السُّنة.. ما الأدلة العقلية والنقلية والنقدية على موثوقيتها؟ (2)
«السُّنة» هي
أفعال النبي صلى الله عليه وسلم وأقواله وتقريراته، التي قالها وفعلها وقررها،
خلال حياته بعد النبوة، صلى الله عليه وسلم، وبخاصة في سنوات المدينة، هذه «السُّنة»
أو الأحاديث كان الصحابة رضوان الله عليهم يتعاهدونها ويسألون عنها ويحفظونها عن
ظهر قلب، ويبلغون بها مَن وراءهم، وهم التابعون، وهذا كلام ليس على رِسله، ولا
نلقيه جزافاً، بل تؤكده النصوص والوقائع، والمخطوطات، وتناقل الرواة والأخبار.
فعلى سبيل
المثال، يقول النبي صلى الله عليه وسلم لأُبي بن كعب في قصة معلومة: «أَتُحِبُّ
أَنْ أُعَلِّمَكَ سُورَةً لَمْ يَنْزِلْ فِي التَّوْرَاةِ وَلَا فِي الزَّبُورِ
وَلَا فِي الْإِنْجِيلِ وَلَا فِي الْفُرْقَانِ مِثْلُهَا؟»، قَالَ: قُلْتُ:
نَعَمْ أَيْ رَسُولَ اللهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «إِنِّي
لَأَرْجُو أَنْ لَا تَخْرُجَ مِنْ هَذَا الْبَابِ حَتَّى تَعْلَمَهَا».
قَالَ: فَأَخَذَ
رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم بِيَدِي يُحَدِّثُنِي وَأَنَا أَتَبَاطَأُ
مَخَافَةَ أَنْ يَبْلُغَ قَبْلَ أَنْ يَقْضِيَ الْحَدِيثَ، فَلَمَّا أَنْ
دَنَوْنَا مِنَ الْبَابِ قُلْتُ: أَيْ رَسُولَ اللهِ، مَا السُّورَةُ الَّتِي
وَعَدْتَنِي؟ قَالَ: «مَا تَقْرَأُ فِي الصَّلَاةِ؟»، قَالَ: فَقَرَأْتُ عَلَيْهِ
أُمَّ الْقُرْآنِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «وَالَّذِي
نَفْسِي بِيَدِهِ مَا أَنْزَلَ اللهُ فِي التَّوْرَاةِ وَلَا فِي الْإِنْجِيلِ
وَلَا فِي الزَّبُورِ وَلَا فِي الْفُرْقَانِ مِثْلَهَا، وَإِنَّهَا لَلسَّبْعُ
مِنَ الْمَثَانِي».
هنا في هذا
الحديث فيه مسائل مهمة جداً، وفيه أن النبي صلى الله عليه يرشد الصحابة لكل خير،
وفيه أنه يعلمهم القرآن، هذه واحدة، والثانية: فقد روى البخاري عن همام بن منبه
قال: سمعت أبا هريرة يقول: «ما من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أحد أكثر حديثاً
مني، إلا ما كان من حديث عبدالله بن عمرو فإنه كان يكتب ولا أكتب».
وهذه الرواية
ليس لنا من سبيل إلى صحتها من عدمه إلا بالنظر إلى إسنادها، وقد عرف أن البخاري لا
يروي في أصل صحيحه إلا الإسناد المتصل الصحيح، وتبيان الضعف عنده دون ذلك خرط
القتاد، لأنه هو من واضعي علم الجرح والتعديل، وهو عمدة في تعديل وتجريح الرواة،
وقال البخاري بعد تلك الرواية: «تَابَعَهُ مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّامٍ، عَنْ أَبِي
هُرَيْرَةَ»، وهذا من دقته في الحفظ ومعرفة الأسانيد، فالكتابة إذن كانت عند
الصحابة، وهذا عبدالله بن عمرو بن العاص يكتب، وقصته معروفة في الكتابة.
دعنا من كل هذا،
ولنأخذ مثالاً نطبقه على أحد الصحابة؛ زيد بن ثابت، وهو أحد كتبة القرآن، هذا
الصحابي من الذين رووا عنه سليمان، وعطاء ابنا يسار، وسعيد بن المسيب، وبشر بن
سعيد، وابنه خارجة بن زيد، والقاسم بن محمد، وأبان بن عثمان بن عفان، وقَبيصة ابن
ذُؤيب، وعبيد بن السَّبَّاق، وحُجْر المَدَرِي، وهو راوية لحديث النبي صلى الله
عليه وسلم، ولا يمكن أن يكون كاذباً حاشاه، لأنه من كتبة القرآن، ومن أكابر
الصحابة في الحفظ والعلم، هذا الرجل له أصحاب وتلاميذ، منهم من ذكرنا.
سليمان بن يسار،
فماذا قال العلماء في هذا الرجل، على سبيل المثال؟ ذكروا نسبه ومن هو أولاً، ثم
عمن روى الحديث، ثم يذكر العلماء من روى عنه؛ أي تلاميذه ومن أخذ منه، ثم يذكرون
شيئاً من سيرته وحفظه وثقته من عدمها والمفاضلة بينه وبين غيره ممن عاصره، ويوم
ولادته ويوم وفاته إلى آخر هذا الدقائق التي لا يمكن أن تصدق أن تخرج من هؤلاء
القدماء، ولكنهم حفظوا كل ذلك في كتبهم ومدوناتهم، ولو اختلف المحدثون في أي رجل
هل هو من الحفاظ أم من الضعفاء يذكر ذلك، ويكون الترجيح من عدمه.
فكيف يستهان
بهذا العمل ويستخف فيه؟! ولا طرق دونه أبداً، فهو الطريق الوحيد الموصل لمعرفة السُّنة
والحديث والتاريخ، والكتب ملأى بالتوثيق والتضعيف، ولكن مع الأسف أن المعترض لا
يقرأ!
وقد دونت هذه
الكتب مبكراً في السؤالات والجرح والتعديل والتواريخ، ولم يفلت منهم شيء، وذلك من
حفظ الله وتوفيقه لهؤلاء، وحفظهم للدين وأصوله!
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً