شبهات حول الاقتصاد الإسلامي (1)

                                                                                                                                            شبهة: الاقتصاد من علوم الدنيا والناس أعلم بأمور دنياهم


حديث واحد لا يبطل النصوص القرآنية والنبوية في البيع والشراء والمداينة والرهن والإجارة والشركة والوكالة والاحتكار والتسعير والربا

التجربة العملية لتطبيقات الاقتصاد الإسلامي منبعها كتاب الله وسنة رسوله  

الصحوة الإسلامية انتقلت به إلى الحقل الميداني بإنشاء مصارف وشركات وصناديق وبورصات إسلامية

 

"الاقتصاد الإسلامي" مصطلح نشأ في النصف الأخير من القرن الماضي، وإن كان مضمون هذا المصطلح وجد طريقه الواقعي عمليًا منذ عهد الرسالة.

وفي ظل الصحوة الإسلامية التي ابتكرت هذا المصطلح، فقد انتقلت به إلى الحقل الاقتصادي الميداني من خلال إنشاء مصارف وشركات تكافل وشركات تمويل وصناديق استثمار وبورصات إسلامية وغيرها. وجاء البدء بإنشاء المصارف الإسلامية لكي يكون خير رد على الذين جعلوا وجود اقتصاد إسلامي مستحيلًا قبل أن يولد في ثوبه المعاصر من خلال ترديدهم الدائم إنه "لا اقتصاد بغير بنوك ولا بنوك بغير فوائد".. وأبى الله إلا أن ينتكس ما يقولون.

تجربة بشرية

ومما لا شك فيه أن التجربة العملية لتطبيقات الاقتصاد الإسلامي هي تجربة منبعها كتاب الله وسنة رسوله، وهي تجربة بشرية مرتبطة بالسلوك البشري الذي يصيب ويخطئ دون أن يمس ذلك عصمة المنهج.. وفي ظل تلك التجربة برزت العديد من الشبهات التي يثيرها قائلوها إما بحسن نية أو بسوء نية، وهو ما يحفزنا على تناول تلك الشبهات في حلقات والرد عليها.

 ومن هذه الشبهات ما يثيره صنف من الناس، من اتخاذهم حديث النبي -صلى الله عليه وسلم: «أَنْتُمْ أَعْلَمُ بأَمْرِ دُنْيَاكُمْ» (صحيح مسلم)، مبررًا لفصل الاقتصاد عن الدين بسوء فهم وغياب بصيرة، أو كرهًا لشريعة الإسلام، وما أكثر صوت العلمانيين العرب الذين فتحت لهم أبواب الإعلام وصاروا يبرزون العداء للإسلام دون غيره من الديانات، وإن تسموا بأسمائنا وعاشوا بيننا.

رد على الشبهة

وحتى نرد على هذه الشبهة فإننا نبدأ بالتعريف عن الحديث نفسه والأسباب المتعلقة بمضمونه، فحديث «أنتم أعلم بأمر دنياكم» رواه مسلم وقد ورد في حديث أنس بن مالك، عن عائشة -رضى الله عنها: «أنَّ النبيَّ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ مَرَّ بقَوْمٍ يُلَقِّحُونَ، فَقالَ: لو لَمْ تَفْعَلُوا لَصَلُحَ. قالَ: فَخَرَجَ شِيصًا، فَمَرَّ بهِمْ فَقالَ: ما لِنَخْلِكُمْ؟ قالوا: قُلْتَ كَذَا وَكَذَا، قالَ: أَنْتُمْ أَعْلَمُ بأَمْرِ دُنْيَاكُمْ».. والشيص هو البسر الرديء الذي إذا يبس صار حشفًا.

ويوضح هذا الحديث رواية أخرى لمسلم عن طلحة بن عبيدالله، عن أبيه، قال: «مَرَرْتُ مع رَسولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ بقَوْمٍ علَى رُؤُوسِ النَّخْلِ، فَقالَ: ما يَصْنَعُ هَؤُلَاءِ؟ فَقالوا: يُلَقِّحُونَهُ، يَجْعَلُونَ الذَّكَرَ في الأُنْثَى فيَلْقَحُ، فَقالَ رَسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ: ما أَظُنُّ يُغْنِي ذلكَ شيئًا، قالَ: فَأُخْبِرُوا بذلكَ فَتَرَكُوهُ، فَأُخْبِرَ رَسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ بذلكَ، فَقالَ: إنْ كانَ يَنْفَعُهُمْ ذلكَ فَلْيَصْنَعُوهُ، فإنِّي إنَّما ظَنَنْتُ ظَنًّا، فلا تُؤَاخِذُونِي بالظَّنِّ، وَلَكِنْ إذَا حَدَّثْتُكُمْ عَنِ اللهِ شيئًا، فَخُذُوا به، فإنِّي لَنْ أَكْذِبَ علَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ».

أمر دنيوي بحت

ويتضح من ذلك أن أمر تأبير النخل هو رأي فني في أمر دنيوي بحت، وكله الشّرعُ إلى التجربة والخبرة، ولم يأت فيه أمرٌ أو نهيٌ، فالنبي -صلى الله عليه وسلم- لم يكن من أهل المعرفة بهذا الرأي الفني أو مارسه بنفسه، فقد نشأ بواد غير ذي زرع في مكة، ولم تكن دار نخل يومئذ، وإنما كان النخل فيما سواها من المدينة التي صار إليها -صلى الله عليه وسلم- وكان القول في الأمر الذي قال على الظن به. ولم يكن هذا القول خبرا بوحي، ورأيه صلى الله عليه وسلم في أمور المعايش وظنه كغيره، فلا يمتنع وقوع مثل هذا، ولا نقص في ذلك، فالخبر صدق قطعًا، وخطأ الظن ليس كذبًا، ومن ثم فإن ذلك لا يتعارض مع قوله تعالى: (وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى. إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى) (النجم: 3-4)، لأن ما أخبر به النبي -صلى الله عليه وسلم- صرح بأنه كان ظنا وتقديرا منه على حسب ما يعلمه من أمور الدنيا، فأي حديث بعده يرد من غير تصريح بكلمة الظن وما يدل عليها داخل في عموم الآية، ويجب التسليم به على أنه وحي وتشريع إلا لقرينة صارفة.

نصوص قرآنية ونبوية

كما أنه ليس من المنطق ألا نتجاوز حدود هذا الحديث الواحد، ونبطل به كل النصوص القرآنية والنبوية التي وردت في البيع والشراء والمداينة والرهن والإجارة والشركة والوكالة والاحتكار والتسعير والربا وغيرها، وحسبنا أن أطول آية في كتاب الله أنزلت في تنظيم شأن من شؤون الحياة الدنيا وهو المداينة (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ ...) (البقرة: 282)، ولا يعقل أن يقول الرسول صلى الله عليه وسلم حديثا كهذا ليهدم به ما بناه طوال ثلاثة وعشرين عاما بأحاديث وسنن بينات مفصلات. ومن أخطر ما يزيغ به قلب الإنسان أن يتبع نصا متشابها محتمل الدلالة، ليقضي به على نصوص محكمات قاطعات، والواجب يقتضي المنصف أن يرد المتشابه إلى المحكم، ليتضح الحق، وتستبين المحجة ناصعة بيضاء.

آليات النشاط الاقتصادي

إن السلوك الاقتصادي في الإسلام لا يمكن فصله عن الدين، فإذا كان الإسلام يقدر النواحي الفنية ويجعل لها موضعها المناسب لها باعتبارها من التفصيلات التي ترجع إلى الخبرة البشرية، لكنه في الوقت نفسه يضبط السلوك الاقتصادي بحدود الشريعة وقواعدها العامة التي تحكم الإنتاج والتوزيع والاستهلاك، ويكفي أن يعرف كل صاحب رأي عدل أن القرآن الكريم أشار إلى آليات النشاط الاقتصادي الثلاثة في مكة وقبل أن تقام الدولة في المدينة، وذلك في قوله تعالى: (هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ ۖ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ ) (الملك: 15)، ففي هذه الآية دعوة للسعي في مناكب الأرض، وتعبير عن الإنتاج بقوله تعالى: (فَامْشُوا)، وتعبير عن الاستهلاك؛ بقوله تعالى: (وَكُلُوا) وتعبير عن التوزيع بقوله تعالى: (رِّزْقِهِ)، ثم يربط هذه الآليات ودورة النشاط الاقتصادي بحركة الحياة اليومية واليوم الآخر فلم يقل: (وإليه المصير) بل قال: (وإليه النشور).

سلوك رباني

 وبذلك يكون السلوك الاقتصادي سلوكًا ربانيًا ينفذ عمليًا قوله تعالى: (قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) (الأنعام: 62)، ويتحرك في الكون على أنه سلوك تعبدي يتقرب به إلى الله تعالى في إطار حدود الاستخلاف الذي ينظر فيه الإنسان لملكيته للمال ملكية مجازية تنتهي بموته ويحاسب على ما عمله فيه، فيعمر به الأرض ويحيي به الحياة بميزان العدل والقسط.


الرئيسية

مرئيات

العدد

ملفات خاصة

مدونة