الكسب السريع.. بين رغد الجنة ولهيب الجحيم

"ليميز الله الخبيث من الطيب".. حينما وصل عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه إلى المدينة،
آخي النبي ﷺ بينه وبين سعد بن الربيع، فعرض عليه سعد أن يأخذ نص ماله دون أي مقابل،
وبلا أي جهد، وعن طيب نفس منه، بل وألحّ على عبدالرحمن أن يقبل هذا المال، إلا أنه
رفض ذلك قائلًا؛ "دلني على السوق" ثم ذهب إليه، وبدأ بالتجارة في أبسط
السلع مثل التمر واللبن، وظل يبيع ويشتري بفطنة وأمانة، واستطاع خلال فترة قصيرة
جدًا تحقيق كسب سريع، حتى أصبح لديه رأس مال يمكّنه من الزواج..
والسؤال الآن: ماذا لو كنت مكان عبدالرحمن بن عوف؟ هل
ستترك هذه الفرصة تنفلت من يديك؟ هل ستفضل العمل وبذل الجهد على الراحة وكسب المال
دون مقابل؟ هل أنت مؤمن أن المال الذي يكتسبه المرء لابد أن يكون من جهد يده؟
إذا كانت إجابتك نعم فأنت تدرك خطورة الكسب السريع، لكنك
بحاجة إلى التفرقة بين الكسب السريع المشروع وغير المشروع..
الكسب السريع المشروع
لم يحرم الإسلام الكسب السريع، ولم يحد من المعاملات
التي تجني على أصحابها نفعًا سريعًا، إلا أنه فرق بين المشروع وغير المشروع،
فالكسب السريع المشروع يتحقق بالطرق التي تتوافق مع ضوابط الشريعة الإسلامية، والالتزام
بالقيم والمعايير الأخلاقية، وتجنب المعاملات المحرمة كالربا والاحتكار، مما يعود
بالنفع العام على الفرد والمجتمع، وهذا ما فعل عبد الرحمن بن عوف، حيث فضل التجارة
والبيع والشراء على أخذ المال دون جهد، وهذا ما أمر به المولى سبحانه وتعالى في
كتابه: "فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا
مِن فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ"،
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "التاجر الصدوق الأمين مع النبيين والصديقين
والشهداء".
الكسب السريع غير المشروع
العديد من الناس يبحثون عن أقصر الطرق للكسب، ولا يبالون
بسلامة هذه الطرق أو مدى مشروعيتها، فنظرهم منصب على حجم المكاسب التي يمكنهم
الحصول عليها، والوقت اللازم لذلك، ضاربين بالأخلاق والمعايير الدينية عرض الحائط،
من هنا يمكن تعريف الكسب السريع غير المشروع بأنه: تحقيق دخل بطرق غير أخلاقية أو
غير قانونية خلال فترة زمنية قصيرة، دون بذل جهد، أو تقديم منفعة حقيقية للمجتمع، وغالبًا
ما يعتمد هذا النوع من الكسب على استغلال الثغرات القانونية، غافلين عن قول النبي
صلى الله عليه وسلم: "اتَّقِ الله حيثما كنت، وأَتْبِعِ السَّيِّئَةَ الحسنةَ
تمحُها، وخالقِ الناسَ بخلقٍ حسنٍ".
ويمثل قياس التدفقات المالية الناتجة من الكسب السريع
غير المشروع تحديًا يصعب التغلب عليه نتيجة طبيعتها السرية، وصعوبة الحصول على
إحصائيات دقيقة عنها، وهذا ما دفع العديد من المنظمات مثل منظمة الأمم المتحدة
للتجارة والتنمية، ومكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة إلى تطوير مناهج
إحصائية لمساعدة الدول في تقدير التدفقات الناجمة عن هذا النوع من الكسب، وعليه؛
قدرت تجارة المواد المخدرة في إحدى البلاد بنسبة تتراوح ما بين 1.3 مليار إلى 1.7
مليار دولار سنويًا، وهو ما يمثل 4.5% من إجمالي صادرات السلع القانونية لهذه
الدولة !.
أمثلة على الكسب السريع غير المشروع
تعدد أنواع ومظاهر الكسب السريع غير المشروع، ومنها
المضاربة المالية كأن يشتري شخص أسهم أو سلع أو عملات وسرعان ما يبيعها لتحقيق كسب
سريع دون النظر إلى القيمة الحقيقية للأصل، ومنها القمار والمراهنات التي ظهرت
مؤخرًا في صورة ألعاب على الانترنت مثل لعبة الروليت (Roulette) والبلاك
جاك (Blackjack) وألعاب
ماكينات الحظ (Slots)، إضافة إلى
العديد من التطبيقات التي تتيح المراهنة على نتائج المباريات الرياضية مثل تطبيق Bet365 وتطبيق William
Hill إضافة إلى العديد من الألعاب
والتطبيقات الأخرى التي تنصب الفخ لأصحاب الاستهواء، والمنجذبين للعبارات البراقة،
والمهرولين وراء المكسب السريع.
ليس هذا فحسب.. بل الرشوة والفساد، والتلاعب بالأسواق، والنصب
الإلكتروني، والمشاريع الاحتيالية، وبيع الوهم، وعمليات السحب في المسابقات،
والتسويق الشبكي والهرمي، والاتجار غير المشروع، والعديد من الادعاءات التي تعمي
أبصار المندفعين، والمتسرعين، الذين يقعوا ضحايا لهذه المؤامرات.
ضحايا ينسجون حبال مشانقهم
في واقعة من بين آلاف وقائع الكسب السريع غير المشروع
نجد مجموعة من الضحايا ينسجون حبال مشانقهم بأيديهم، حيث التفوا حول رجل ذو منصب
وجاه، وطلبوا منه أن يستعير بعض أموالهم ويقوم بوضعها في أعماله مقابل نسبة متفق
عليها كل شهر، في البداية لبس هذا المجرم لباس العفة والورع، إلا أن الضحايا أسروا
على ذلك، فأخذ منهم المال وأعطاهم النسبة المتفق عليها، ليس هذا فحسب.. بل جعل هذه
النسبة تتضاعف مع الوقت دون طلب منهم، حتى ذاع صيته، واشتهر أمره بين الناس، فأصبح
القاصي والداني يضع بين يديه كل ما يملك من مال، بل وصل الأمر إلى أن باع بعض
الناس ممتلكاتهم وأعطوا ثمنها لهذا الصياد، ذلك بسبب انجرافهم وراء المكسب السريع،
فمن يعطيه عشرة آلاف يأخذهم بعد شهر واحد أضعاف مضاعفة !!
كسب سريع دون جهد ولا عناء، بلا كد ولا تعب، فدقوا طبال المحذور، ورقصوا على أنغامه، متناسين شريعتهم الإسلامية، ومبادئهم الأخلاقية، وقيمهم الدينية، ليجدوا الريح قد هبت لتجعل أموالهم سرابًا، فبعد أن قام هذا المجرم بجمع مليارات الأموال من الناس (فقير وغني، صغير وكبير، رجل وامرأة، غفير ووزير) غاب عن الأنظار، واختفى أثره، ولم يتبقى سوى صيحات الندم تتغلغل في قلوب الضحايا، فمنهم من مات بصدمته، ومنهم من نهش المرض جسده، ومنهم من أسدل ستاراه وأغلق بابه خشية ملاقاة الناس.. !
الأضرار الناتجة عن الكسب السريع غير المشروع
على خلاف ما يعتقد البعض، فإن الكسب السريع غير المشروع
يؤدي إلى العديد من الأضرار الجسيمة التي تطول الفرد والمجتمع، وإذا ما نظرنا نظرة
سريعة إلى هذه الأضرار لوجدنا تتمثل في:
·
الأضرار الدينية: وتشمل تدني المستوى الأخلاقي، وانتشار ثقافة النصب
والاحتيال بدلًا من الاجتهاد والعمل.
·
أضرار اقتصادية: وتشمل تقلبات الأسواق، الخسائر الناتجة عن فقد الأموال،
وغياب العدالة التجارية.
·
أضرار اجتماعية: وتشمل تفشي الجريمة والبطالة والعنف الناتج عن تعطيل العمل
القانوني، وزيادة الفجوة بين الطبقات.
·
أضرار نفسية: وتشمل إدمان المقامرة والرهان، والتوتر والقلق والإحباط، والعزلة وتفكك العلاقات
الأسرية.
·
أضرار قانونية: وتشمل العقوبات والغرامات القانونية كالسجن، إضافة إلى
الملاحقة القانونية.
موقف الإسلام من الكسب السريع غير المشروع
يقف الإسلام وقفة لا تهاون فيها أمام الكسب السريع غير
المشروع بكل أشكاله وألوانه، ويرفضه رفضًا قاطعًا لا جدال فيه ولا استثناء، ذلك
بسبب تعارضه مع مبادئ الشريعة الإسلامية، وما يترتب عليه من فساد وضرر، وجاءت
النصوص الشرعية واضحة وصريحة في تحريم الطرق غير المشروعة للكسب، الناجمة عن طمع
النفس البشرية كما في حديث النبي صلى الله عليه وسلم: " لوْ كانَ لاِبْنِ آدَمَ وادِيانِ مِن مالٍ لابْتَغَى
وادِيًا ثالِثًا، ولا يَمْلأُ جَوْفَ ابْنِ آدَمَ إلَّا التُّرابُ، ويَتُوبُ
اللَّهُ علَى مَن تابَ"، ومن الطرق غير المشروعة في الكسب التي حرمها الإسلام
ما يلي:
·
تحريم الربا، قال تعالى: "أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا
الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً".
·
تحريم الغش والتدليس، قال النبي ﷺ: "من غشنا فليس منا".
·
تحريم الرشوة، قال النبي ﷺ: "لعن الله الراشي والمرتشي".
·
تحريم أكل المال الحرام بكل أشكاله، قال النبي ﷺ: "أيما جسد نبت من
سحت فالنار أولى به"، وقال ﷺ: "إن الله طيب لا يقبل إلا طيبًا".
من هنا يتبين أن الإسلام حرم الكسب السريع غير المشروع
بكل أشكاله وصوره، لما له من أضرار جسيمة على الفرد والمجتمع، كما حثت الشريعة الإسلامية
على العمل، والجد، والاجتهاد، يقول النبي ﷺ: "ما أكل أحد طعامًا قط خيرًا من
أن يأكل من عمل يده"، ومن أقوال عمر بن الخطاب: " إني لأرى الرجل فيعجبني، فإذا قيل: لا حرفة له، سقط من
عيني" وقوله "لا يقعدن أحدكم عن طلب الرزق"، ومن أقوال عبدالله بن
مسعود رضي الله عنه: "إني لأكره أن أرى الرجل فارغًا، لا في عمل دنيا ولا في
عمل آخرة".
________________________