» عبر منشور على «إكس»؛ وهو تصريح يحمل تبعات قد تكون مميتة
لمجتمعات تعيش بالأساس تحت وطأة التهديد.
ولهذا أثر
تراكمي ومدمر على تفاصيل الحياة اليومية للمسلمين الأمريكيين؛ فقد سجل مجلس
العلاقات الإسلامية الأمريكية (كير) 8683 شكوى تتعلق بمعاداة المسلمين والعرب خلال
عام 2025م، وهو الرقم الأعلى منذ بدء نشر البيانات عام 1996م.
وجاء التمييز في
مجال العمل على رأس القائمة، تلاه التمييز في ملفات الهجرة واللجوء، ثم حوادث
الكراهية المباشرة، وانتهاكات لمستحقات السجناء.
ويتعرض الطلاب
المسلمون للتنمر، وتواجه النساء المحجبات المضايقات في وسائل النقل العام، بينما
تتلقى المساجد تهديدات مستمرة، ودفع ذلك العائلات إلى تغيير أنماط حياتها اليومية،
عبر تجنب أحياء معينة أو إخفاء المظاهر الدالة على الهوية الدينية، للتعامل مع
حالة الخوف التي يذكيها ما يجري تداوله بحرية على هواتفهم الذكية.
وبدلاً من
مواجهة هذه الأزمة، رفعت شركة إكس دعوى قضائية ضد ولاية نيويورك لمنع قانون وقف
إخفاء الكراهية الذي كان سيُلزم منصات التواصل الاجتماعي بالكشف عن الخطوات التي
تتخذها لمكافحة الكراهية على منصاتها والإبلاغ عن التقدم المُحرز، ولا شك أن رفض
المنصة للمساءلة يشير بوضوح إلى وجود مشكلة.
إن ما يكابده المسلمون الأمريكيون اليوم ليس محض مصادفة تاريخية، بل هو النتيجة المتوقعة لمنصة اتخذت خياراً متعمداً بتعزيز وتضخيم أسوأ ما في الفكر البشري بدلاً من كبحه، فالكلمات المدونة على «إكس» ليست مجرد حروف بلا وزن؛ بل تتنزل جمرة على المجتمعات، وفي أماكن العمل، ومدارس الأطفال، ولربما تجسدت في هيئة عنف دامٍ، وستظل الجالية المسلمة في أمريكا تدفع هذا الثمن الباهظ، ما لم تُخضع هذه المنصات للمساءلة عن التبعات الميدانية للكراهية التي تستضيفها.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً