الاتزان زمن الفتن.. حكمة مطرف بن عبدالله بن الشخير

عبدالله السيد

03 سبتمبر 2026

191

صورة رمزية تعبر عن الحكمة والتأمل في سيرة أحد كبار التابعين ومواقفه الأخلاقية.

روى الذهبي في ترجمة مطرف بن عبدالله بن الشخير(1)، عن محمد بن واسع قال: كان مطرف يقول: «اللهم ارض عنا، فإن لم ترض عنا فاعف عنا؛ فإن المولى قد يعفو عن عبده وهو عنه غير راض».

وقال مطرف لبعض إخوانه: «يا أبا فلان، إذا كانت لك حاجة فلا تكلمني واكتبها في رقعة؛ فإني أكره أن أرى في وجهك ذل السؤال».

وقال قتادة: لقيت عليًّا رضي الله عنه، فقال لمطرف: «يا أبا عبدالله، ما بطأ بك؟ أحب عثمان؟»، ثم قال: «لئن قلت ذاك، لقد كان أوصلنا للرحم، وأتقانا للرب».

وقال مطرف: «لقد كاد خوف النار يحول بيني وبين أن أسأل الله الجنة»(2).

وقال: «ما يسرني أني كذبت كذبة وأن لي الدنيا وما فيها»(3).

تظهر شخصية مطرف بن عبدالله بن الشخير في سياق القرن الأول الهجري، في بيئة البصرة التي كانت من أهم مراكز العلم والعبادة والفكر، كما كانت مسرحًا لتحولات سياسية واجتماعية عميقة بعد الفتن التي وقعت بين المسلمين، وفي هذا السياق المضطرب برز مطرف بن عبدالله نموذجًا للإنسان الذي لم تسمح له اضطرابات الواقع أن تفقده ميزان النفس والعقل؛ فكان عابدًا دون انعزال عن الناس، وحكيمًا دون ضعف، وصاحب موقف دون انجرار إلى صخب الجماعات.

وتكشف الأخبار المنقولة عنه عن شخصية متكاملة تتجاوز صورة الزاهد التقليدية؛ فهي شخصية تبني علاقتها بالله على الخوف والرجاء، وعلاقتها بالناس على الرحمة وصيانة الكرامة، وعلاقتها بالأحداث على البصيرة وضبط الانفعال.

حين يتحول الدعاء لميزان يستعيد التواضع النفسي

يختصر دعاء مطرف: «اللهم ارض عنا، فإن لم ترض عنا فاعف عنا» رؤية إيمانية دقيقة لمقام العبودية؛ فهو لا يتعامل مع رحمة الله باعتبارها حقًا مكتسبًا، ولا مع العمل الصالح باعتباره سببًا للاغترار، بل يجمع بين علو الهمة وشدة الافتقار.

فالرضا الإلهي غاية عظيمة، والعفو منزلة من الرحمة يحتاجها كل عبد مهما بلغ من الصلاح؛ لأن الإنسان لا يستغني عن فضل الله، وهذا المعنى قريب من قوله تعالى: (وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَىٰ رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ) (المؤمنون: 60).

وهذا المعنى نفسه بيّنته عائشة رضي الله عنها في سؤالها للنبي صلى الله عليه وسلم عن هذه الآية: (وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ)، فبيّن صلى الله عليه وسلم أنهم ليسوا أهل المعصية، وإنما هم أهل الطاعة الذين يصومون ويصلون ويتصدقون، ومع ذلك يخافون ألا يُقبل منهم(4)، فاجتمع فيهم بذل العمل وخوف عدم القبول، وهي منزلة تجمع بين المسارعة إلى الخير والافتقار إلى رحمة الله، فلا يغتر العبد بطاعته ولا يقنط من فضل ربه.

إن هذا النوع من الوعي يربي النفس على التوازن؛ فلا يدفعها إلى اليأس بسبب التقصير، ولا إلى العجب بسبب الطاعة، وفي واقع الإنسان المعاصر، الذي يتأرجح كثيرًا بين جلد الذات أو تضخم الأنا، يقدم هذا المعنى نموذجًا لاستعادة التواضع النفسي؛ اعمل بجد، ولكن لا تنس أنك محتاج إلى الرحمة قبل كل شيء.

لماذا اشترط مطرف الرقعة لدفع ذل السؤال؟

لم يكن مطرف بن عبدالله يرى قضاء حاجة الإنسان مجرد تقديم مال أو خدمة، بل كان يرى أن طريقة العطاء جزء من أخلاق العطاء، ولهذا قال لمن سأله: «إذا كانت لك حاجة فلا تكلمني واكتبها في رقعة؛ فإني أكره أن أرى في وجهك ذل السؤال».

هذه العبارة تكشف حسًا إنسانيًا رفيعًا؛ فهو لا يريد أن يمنع المحتاج من الطلب، وإنما يريد أن يزيل عنه ألم الموقف وحرج المواجهة، لقد أدرك أن بعض الناس يتألمون من انكشاف حاجتهم أكثر من ألم الحاجة نفسها.

وهذا يلتقي مع التوجيه القرآني في قوله تعالى: (قَوْلٌ مَّعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِّن صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى) (البقرة: 263)، فالصدقة ليست قيمة مادية فقط، بل قيمة أخلاقية تحفظ قلب الإنسان ووجهه.

وفي المؤسسات والأسر والمجتمعات اليوم تظهر أهمية هذا المبدأ؛ فالقائد الناجح ليس من يوفر الخدمة فقط، بل من يصمم طريقة الوصول إليها بما يحفظ كرامة طالبها، سواء كان موظفًا يرفع ملاحظة، أو طالبًا يطلب مساعدة، أو فردًا يمر بضيق.

كيف يحفظ الإنسان عدله في أوقات الاستقطاب؟

تكشف رواية لقاء مطرف بن عبدالله بعلي رضي الله عنه جانبًا مهمًا من شخصية مطرف؛ فقد كان زمنًا شديد الحساسية، وكانت المواقف من الصحابة والخلافات السياسية تحمل شحنة عاطفية كبيرة، ومع ذلك، لم يتعامل مطرف بمنطق الاصطفاف الأعمى، بل أظهر تقديرًا للفضائل مع حفظ الأدب.

فعندما سُئل عن عثمان رضي الله عنه، لم يجعل الأمر شعارًا سياسيًا مجردًا، بل ذكر خصاله: «لقد كان أوصلنا للرحم، وأتقانا للرب»، وهذه الإجابة تكشف منهجًا مهمًا في أوقات الانقسام: أن يبقى الإنسان قادرًا على رؤية الخير والفضل، وألا تسمح له الخصومات بإلغاء فضائل الآخرين.

ولم يكن إنصاف علي رضي الله عنه في زمن الفتنة موقفًا عابرًا، بل كان مبدأً يحفظ للناس فضائلهم وإن اختلفت المواقف، فقد بقيت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها موضع تكريم وإجلال، ولم تمنعه الخصومة من ردّها مكرّمة إلى المدينة، كما لم يحمله اختلافه مع أهل الشام على إلغاء ما فيهم من خير(5)، وهكذا يظهر الإنصاف في أصفى صوره؛ أن يختلف الإنسان دون أن يظلم، وأن يردّ الخطأ دون أن يمحو الفضائل.

وهذا المنهج يحتاجه الواقع المعاصر بشدة؛ ففي زمن الإعلام السريع والاستقطاب الحاد، تصبح القدرة على الإنصاف مهارة أخلاقية نادرة، فليس كل اختلاف يبرر القطيعة، وليس كل انتماء يبرر الظلم في الحكم على الناس.

لماذا كاد خوف النار يزهد مطرفاً بالجنة؟

قال مطرف بن عبدالله: «لقد كاد خوف النار يحول بيني وبين أن أسأل الله الجنة»، وهذه العبارة لا تعني اليأس من رحمة الله، بل تعكس عمق استحضار الآخرة وشدة مراقبة النفس.

فالخوف المحمود ليس الذي يشل الإنسان، وإنما الذي يمنعه من الغرور ويدفعه إلى العمل، وقد جمع القرآن بين الخوف والرجاء، فقال تعالى: (نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ {49} وَ أَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الأَلِيمَ) (الحجر).

لقد كان مطرف بن عبدالله يعيش حالة من الوعي الأخلاقي المستمر؛ فهو لا يرى نفسه فوق الحساب، ولا يرى عمله سببًا للأمان من دون فضل الله، وهذا يربي الإنسان على مراجعة نفسه، وهي قيمة تحتاجها التربية الحديثة؛ لأن كثيرًا من أزمات السلوك تبدأ حين يفقد الإنسان القدرة على محاسبة ذاته.

حين تصبح الكذبة أثقل من الدنيا بأسرها

من أقوى العبارات المنقولة عنه قوله: «ما يسرني أني كذبت كذبة وأن لي الدنيا وما فيها»، إنها ليست مجرد موعظة في الصدق، بل إعلان عن ترتيب مختلف للقيم.

ففي ميزان مطرف بن عبدالله ، الكذب ليس خطأ صغيرًا إذا كان ثمنه ضياع المعنى الداخلي للإنسان، الدنيا كلها، بما فيها من مال وجاه ومكانة، لا تساوي لحظة خيانة للضمير.

وهذا المعنى ينسجم مع قول الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ) (التوبة: 119)، فالصدق ليس مجرد صفة فردية، بل أساس لبناء الثقة في المجتمع.

وفي عالم العمل والإدارة والإعلام، تظهر قيمة هذا المبدأ بوضوح؛ فالمؤسسات التي تفقد الصدق قد تحقق مكاسب مؤقتة، لكنها تخسر رأس مالها الحقيقي: الثقة.

ثمرة التجربة العميقة في صياغة العبارات الموجزة

تميزت عبارات مطرف بن عبدالله بقصرها وعمقها؛ فهو لا يكثر الكلام، لكنه يختار ألفاظًا تحمل رؤية كاملة، ففي دعائه جمع بين معرفة مقام الله ومعرفة ضعف الإنسان، وفي حديثه عن السائل جمع بين الرحمة وحفظ الكرامة، وفي حديثه عن الصدق جمع بين قيمة الخلق واستعلاء الروح عن الدنيا.

وهنا يبرز معنى آخر من حكمة السلف؛ فاختصار العبارة عندهم لم يكن اختصارًا للفكرة، بل تكثيفًا لها، وقد عبّر إبراهيم بن أدهم رحمه الله عن ذلك بقوله: «العلم كله في كلمتين: لا تتكلف ما كُفيت، ولا تضيع ما استُكفيت»(6)، فجمع في ألفاظ قليلة أصلًا واسعًا من الحكمة وحسن التدبير؛ وهذا هو شأن العبارات التي تصدر عن تجربة عميقة، إذ تختصر صفحات من المعاني في كلمات معدودة.

وهذه سمة ظاهرة في كلام كثير من السلف؛ حيث كانت العبارة القصيرة ثمرة تجربة طويلة، لا مجرد صياغة جميلة.

مطرف بن عبدالله كنموذج تربوي للإنسان المعاصر

إن شخصية مطرف بن عبدالله تقدم نموذجًا متوازنًا في بناء الإنسان: قلب يخاف الله دون قنوط، وعقل يتعامل مع الفتن دون انفعال، ونفس تحفظ كرامة الآخرين، ولسان يلتزم الصدق مهما كان الثمن.

والحاجة إلى هذا النموذج اليوم ليست في استنساخ الظروف التاريخية، وإنما في استحضار القيم التي صنعت ذلك الجيل؛ الوعي قبل رد الفعل، الرحمة قبل الحكم، والصدق قبل المصلحة.

ففي الأسرة يظهر هذا النموذج حين يحفظ الإنسان مشاعر أهله، وفي التعليم حين يربي المعلم طلابه بالقدوة، وفي الدعوة حين يقدم الداعية الحكمة قبل الخصومة، وفي المجتمع حين يختلف الناس دون أن تتحول الخلافات إلى ظلم أو قطيعة.

إن مطرف بن عبدالله بن الشخير يذكرنا بأن قوة الإنسان ليست في ارتفاع صوته، ولا في كثرة ظهوره، وإنما في رسوخ قيمه حين تضطرب الأحوال من حوله.

الهوامش
  • 1 مطرف بن عبدالله ابن الشخير الإمام القدوة، الحجة أبو عبدالله الحرشي العامري البصري، أخو يزيد بن عبدالله.
  • 2 سير أعلام النبلاء، ج4، ص194.
  • 3 المرجع السابق، ج4، ص195.
  • 4 البداية والنهاية، طبعة د. عبدالمحسن التركي، ج8، ص6 (ترجمة عمر بن الخطاب وتفسير الآيات).
  • 5 المرجع السابق، ج11، ص122 (فصل في ذكر شيء من سيرة علي العادلة وطريقته الفاضلة).
  • 6 حلية الأولياء وطبقات الأصفياء، ج8، ص120.
الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة