التشبيه التمثيلي وأثرُه في القرآن الكريم

صورة الكاتب وصورة تعبيرية لمصحف مفتوح يخرج منه نور وبجواره شجرة

عرضت في المقال السابق لمفهوم التشبيه وأركانه، ثم بيَّـنـت أشهر أنواعه، لأصل إلى أعظمها وأبدعها، وهو التشبيه التمثيلي، الذي ينتزع من متعدد، فيكون المشبه مركَّبًا والمشبه به كذلك.

ووعدت أن أضرب في هذا الجزء الثاني من المقال - أمثلة قرآنية على بعض ما فصَّل فيه الجرجاني القول من آثارِ التشبيه التمثيلي وأغراضه.

وهذا بيانها:

التمثيل في المدح

 يقول الجرجاني عن أثر التمثيل في المدح: "فإنْ كان مدحًا، كان أبهى وأفخم، وأنبلَ في النفوس وأعظم، وأهزَّ للعِطف، وأسرعَ للإلف، وأجلب للفرَح.."(1).

ولعل من بديع ذلك قوله تعالى: (وَمَثَلُهُمْ فِي الإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ) (الفتح: 29).

ففي سياق هذه الآية يمثِّل اللهُ الصحابةَ الكرام -الذين حول محمد- بالزرع الذي أخرج شَطْأَهُ أي: فراخَه وما تفرَّع عنه في جوانبه، أي شواطئه، «فَآزَرَهُ» عَضَده وقواه ومَكَنّه، «فَاسْتَغْلَظَ» ذلك الزرع وقوِيَ وتمكَّن، «فَاسْتَوى عَلى سُوقِهِ» أي: أصوله وقصبه وجذوعه، وصار «يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ» باديَ الرّأي لحسنِ نباته وكثرة فروعه وقوة جذوره.

وهذا مثَل ضربه الله تعالى لسيدنا محمد وأصحابه في الإنجيل، بأن قومًا يخرجون بعد فينبتون نبات الزرع، أي يكونون قليلين ثم يكثرون، فالزرع محمد، والفروع أصحابه والمؤمنون به، وإنما جعلهم الله كذلك «لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ» ويوقع في قلوبهم الرّعب منهم بسبب اتحادهم ومحبتهم بعضهم بعضا، وتعاونهم على عدوهم(2).

التمثيل في الذمّ

يقول الجرجاني عن أثر التمثيل في الذمّ: "وإن كان ذمًّا كان مَسُّهُ أوجع، ومِيسَمُهُ أَلْذَع، ووقْعُه أشدّ، وحَدُّهُ أحَدّ"(3).

ولا ريب أن من بديع ذلك قوله تعالى: (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِيَ آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ {175} وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَـكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث ذَّلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ {176} سَاء مَثَلاً الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَأَنفُسَهُمْ كَانُواْ يَظْلِمُونَ) (الأعراف).

تتكلم الآيات عن بلعام بن باعوراء، وهو من علماء بني إسرائيل، أوتي علمًا ببعض كتب الله المنزلة على الرسل قبله وفي زمانه، فكفر بها ونبذها وراء ظهره «فَانْسَلَخَ مِنْها» انسلاخ الجلد عن الشاة، «فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطانُ» لحقه وأدركه، وفيه تلميح المبالغة باللحوق إذ جعل كأنه أمام الشيطان «فَكانَ مِنَ الْغاوِينَ» بعد أن كان من المهتدين الراشدين.

ثم قال تعالى «وَلَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ بِها» بتلك الآيات التي علمها إلى منازل الأبرار ومراتب الأخيار، «وَلكِنَّهُ أَخْلَدَ» ركن ومال ملازمًا «إِلَى الْأَرْضِ» أي الدنيا رغبةً بملاذِّها، ونزولا لشهواتها الوضيعة، «وَاتَّبَعَ هَواهُ» بإيثار الدنيا على الآخرة.

وهنا يأتي التشبيه إذ يمثله -وهو متلبِّسٌ بحالته هذه- بالكلب: «فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ» بالخساسة والدناءة، وهو يتلبَّس بحالٍ وصفها ربنا -جلَّ وعلا- أبلغَ وصف: «إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ» لتزجره أيها الإنسان، وتشد عليه وتطرده «يَلْهَثْ» يدلَع لسانه بالنفس الشديد، «أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ» فاللَّهْثُ غريزة فيه لا تقتصر على حال التعب والعطش وشدة الحر، إلا أن الحالة تزداد معه فيها.

«ذلِكَ» المثل الذي ضربه الله عز وجل لعباده فيمن آتاه الحكمة وتركها وعدل عنها فترك آخرته وآثر دنياه في الخِسَّة والضِّعَة، بأخسِّ الحيوانات في أحسن أحواله، لأن الكلب حال لَـهْـثه لا يقدر على نفع نفسه، وهذا هو «مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا» أي مثل العالم الذي اتبع هواه لا يقدر على نفع نفسه، لأن الحريص على الدنيا إذا وعظته لا ينجع به، وإن لم تعظه، فهو باق على حرصه فصار الحرص على الدنيا طبعًا له غريزيًّـا.

وهذا المثل الذي ضربه الله للمكذب بآياته يعمُّ كل مكذب بها لأنهم إذا جاءتهم الرسل بالهداية لم يهتدوا فهم ضلَّال في كل حال.

«فَاقْصُصِ» يا سيد الرسل على قومك هذا «الْقَصَصَ» من أخبار الكافرين بآياتنا «لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ» فيها فيتعظون.

ثم يختم -جل وعلا- المثل ببيانِ إيجاعِهِ وأثره السيِّئ على كل من كذَّب بآياته، وذلك بقوله: «ساءَ مَثَلًا» أي بئس المثلُ مثل «الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا» لأنهم لا يظلمون إلا أنفسهم(4).

التمثيل في الوعظ

يقول الجرجاني عن أثر التمثيل في الوعظ: "وإن كان وعظًا كان أشفى للصدر، وأدعى إلى الفكر، وأبلغ في التنبيه والزجر، وأجدر بأن يُجلِّيَ الغَيَاية، ويُبَصِّرَ الغاية، ويُبْرِئَ العليل، ويَشْفيَ الغَليل"(5).

ولعل من بديع ذلك قوله تعالى: (اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الْآخِرَةِ عَذابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوانٌ وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلاَّ مَتاعُ الْغُرُورِ) (الحديد: 20).

فالمشبَّه في هذه الآية مجموع هذه الكلمات:

لَعِبٌ لا ثمرةَ له.

وَلَهْوٌ يشغل الإنسان عما ينفعه.

وَزِينَةٌ لا تحصِّل شرفًا ذاتيا.

وَتَفاخُرٌ بَيْنَكُمْ بأنسابٍ زائلة.

وَتَكاثُرٌ بالعدد.

والمشبَّه به مجموع هذه الكلمات:

غَيْثٍ: مطر.

أَعْجَبَ الْكُفَّارَ: أعجب الزراع.

ثُمَّ يَهِيجُ: ثم يكمل نضجه ويبلغ تمامه.

فَتَراهُ مُصْفَرًّا: فتراه عقب ذلك مصفرا آخذا في الجفاف.

ثُمَّ يَكُونُ حُطامًا: ثم يصير بعد فترة هشيمًا جامدًا متكسرا.

ثم يعقب ذلك بذكر نتيجة الموعظة، ومآل من لا يتَّعظ، ومآل من يتَّعظ:

وَفِي الْآخِرَةِ عَذابٌ شَدِيدٌ: لمن آثر الدنيا وأخذها بغير حقِّها.

وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوانٌ: لمن آثر آخرته على دنياه.

وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا: وليست الحياة الدنيا.

إِلَّا مَتاعُ الْغُرُورِ: إلا متاع هو غرور لا حقيقة له(6).

ووجه الشبه: الهيئة الحاصلة من أن كلًّا من المشبه والمشبَّه به، ينمو ويزهو، حتى يصير إلى حالة تَسرُّ وتغرُّ، ثم لا يلبث أن يزول.

ويلاحظ هنا أن المشبه طال عرضُه، وتنوَّعت أشكاله؛ فهي: لعب، ولهو، وزينة، وتفاخر، وتكاثر... ذلك؛ ليؤكد أن هذا الذي يُستطال، ويُستعظم ما هو إلا عَرَضٌ زائل، وظلٌّ حائل(7).

إذًا فالتشبيه التمثيلي يكسب المعنى رونقًا، ويزيد المبنى جمالا، وهو يقرِّب البعيد، ويوضح الغريب، ويحسِّن المليح، ويقبِّح السيِّئ، وينفِّر منه، وتتجلَّى صوره أمام القارئ كأنها مشاهد يراها، ويحسُّ بها، ويكادُ يلمسها.

طائفة من التشبيهات القرآنية

وفيما يأتي طائفة من التشبيهات القرآنية أختم بها هذا المقال:

من مثل قوله تعالى: (وَلَهُ الْجَوَارِ الْمُنشَآتُ فِي الْبَحْرِ كَالأَعْلامِ) (الرحمن: 24).

الجواري المنشآت هي السفن، وقد شبَّهَ ربُّ العزة هذه الجواري بالأعلام أي بالجبال، برسوخها، بثباتها، بمنظرها في وسط البحر، هذا وقد وردت الأعلام بمعنى الجبال في شعر العرب، من مثل قول الخنساء:

وإنَّ صَخْرًا لَوالِينا وَسيِّدُنا        وإنَّ صَخْرًا إذا نَشْتُو لَنَحَّارُ

وإنَّ صَخْرًا لَتَأْتَمُّ الهُداةُ به       كَأَنّه عَلَمٌ في رَأْسِهِ نــــــــــــــــــــــــــــارُ

أي كأنه جبل في رأسه نار، فالعَلَم الجبل.

ومن أمثلة التشبيه القرآنية قوله تعالى: (نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُم) (البقرة: 223).

التشبيه هنا بليغ، فقد شبه النساء بالأرض التي تُحرَث، لتؤتي أكلَها طيِّـبًا بإذن ربها، وحذف الأداة ووجه الشبه.

وتشبيه المرأة بالحرث من حيث إنَّ كُلًّا منهما -المرأة والحَرْث- موضعُ أمل.

فالأرض تنبت ما به قوام الحياة. والنساء ما به يحيا النوع الإنساني.

ويستمر في عمارة الأرض؛ فبين المعنيين تعانق(8).

ولعل هذا التشبيه هو ما رمقتْـهُ تلك الأعرابية التي اعتزلها زوجها؛ لأنها لم تنجب له إلا البنات، حين قالت:

ما لأبي حمــــــــــــزةَ لا يأتينا       يظلُّ في البيتِ الذي يلينا

غضبانَ ألا نلدَ البنينا          تالله ما ذلكَ في أيــــــــدينا

وإنما نأخذُ مـــــــــــــــا أُعطينا        ونحنُ كالأرضِ لـــــــزارعينا

نُنبتُ ما قدْ زرعُوهُ فينا

فذكرتْ هذه الحقيقة (ونحن كالأرض لزارعينا)، وتنبهتْ إلى أن مثل هذا إنما يكون من الزوج، وليس من الزوجة، ولكن كثيرًا من الناس لا يعلمون!

ومن الأمثلة القرآنية البديعة للتشبيه قوله تعالى في وصف المنافقين: (وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ) (المنافقون: 4).

الشاهد هنا في قوله تعالى: (كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ) إذ شبههم بالخُشُب التي لا نفعَ منها، ولا فائدةَ ترتجى منها، خُشُبٌ مسنَّدة، ليست أشجارًا فينتفع بها، ولا أخشابًا يمكن أن يُصنعَ منها بابٌ أو غيره.

ومن أمثلة التشبيه أيضًا قوله تعالى: (الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا) (البقرة: 275).

إنها صورةٌ قبيحةٌ كريهة منفِّرة، تنفِّر من آكل الربا، وتُزري به، فهل رأيتَ ذلك الذي أصابه مسٌّ من الشيطان فهو لا ينهض واقفًا حتى يسقط، ولا يقومُ إلا ليقع، ذلك مَثَلُ آكلِ الربا.

ومن ثمَّ كان الحكم القطعي الذي لا مبدلَ له: (وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا) هذا مكانٌ محرمٌ لا تقربوه؛ لأنه يؤدي إلى تلك الصورة الشنيعة التي نفَّر منها التشبيه.

وبعد فهذا غَيْضٌ من فَيْض، وقُلٌّ من كُثْر، مما حَفَل به كتاب الله سبحانه من أنواع التشبيه وآثاره وأغراضه، وأما الاستعارة فموعدنا معها الحلقة القادمة، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.

الهوامش
  • 1 المرجع نفسه.
  • 2 بيان المعاني، عبد القادر بن ملّا حويش (6/ 283).
  • 3 أسرار البلاغة، ص115.
  • 4 بيان المعاني، عبد القادر بن ملّا حويش (1/ 453 – 455).
  • 5 أسرار البلاغة، ص116.
  • 6 الموسوعة القرآنية، إبراهيم بن إسماعيل الأبياري (11/ 292 – 293).
  • 7 البيان في ضوء أساليب القرآن الكريم، د. عبد الفتاح لاشين، ص53.
  • 8 خصائص التعبير القرآني وسماته البلاغية، عبد العظيم إبراهيم محمد المطعني (2/ 242).
الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة