السُّنة النبوية.. ما الأدلة العقلية والنقلية والنقدية على موثوقيتها؟ (1)
السُّنة النبوية
رواية تاريخية وصلتنا عبر الزمن، نقلها رواة مسلمون عاشوا في القرون الأولى، ولا
سيما الأول والثاني والثالث الهجرية، ثم تناقلتها الأجيال، إما بالمشافهة
والرواية، وإما عبر المدونات المكتوبة.
وقد أُثيرت
شبهات كثيرة حول السُّنة النبوية، قديمًا وحديثًا، تدور في مجملها حول البُعد
الزمني بين النبي صلى الله عليه وسلم، وبعض من دوّنوا الحديث في القرن الثالث
الهجري، ثم يتفرع عن ذلك الطعن في بعض الأحاديث الواردة في كتب الحديث، وهذه
المسائل، على أهميتها، تظل فرعية إذا ما قورنت بالإشكال الأساسي الذي تنبني عليه
كثير من تلك الشبهات؛ ولذلك لا بد من تفكيك الشبهة الأصلية ومناقشتها، قبل
الانتقال إلى ما يتفرع عنها.
أولًا: الأدلة العقلية العامة:
ثمة مبادئ عقلية
عامة تتعلق بنقل الأخبار ومعرفة الوقائع التاريخية، وهي مبادئ يشترك البشر في
التعامل معها، على تفاوت بينهم في طرائق النقل والتحقق، وسنعرض هنا لشيء منها:
1- تناقل الأخبار عبر الرواة:
تناقل الأخبار
بواسطة الرواة خاصية يشترك فيها جميع الناس، وإن تفاوتوا في دقة النقل وضبطه، ومن
خلال جمع الأخبار ومقارنتها بعضها ببعض، يمكن التمييز بين الحقائق والأباطيل.
وتكمن أهمية
الراوي في كونه واسطة نقل الخبر؛ إذ قد يطرأ على الرواية الخلل بسبب كذب الراوي
وتعمده التحريف، أو بسبب الوهم والخطأ، أما إذا سلم النقل من هذه الآفات، أمكن
للخبر أن يصل إلى المتلقي من غير تغيير.
يقول د. عبدالرحمن
السلمي، في كتابه «المنهج النقدي عند المحدثين» (ص 56): «لا يمكن أن يتطرق إليها
لخلل إلا بسبب راويها، إما بسبب كذبه، متعمدًا، أو بسبب وهمه وخطئه، وأن الرواية
لو أمنت منهما لوصلت كما هي من غير تغيير».
2- بقاء الأخبار في ذاكرة الشعوب:
تبقى الأخبار في
ذاكرة الشعوب عبر الأجيال، ولا سيما الأخبار التي عاصرها الناس، وشهدوا وقائعها،
ثم نقلوها إلى من بعدهم، وقد تختلط بهذه الأخبار، مع مرور الزمن، بعض الأساطير
والمبالغات؛ مما يجعل التمييز بين الأخبار الصحيحة وغيرها أمرًا يحتاج إلى التثبت
والنقد.
3- تناقل أخبار الشخصيات العظيمة:
إذا ظهر رجل
عظيم، أو برزت شخصية مرموقة ذات أثر كبير في العالم أو في دولة أو في الشعوب
المجاورة، فمن الطبيعي أن يتناقل الناس أخبارها وأقوالها وأعمالها، وخاصة تلاميذها
والمقربين منها، وهذا أمر تشهد له طبيعة المجتمعات البشرية وطرائق حفظها لأخبار
الشخصيات المؤثرة.
4- النظر في أحوال الرواة:
يُعد النظر في
أحوال الرواة من المسائل المهمة عند التحقق من صدق الناقل ودقة نقله، غير أن
الأخبار التي تتضافر على نقلها جماعات كثيرة، ويستقل بعضها عن بعض في طرق النقل،
قد تكتسب قوة لا تتوقف على دراسة أحوال كل راوٍ على حدة، وفق ضوابط التواتر
وشروطه.
أما دعوى
التواتر، فلا تُقبل بمجرد كثرة الناقلين، بل تحتاج إلى التحقق من انطباق شروطه،
وهي مسألة يبحثها علماء الحديث والأصول والتاريخ، كلٌّ بحسب اختصاصه ومنهجه.
5- عدم اشتراط وجود آثار مكتوبة لإثبات الوقائع التاريخية:
ليس وجود الآثار
المكتوبة شرطًا لازمًا لإثبات كل واقعة تاريخية؛ فقد تثبت الوقائع بأدلة متنوعة،
منها النقل المتضافر، والشهادات، والقرائن، والمصادر التاريخية المتعددة.
ومن الأمثلة
التي يمكن طرحها في هذا السياق أخبار آدم عليه السلام وأبنائه؛ إذ لا يتوقف
الإيمان بوجودهم، في التصور الإسلامي، على العثور على آثار أثرية مباشرة تثبت
وجودهم، بل يستند إلى ما ورد بشأنهم في القرآن الكريم وغيره من المصادر الدينية.
وهذا المثال
يوضح أن غياب الأثر المادي المباشر لا يكفي وحده لنفي واقعة تاريخية، لكنه لا يعني
أيضًا أن كل خبر منقول يُقبل دون فحص؛ بل ينبغي النظر في طبيعة الأدلة المتاحة
ودرجة قوتها.
6- المنقولات التاريخية عبر الأجيال:
تزخر الذاكرة
التاريخية للبشرية بمنقولات كثيرة تناقلتها الأجيال، مثل أقوال الفلاسفة، والشعر
الجاهلي، وخطب الحكماء، وأخبار الشخصيات التاريخية، ومن بينها زرقاء اليمامة
والمنذر بن ماء السماء، إلى جانب قضايا وقصص كثيرة يصعب حصرها.
فهل يصح أن نرفض
هذه المنقولات جميعًا لمجرد أنها وصلت إلينا عبر الزمن؟ أم أن المنهج الأجدر
بالعقل هو قبول ما تثبت أدلته، وتمحيص ما يحتاج إلى التحقق، والتوقف فيما لم
تتوافر فيه أدلة كافية؟
إن الموقف
العلمي لا يقوم على التصديق المطلق بكل منقول، ولا على التكذيب المطلق به، وإنما
يقوم على الفحص والنقد والموازنة بين الأدلة.
ويقول د. السلمي،
كذلك، في «المنهج النقدي عند المحدثين» (ص 29): «إن دراسة التاريخ ونقد حوادثه،
واستثمارها، شأن إنساني قديم، لا يمكن أن نحدد له بداية، إلا بداية تعاقب الأجيال
الإنسانية، على هذه الحياة، فالجيل الثاني من البشر من أحفاد آدم عليه السلام، وجد
تاريخًا إنسانيًّا سابقًا، فلا شك أنه قد تطلع إلى معرفته، والاستفادة منه، ولا بد
أنه مارس بعض المحاولات النقدية في التحقق من حوادث ذلك التاريخ».
7- النقد بوصفه أساسًا للتحقق من الروايات:
تمثل المرحلة
النقدية جوهر البحث التاريخي، وأحد أهم أصول دراسة الروايات والأخبار؛ فالغاية
ليست مجرد جمع المنقولات أو تناقلها، وإنما التحقق من صحتها، وتمييز المقبول منها
من المردود.
فالرواية التي
لا تخضع للفحص والنقد قد تكون ضعيفة، أو وقع فيها خطأ، أو كانت باطلة أو مكذوبة، ومن
هنا تبرز أهمية النقد بوصفه أداة أساسية للوصول إلى المعرفة التاريخية الموثوقة.
وانطلاقًا من
ذلك، سنضع السُّنة النبوية وتاريخ نقلها أمام ميزان النقد العلمي، لنتبين كيف
تعامل المحدثون مع الروايات، وما المناهج والضوابط التي وضعوها للتحقق من الأسانيد
والمتون، وتمييز الصحيح من الضعيف، والكشف عن الخطأ والوهم والاختلاق.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً