الزواج بين القدس والضفة.. كيف تحاصر القيود الأسر الفلسطينية؟
لا تقف إجراءات
الاحتلال وقيوده المختلفة عند جانب بعينه من جوانب الحياة في الأراضي الفلسطينية
المحتلة، بل تمتد إلى تفاصيل الحياة اليومية، وفي مقدمتها الزواج بين القدس والضفة
الغربية، الذي يتحول إلى مسار معقد حين يرتبط مقدسي بفلسطينية من الضفة الغربية أو
العكس.
وتأتي هذه
التعقيدات نتيجة أسباب عدة، أبرزها الاختلافات التي رسختها سلطات الاحتلال بين
وثيقة الإقامة الدائمة التي يحملها الفلسطيني في القدس المحتلة، والهوية
الفلسطينية لمن يقطن في مناطق الضفة الغربية، وهو ما حوّل هذه الاختلافات إلى جدار
قانوني يفصل بين العائلات الفلسطينية ويصعّب فرص الزواج التي تتجاوز جدران
الاحتلال.
وفي هذا السياق،
تتقاطع 3 سياسات متزامنة؛ منع لمّ الشمل، وخنق تراخيص البناء في الشطر الشرقي من
القدس المحتلة، وتصنيف نحو 60% من الضفة الغربية كمنطقة «ج» مغلقة عمليًا أمام أي
تطوير سكني فلسطيني.
قانون «لمّ الشمل».. الزواج بوصفه مخاطرة قانونية
أصدر الكنيست
عام 2003م «قانون المواطنة والدخول إلى إسرائيل» المؤقت، الذي يمنع منح الإقامة أو
المواطنة لأي فلسطيني من الضفة الغربية أو قطاع غزة تزوج من مواطن أو مقيم في دولة
الاحتلال، بما فيها الشطر الشرقي من القدس، ويُعرف باسم قانون «منع لمّ الشمل».
ويُجدّد القانون
سنويًا، ليتحول من إجراء استثنائي إلى قانون دائم، ومن أبرز آثاره فرض قيود مشددة
على بقاء الزوج أو الزوجة القادم من الضفة الغربية، حيث يبقى لسنوات، وتصل أحيانًا
إلى عقود، مكبلًا بتصريح إقامة مؤقتة يُجدد دوريًا، ويحرم في المقابل من أي حق
رسمي في العمل والتأمين الصحي وحرية الحركة الكاملة.
كما لا يضمن
التصريح تجديده بعد انتهائه، إذ تتحكم بيروقراطية الاحتلال بهذه التصاريح.
وتوثق تقارير
صحفية العديد من هذه الحالات، من بينها رجل مقدسي ينتظر منذ عام 2007م حصول زوجته
على إقامة دائمة، وعلى الرغم من حصول الأبناء على الإقامة الدائمة، بقيت والدتهم «زائرة»
قانونية في بيتها لأكثر من 18 عامًا.
وحول أعداد
الأسر الفلسطينية التي تعاني من هذه التعقيدات في ملف الإقامة، لا توفر سلطات
الاحتلال إحصاءات دقيقة لعدد الأسر المتضررة من هذا القانون، لكن بعض التقديرات
الحقوقية تشير إلى وجود آلاف العائلات المقدسية التي تعاني من آثار هذه القوانين،
بشكل كلي أو جزئي، نظرًا للتشابك الأسري بين سكان المدينة المحتلة والضفة الغربية.
وإلى جانب
الشروط المعقدة للتقديم على هذه الطلبات، ما يجعل وصول الطلبات إلى مرحلة التقديم
متعذرًا ابتداءً، تضع سلطات الاحتلال آلية متدرجة تجعل الوقت الذي تتطلبه هذه
الطلبات أطول بكثير مما يجب، وتحول الوجود البشري بناءً على هذا التدريج إلى وجود
قلق، يمكن للاحتلال أن يتراجع عنه بشكل أو بآخر، ويُبعد الشخص المستهدف عن القدس
بأي ذريعة كانت.
فبحسب المصادر،
تعطي سلطات الاحتلال للحاصل على الموافقة تصريح إقامة لمدة 15 شهرًا، ثم تجدده
لمدة 12 شهرًا، ثم يتحول إلى حامل للإقامة المؤقتة، وأخيرًا يحصل على إقامة دائمة،
في مسار قد يمتد لسنوات عدة، من دون وجود ضمانة حقيقية للحصول على الإقامة الدائمة
أو إبعاد شبح الطرد من القدس.
لا مكان للأسر الجديدة في الشطر الشرقي من القدس
لا تقف صعوبات
الزواج بين القدس والضفة الغربية عند الإقامة فقط، إذ تعاني الأسر في القدس من نقص
المساكن، حيث تصطدم الأسر الجديدة بسياسة حرمان الفلسطينيين من السكن.
فلا يُسمح
للفلسطينيين بالبناء إلا على نحو 13% من مساحة الشطر الشرقي من القدس، وهي مساحة
مكتظة، إلى جانب فرض سلطات الاحتلال شروطًا تعجيزية على الفلسطينيين للحصول على
رخص بناء، ما يراكم طبقات متعددة من القيود التي تؤثر على قدرة الفلسطيني على
اختيار سكن مناسب وضمن ميزانية تتناسب مع دخله.
وتشير مراكز
الرصد الفلسطينية إلى أن سلطات الاحتلال لا توافق إلا على نحو 7% من طلبات تراخيص
البناء الفلسطينية، وترفض 93% منها، وهو ما يدفع آلاف العائلات في الشطر الشرقي من
المدينة إلى البناء من دون ترخيص، وهو ما يعرض منازلهم لخطر الهدم لاحقًا.
ومع تصاعد
سياسات الاحتلال اليمينية وتصعيد استهداف الوجود الديموغرافي في المدينة، وصل عدد
الأبنية المهددة بالهدم في الشطر الشرقي إلى أكثر من 30 ألف وحدة سكنية، يمكن أن
تهدم في أي وقت بذريعة البناء من دون ترخيص.
وتشهد الأعوام
الماضية استمرارًا لسياسات الهدم واستهداف مناطق بعينها، وخاصة تلك القريبة من
المسجد الأقصى.
وتعني هذه
المعطيات أن الأسر الجديدة التي استطاعت تجاوز مشكلات الإقامة، بشكل جزئي أو دائم،
ستواجه خيارات بالغة الضيق في قضية السكن؛ إما العيش المكتظ مع الأسرة الممتدة، أو
المخاطرة بالبناء غير المرخص وما يتبعه من غرامات باهظة وهدم قسري.
مناطق «ج».. المعضلة نفسها بصيغة أشد قسوة
تشكل المناطق
المصنفة «ج» بموجب اتفاقية أوسلو، التي تفرض سلطات الاحتلال سيطرتها عليها على
الصعيدين الإداري والأمني، أنموذجًا متكررًا، وفي بعض الأحيان أكثر تطرفًا، في
سياق التعقيدات التي تواجه السكان.
فما بين عامي
2016 و2018م، لم توافق سلطات الاحتلال سوى على نحو 1.5% من طلبات البناء
الفلسطينية في هذه المناطق، وكثير من هذه الموافقات ارتبط بخطط التهجير القسري
للتجمعات البدوية، ولم تكن استجابة لحاجات الفلسطينيين.
وبحسب مصادر
حقوقية أممية، يشكل رفض تراخيص البناء في هذه المناطق، إضافة إلى سحب الإقامات
ومصادرة الأراضي، جزءًا من مخططات ديموغرافية تسعى إلى استهداف السكان وحياتهم.
وبالنسبة إلى
الأزواج الجدد، ففي حال كان أحد العروسين من قرية في منطقة «ج»، فإن هذا يعني
عمليًا استحالة الحصول على قطعة أرض مرخصة للبناء داخل نطاق قريته، ودفعه إما إلى
البناء العشوائي المهدد بالهدم، أو الانتقال القسري نحو مناطق «أ» و«ب» المكتظة.
وتسهم هذه
العملية في إفراغ القرى والبلدات المصنفة «ج» تدريجيًا من سكانها الشباب وقدرتها
على التجدد الديموغرافي الطبيعي.
قراءة في الأثر.. الاحتلال يفرض تأجيل الزواج ويؤخره
تتقاطع هذه
المسارات الثلاثة؛ لمّ الشمل، وتراخيص البناء في القدس والهدم الممنهج المتصاعد،
وأخيرًا القيود في مناطق «ج»، لتنتج واقعًا يدفع فيه عدد متزايد من الشباب الفلسطيني إلى تأجيل الزواج أو تعقيد شروطه.
كما يصعب على
المناطق الفلسطينية مد جسور التواصل الأسري عبر الزيجات، من خلال حصر خيارات
الزواج لدى الشباب ضمن الرقعة الجغرافية والقانونية ذاتها التي يسكن فيها، لتفادي
التعقيدات السابقة.
وهذه التأثيرات
المتراكمة، على الرغم من غياب المعطيات الرقمية الإحصائية تجاهها بفعل التكتم
الإعلامي «الإسرائيلي»، تبرز بوضوح حين تُقرأ هذه السياسات الثلاث معًا.
فعندما تتضافر
قيود الإقامة مع حظر تراخيص البناء في القدس والمناطق «ج»، تتحول أزمة السكن إلى
أداة لتقييد النمو الديموغرافي وتفكيك النواة الأسرية.
والنتيجة
التراكمية هي الإسهام بشكل مباشر في أزمة السكن، التي تتحول على المدى الطويل إلى
أداة لضبط التوسع الديموغرافي الفلسطيني، وفرض المزيد من القيود على الأسر
الفلسطينية، واستهداف الأسرة الجديدة عبر تعقيد الزواج بمستوياته المختلفة.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً