البائع الجاهل والحجر طارد الذباب!

يحيى الكاتب

20 سبتمبر 2026

23

البائع الجاهل والحجر طارد الذباب!

حكى أبو أحمد عبد الله بن عمر الحارثي، قال: حدَّثني رجل خراساني (من إقليم خراسان، وهو إقليم تاريخي واسع في المشرق الإسلامي) من بعض أصحاب الصنعة (أهل الحِرَف والصناعات)، ممن كان يعرف الأحجار الخواصيّة (الأحجار التي تُنسب إليها خصائص ومنافع عجيبة)، قال:

اجتزتُ برهداريّ (بائع الرقيق، أو صاحب مهنة تتصل بالرقيق) بمصر، فرأيت عنده حجرًا أعرفه، يكون وزنه خمسة دراهم، مليح المنظر، وقد جعله بين يديه في جملة قماشه (ضمن سلعته وأمتعته).

وكنت أعرف أن خاصيته في طرد الذباب، وكنت في طلبه منذ سنين كثيرة.

فحين رأيته، ساومته فيه، فاستام (طلب ثمنه) عليَّ به خمسة دراهم، فلم أماكسه (لم أجادله في السعر أو أحاول إنقاصه)، ودفعتها إليه صحاحًا (دراهم كاملة صحيحة لا نقص فيها).

فلما حصلت في يده، وحصل الحجر في يدي، أقبل يطنز بي (يسخر مني ويتهكم عليَّ)، ويسخر مني، ويقول (بالعامية المصرية في ذلك الوقت): يجون هؤلاء الحمير، لا يدرون أيش يعطون، ولا أيش يأخذون! والله، إن هذه الحصاة رأيتها منذ أيام مع صبي، فوهبت له دانق فضة (قدر صغير من الفضة)، وأخذتها، وقد اشتراها هذا الأحمق مني بخمسة دراهم!

فرجعت إليه، وقلت له: يجب أن أعرِّفك أنك أنت الأحمق، لا أنا.

قال: كيف؟

قلت: قم معي حتى أعرِّفك ذلك.

فأقمته ومضينا، حتى اجتزنا بكَسَّار (بائع التمر) يبيع التمر في قصعة، والذباب محيط بها.

فنحَّيت الرجل بعيدًا من القصعة، وجعلت الحجر عليها، فحين استقر عليها طار جميع الذباب.

وتركته ساعة، وهي خالية من ذبابة واحدة فما فوقها، ثم أخذت الحجر، فرجع الذباب، ثم رددته، فطار الذباب.

ففعلت ذلك ثلاث مرات، ثم خبأت الحجر.

وقلت: يا أحمق، هذا حجر الذباب، وأنا قدِمتُ في طلبه من خراسان. يجعله الملوك عندنا على موائدهم، فلا يقربها الذباب، ولا يحتاجون إلى مِذَبَّة (أداة تُستعمل لطرد الذباب)، ولا إلى مروحة.

والله، لو لم تبعني إياه إلا بخمسمائة دينار، لاشتريته منك.

قال: فشهق شهقة، قدَّرتُ أنه تَلِف (ظننتُ أنه مات أو أصابه من شدة الصدمة ما أذهب وعيه)، ثم أفاق منها بعد ساعة، وافترقنا. (نشوار المحاضرة)

بيان وفوائد

تقوم هذه الحكاية على مفارقة بسيطة ولكنها عميقة: قد يحمل الشيء قيمة عظيمة في نظر من يعرف خصائصه، في حين يبدو تافهًا في نظر من يجهل حقيقته. فبائع الحجر لم يرَ أمامه إلا حصاة عادية، ولذلك باعها بثمن يسير، أما الرجل الخراساني فكان يعرف خاصيتها ويبحث عنها منذ سنوات.

وهنا تظهر أهمية المعرفة والخبرة في تقدير الأشياء. فالقيمة ليست دائمًا في الشكل الظاهر، وقد يكون الشيء الذي يستخف به الناس ذا منفعة لا يعرفونها. ولذلك لا يصح أن نحكم على الأشياء من ظاهرها قبل أن نعرف حقيقتها ووظيفتها.

وفي الحكاية درس آخر يتعلق بـ البيع والشراء. فقد كان البائع يظن أنه أوقع بالمشتري، وظل يسخر منه بعد أن قبض الثمن، لأنه كان يعتقد أنه باع شيئًا لا قيمة له بثمن مرتفع. لكن الحقيقة كانت معكوسة؛ فالمشتري هو الذي كان يعرف قيمة ما اشترى، ولذلك لم يحتج إلى المساومة أصلًا.

وهذا يلفت إلى أن قلة السعر لا تعني دائمًا أن الصفقة رابحة، وارتفاع السعر لا يعني دائمًا أنها خاسرة؛ فالحكم الحقيقي يتوقف على قيمة الشيء بالنسبة إلى من يملكه ومن يحتاج إليه.

كما تكشف الحكاية عن طبيعة الشماتة المبكرة. فقد أسرع البائع إلى السخرية من الرجل قبل أن يعرف حقيقة الحجر، فكان جزاؤه أن اكتشف أنه هو الجاهل بحقيقة ما في يده. وفي ذلك تنبيه إلى ألا يتعجل الإنسان الحكم على الآخرين، وألا يظن أن معرفته المحدودة هي كل المعرفة.

ومن أجمل جوانب الحكاية أن الرجل لم يكتفِ بأن يقول للبائع: «أنت مخطئ»، وإنما أثبت له الأمر عمليًا. فقد وضع الحجر على القصعة، فطار الذباب، ثم رفعه فعاد، وكرر التجربة ثلاث مرات. وهنا تتحول المعرفة من مجرد ادعاء إلى برهان يمكن مشاهدته.

ومع ذلك، فإن الحكاية لا تدعونا إلى الانخداع بكل ادعاء عن الخصائص العجيبة للأشياء؛ فهي في الأصل حكاية تراثية من أخبار النوادر، وما تنسبه إلى الحجر من خاصية خارقة يُروى في سياق الحكاية ولا ينبغي التعامل معه بوصفه حقيقة علمية مثبتة بمعايير المعرفة الحديثة. وربما كانت هناك مثل هذه المواد في الحقيقة، مما يطرد الحشرات والذباب.

وتبقى المفارقة الأخيرة هي الأجمل: الرجل الذي كان يظن أنه خدع المشتري، انتهى به الأمر إلى الشهقة من شدة الندم حين أدرك قيمة ما باع.

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة