شكر النعم .. وحكاية الأصمعي مع ضرار بن القعقاع

سعد الحسن

08 أغسطس 2026

139

شكر النعم .. وحكاية الأصمعي مع ضرار بن القعقاع

زَعَمَ الأَصْمَعِيُّ أَنَّ حَرْبًا كَانَتْ بِالبَادِيَةِ، ثُمَّ اتَّصَلَتْ بِالبَصْرَةِ، فَتَفَاقَمَ الأَمْرُ، ثُمَّ مُشِيَ بَيْنَ النَّاسِ بِالصُّلْحِ، فَاجْتَمَعُوا فِي المَسْجِدِ الجَامِعِ.

قَالَ: فَبُعِثْتُ وَأَنَا غُلَامٌ إِلَى ضِرَارِ بْنِ القَعْقَاعِ، فَاسْتَأْذَنْتُ عَلَيْهِ، فَأَذِنَ لِي، فَدَخَلْتُ، فَإِذَا هُوَ فِي شَمْلَةٍ، يَخْلِطُ بَذْرًا لِعَنْزٍ لَهُ حَلُوبٍ.

فَخَبَّرْتُهُ بِمُجْتَمَعِ النَّاسِ، فَأَمْهَلَ حَتَّى أَكَلَتِ العَنْزُ، ثُمَّ غَسَلَ الصَّحْفَةَ، وَصَاحَ: يَا جَارِيَةُ، غَدِّينَا.

فَأَتَتْهُ بِزَيْتٍ وَتَمْرٍ، قَالَ: فَدَعَانِي، فَقَذِرْتُهُ أَنْ آكُلَ مَعَهُ. حَتَّى إِذَا قَضَى مِنْ أَكْلِهِ، وَثَبَ إِلَى طِينٍ مُلْقًى فِي الدَّارِ، فَغَسَلَ بِهِ يَدَهُ، ثُمَّ صَاحَ: يَا جَارِيَةُ، اسْقِينِي مَاءً.

فَأَتَتْهُ بِمَاءٍ، فَشَرِبَهُ، وَمَسَحَ فَضْلَهُ عَلَى وَجْهِهِ، ثُمَّ قَالَ: الحَمْدُ لِلَّهِ، مَاءُ الفُرَاتِ، بِتَمْرِ البَصْرَةِ، وَزَيْتِ الشَّامِ، مَتَى نُؤَدِّي شُكْرَ هَذِهِ النِّعْمَةِ!

ثُمَّ قَالَ: عَلَيَّ بِرِدَاءٍ. فَأَتَتْهُ بِرِدَاءٍ عَدَنِيٍّ، فَارْتَدَى بِهِ عَلَى تِلْكَ الشَّمْلَةِ.

قَالَ الأَصْمَعِيُّ: فَتَجَافَيْتُ عَنْهُ اسْتِقْبَاحًا لِزِيِّهِ، فَلَمَّا دَخَلَ المَسْجِدَ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ مَشَى إِلَى القَوْمِ، فَلَمْ تَبْقَ حِبْوَةٌ إِلَّا حُلَّتْ إِعْظَامًا لَهُ، ثُمَّ جَلَسَ فَتَحَمَّلَ جَمِيعَ مَا كَانَ بَيْنَ الأَحْيَاءِ فِي مَالِهِ، وَانْصَرَفَ.

بيان وفوائد

تفسير المعاني:

زَعَمَ: قال أو روى، وقد تأتي في العربية بمعنى «ذكر» من غير أن تكون فيها دلالة على الشك بالضرورة.

البادية: الأعراب والقبائل المقيمة خارج المدن.

اتصلت بالبصرة: امتد أثر الحرب إليها وبلغها.

تفاقم الأمر: اشتدَّ وعَظُمَ وتعقَّد.

مشى بالصلح: سعى في الإصلاح بين المتخاصمين.

الشَّمْلَة: كساء أو ثوب واحد يُلتحف به، وهي من لباس أهل البادية.

البَذْر: الحَبُّ الذي يُعطى للحيوان طعامًا.

عَنْزٌ حَلُوب: عنز تُعطي اللبن.

الصَّحْفة: إناء واسع للطعام.

غَدِّينَا: قدّمي لنا الغداء.

قَذِرْتُهُ: استقذرته ونفرت من الأكل معه؛ أي إن الأصمعي استنكر هيئته وطعامه البسيط.

قَضَى مِنْ أَكْلِهِ: فرغ من طعامه.

طِينٌ مُلْقًى فِي الدَّار: طين كان موجودًا في فناء البيت، واستعمله في تنظيف يده.

فَضْلَهُ: ما بقي من الماء بعد شربه.

ماء الفرات: الماء الآتي من نهر الفرات.

تمر البصرة: التمر المنتج في البصرة.

زيت الشام: الزيت القادم من بلاد الشام.

رِداء عَدَنِيّ: رداء منسوب إلى عَدَن، وكانت مشهورة بجودة بعض منسوجاتها وثيابها.

تجافيت عنه: ابتعدت عنه وتنحيت.

زِيُّه: لباسه وهيئته.

الحِبْوة: هيئة الجالس؛ وهي أن يجلس على أليتيه ويضم ساقيه إلى بطنه، وربما ربطهما بثوبه.

حُلَّتِ الحِبْوة: ترك القوم تلك الهيئة وقاموا أو استعدوا إجلالًا له.

إعظامًا له: تعظيمًا وإجلالًا لمكانته.

الأحياء: القبائل أو الجماعات المتخاصمة.

تَحَمَّلَ جميع ما كان بين الأحياء في ماله: تكفّل من ماله بدفع الأموال اللازمة لإنهاء النزاع وإتمام الصلح.

شكر النعم .. ومفارقة المظهر والجوهر

تروي هذه الحكاية عن الأصمعي صورة بديعة من صور المروءة والتواضع وشكر النعمة. فقد نشبت حرب في البادية، ثم امتد أثرها إلى البصرة، وتفاقم النزاع حتى سعى الناس إلى الصلح، واجتمعوا في المسجد الجامع. وكان ضرار بن القعقاع ممن يُرجى في مثل هذه المواطن؛ فأرسل إليه الأصمعي، وكان يومئذ غلامًا، ليخبره باجتماع الناس.

دخل الأصمعي على ضرار، فإذا به في شملة متواضعة، منشغل بإطعام عنز له حلوب. وأخبره باجتماع القوم، فلم يعجل بالخروج، بل انتظر حتى أكلت العنز، ثم غسل صحفتها، وأمر بالطعام، فأُتي بزيت وتمر، ودعا الأصمعي إلى الأكل معه، غير أن الغلام استقذر هيئته وطعامه، فلم يأكل. ثم غسل ضرار يده بطين كان في الدار، وشرب ماءً، ومسح ما بقي منه على وجهه، وقال كلمته الدالة على عمق نظره: «الحمد لله، ماء الفرات، بتمر البصرة، وزيت الشام، متى نؤدي شكر هذه النعمة!».

في هذه العبارة القصيرة يتجلى جانب مهم من شخصية ضرار؛ فهو لا ينظر إلى الطعام بوصفه شيئًا عاديًا مألوفًا، بل يرى وراءه سلسلة من النعم المتضافرة. فالماء من الفرات، والتمر من البصرة، والزيت من الشام، وهذه اللقمة البسيطة تحمل في حقيقتها آثار أرض وماء وزراعة وتجارة ورزق. ومن هنا كان شكره أعمق من مجرد الثناء باللسان؛ إذ يستشعر أن النعمة أمانة، وأن السؤال الحقيقي ليس: كيف نتمتع بها؟ وإنما: كيف نؤدي حقها؟

ثم تأتي بقية الحكاية لتجيب عن هذا السؤال بالفعل. فقد ارتدى ضرار رداءً عدنيًا فوق شملته، ودخل المسجد. وكان الأصمعي قد استقبح زيه، لكنه ما إن دخل حتى تبدلت الصورة أمام عينيه؛ فلم تبق حِبوة إلا حُلَّت إعظامًا له، ثم جلس ضرار وتحمل جميع ما كان بين الأحياء في ماله، وانصرف.

وهنا تبلغ الحكاية ذروتها؛ إذ يتبين أن الرجل الذي بدا للأصمعي في أول الأمر فقير الهيئة، قليل التكلف، كان في الحقيقة عظيم القدر والمنزلة. لقد كان الناس يعرفون قدره بما رأوا من مروءته وفضله، بينما حكم عليه الغلام من مظهره وحده. وفي هذا المفارقة تكمن واحدة من أجمل عبر الحكاية: قد يخطئ النظر حين يقيس الإنسان بثوبه، ولكن الفعل يكشف معدن صاحبه.

ولعل أعمق ما في الحكاية أن شكر النعمة لم يبق عند ضرار في حدود القول. فقد شكر الله على الماء والتمر والزيت، ثم خرج ليجعل من ماله وسيلة لإصلاح ذات البين. وكأن الحكاية تقيم صلة وثيقة بين الشكر والإحسان: فمن عرف النعمة حق المعرفة، لم يكن شكره مجرد كلمات، بل دفعه ذلك إلى بذل ما عنده في سبيل الخير. ولذلك كان تحمله نفقات الصلح أبلغ تعبير عن شكره من مجرد قوله «الحمد لله».

كما تكشف الحكاية عن منزلة الإصلاح بين الناس؛ فضرار لم يكتف بأن يحضر مجلس الصلح أو يحث المتخاصمين على الوفاق، بل تحمل تبعة الصلح في ماله، فجعل ثروته فداءً لإنهاء الخصومة. وهنا يتحول المال من غاية إلى وسيلة، ومن شيء يحرص الإنسان على جمعه لنفسه إلى أداة يحقق بها خيرًا يتجاوز ذاته. وهذه صورة رفيعة من صور المروءة، لأن أعظم الكرم ليس أن تعطي في موضع الترف، وإنما أن تبذل حيث يترتب على بذلك رفع خصومة وإطفاء فتنة وإعادة الوئام بين الناس.

والحكاية، في الوقت نفسه، درس في الحذر من الأحكام السريعة. فالأصمعي نفسه يعترف بأنه «تجافى عنه استقباحًا لزيه»، ثم رأى بأم عينه كيف يعظمه الناس، وكيف يستطيع أن يحمل عنهم تبعات النزاع من ماله. لقد تغير حكمه حين ظهرت حقيقة الرجل، وكأن الرواية تدعونا إلى أن نؤخر أحكامنا حتى نرى الإنسان في ميدان الفعل، لا في صورة المظهر.

ومن ثم فإن قيمة هذه الحكاية لا تكمن في الكرم وحده، ولا في التواضع وحده، ولا في شكر النعمة وحده، وإنما في اجتماع هذه الخصال في شخصية واحدة: تواضع في العيش، وبصيرة في رؤية النعمة، وشكر باللسان، وكرم بالمال، ومروءة في إصلاح ذات البين. ولذلك بقي ضرار في الحكاية عظيمًا من غير أن يتكلف العظمة؛ فلباسه لم يرفعه، وطعامه لم ينقصه، وإنما رفعه فعله.

إنها حكاية تعلمنا أن شكر النعمة لا يكتمل إلا حين تتحول النعمة إلى إحسان، وأن عظمة الإنسان لا تظهر في مقدار ما يستأثر به، وإنما في مقدار ما يستطيع أن يبذله حين يحتاج الناس إليه. وفي هذا تتجاوز الحكاية زمنها لتقدم معنى إنسانيًا خالدًا: من عرف فضل الله عليه، هان عليه أن يبذل من فضله للناس.

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة