برامج الأطفال التلفزيونية وآثارها السلبية

لم يعد الأبناء في هذا العصر أمانة بين أيدي آبائهم وأمهاتهم ومعلميهم فقط، بل صاروا أمانة كذلك بين أيدي المسؤولين والمشرفين على برامج الأطفال التلفزيونية بحكم مكوثهم أوقاتًا طويلة أمام الصندوق العجيب يتأملون بعيونهم الصغيرة بشغف ما يعرض عليهم من مناظر ومشاهد لا شك أنها تنطبع في مخيلتهم وتؤثر على عقولهم وتحدد بدرجة لا يستهان بها ميولهم النفسية والاجتماعية ولا بد أن ينعكس ذلك على أخلاقهم وسلوكهم ومعتقداتهم الدينية ومن هنا ندرك كم هي عظيمة وثقيلة مسؤولية أولئك الذين يعدون برامج الأطفال التلفزيونية وأولئك الذين ينتقون ما يبثه التلفزيون لأطفال الكويت بصفة خاصة ولأطفال العرب والمسلمين بصفة عامة.

مشاهدة العنف في أفلام الكرتون تؤثر في نفسية الطفل تأثيرًا سلبيًا وتهدم ما يبنيه البيت وتؤصله المدرسة

فالطفل كما هو معلوم ليس له رقابة ذاتية من وعيه وإدراكه وشعوره لأنه في طور التكوين وسنه لا تسمح له -إلا في حدود- بالتمييز بين الغث والسمين والطيب والرديء والجميل والقبيح يضاف إلى ذلك أن مؤثرات الصوت والصورة والحركة وتقنيات الإخراج المدهشة تشد الطفل أيما شد وتنقله إلى عالم ما يشاهده فنراه مسمّرًا أمام الشاشة الصغيرة يتابع الأحداث بكل انتباه واهتمام يتقطع نفسه إذا ما تأزم الموقف ثم تنطلق صيحاته وتتحرك يداه بعنف وعفوية عند أي موقف مثير ناسيًا ما حوله ومن حوله.. ولكن للأسف الشديد نجد أن ما يتوفر للتلفزيون من إمكانات شد انتباه الطفل وجذبه لم يوظف على الوجه الأكمل، ولم يستغل أحسن استغلال لتربية الطفل تربية حسنة وتهذيبه وتثقيفه والسمو به عقليًا ونفسيًا وأخلاقيًا وعلميًا ودينيًا، بل في أحيان كثيرة كانت بعض برامج الأطفال عوامل هدم لما يبنيه المعلمون في المدارس والآباء والأمهات في البيوت.

أصل الداء.. شحة الإنتاج المحلي والعربي

يشكو تلفزيون الكويت شأنه في ذلك شأن التلفزيونات العربية من قلة الإنتاج التلفزيوني المخصص للأطفال وخاصة أفلام الكرتون، حيث إن ما يشاهده أبناؤنا من هذه الأفلام ما يدبلج فيصبح ناطقًا بالعربية حتى يكون في متناول فهم الطفل، ومنها ما يعرض ناطقًا بلغته الأجنبية الأصلية مع ترجمة مكتوبة في أسفل المشاهد، ومهما تكن مآخذنا على هذه الأفلام فإن أصل المشكلة هو عدم وجود مادة عربية وإنتاج عربي صرف لتعويضها، ولا يبقى في أيدي المشرفين على برامج التلفزيون سوى عملية الانتقاء والاختيار إذا كان هناك مجال للاختيار.

البرامج الكويتية الصرفة

يعرض تلفزيون الكويت برامج منوعة محلية للصغار مثل «مجلة الأطفال» و«ماما أنيسة» و«الفنان الصغير» الذي يهدف إلى تعليم الطفل فن الرسم وصقل موهبته في هذا المجال «وتم تك» الذي يقوم أساسًا على الموسيقى والأغاني والأناشيد، وكل هذه البرامج وإن كانت تجمع بين التسلية والتثقيف والتعليم والإفادة، وتحاول قدر الإمكان دخول عالم الطفل ومعايشته إلا أن بعض فقراتها وطرق تقديمها بحاجة إلى إعادة نظر، وإلى تغيير وتطوير، وما كان مقبولًا منذ عشر سنوات ربما لم يعد كذلك اليوم ويحسن أن يشترك في عملية التطوير هذه جنبًا إلى جنب مع المذيعين التلفزيونيين والمخرجين علماء نفس الطفل ومتخصصون في مجال علم الاجتماع ومتخصصون آخرون في مجال التوجيه الشرعي، وفي مجال تربية الطفل وتعليمه حتى لا يكون التطوير في الشكل دون المضمون.

البرامج الأجنبية.. بطولات خرافية وعنف

تتمثل هذه البرامج عمومًا في أفلام الكرتون سواء كانت قصصًا أو مسلسلات مثل «توم أند جيري» و«بوباي» و«الرجل الحديدي» و«جنفر البطل الجبار» والملاحظ أن هذه الأفلام كانت تعرض في دورات ماضية يوميًا، في حين أن برامج الأطفال المحلية هي الأفضل لا تعرض إلا مرة في الأسبوع وبطبيعة الحال بقدر ما يزيد الكم يزيد التأثير سيما إذا علمنا أن أطفالنا منبهرون بأفلام الكرتون انبهارًا شديدًا، وأن لهذه الأفلام شعبيتها عندهم رغم أنها تعود عليهم في أحيان كثيرة بالسوء والضرر.

أفلام البطولات الخرافية والصراع والاقتتال تتنافى وقيم المحبة والألفة

لقد كثر الكلام عن سلبيات أفلام الكرتون المستوردة وصار الآباء يتذمرون من سلوك أبنائهم الذين يقلدون شخصيات الفيلم الخارقة للعادة في أجواء بعيدة كل البعد عن واقع الطفل ومجتمعه وثقافته يقلدون تلك الشخصيات في لهجتها وحركاتها وتصرفها ويرددون مقاطع من أقوالها «مثل اضرب كافح لا تخش أحدًا.. هيا أمض تقدم أبدأ» وترى بعض الأطفال الذين لا تتجاوز أعمارهم الأربع سنوات يقولون: أنا جنفر أنا البطل الجبار ثم يقفز الواحد منهم على أخيه أو أخته الصغيرة ليطرحها أرضًا، بل تعدى الأمر ذلك ووقعت بعض الحوادث التي كانت قد أوردتها الصحف في وقتها، بسبب تقليد الصبيان لما يشاهدونه من عنف على الشاشة الصغيرة وإذا لم تعمل دراسات أو إحصائيات لقياس أثر العنف التلفزيوني على سلوك النشء فإن الدراسات الغربية والأمريكية تؤكد في شبه إجماع أن مشاهد العنف هذه تنمي في الأطفال النزعة العدوانية وتقويها وبخاصة عند الأطفال العدوانيين بطبيعتهم، وقد وجد العالم النفساني في جامعة ستانفور «البرت بندورا» أن للعنف في الرسوم المتحركة التأثير نفسه الذي للممثلين الحقيقيين في السلوك العدائي بين اليافعين.

هل لأفلام الكرتون المستوردة قيمة تربوية؟!

لا يمكن الحكم على كل أفلام الكرتون بأنها تخلو من قيمة تربوية لكن لأفلام البطولات الخرافية الخارقة كما في الرجل الحديدي والتي صنعت من منظور رأسمالي يمجد الفردية ويمجد القوة الذاتية والاعتماد عليها فلا تظهر من خلاله إلا علاقات الصراع والاقتتال والتحسب من الأعداء المتربصين، وهذا يتنافى مع مبادئنا وقيمنا السامية مثل الدعوة إلى التعاون والتكاتف والتآزر، ومثل قيم المحبة والألفة والصداقة والإغاثة وما إلى ذلك من المبادئ التي يدعو إليها ديننا الحنيف، ليكون المجتمع الإسلامي مجتمعًا فاضلًا تمتحي فيه نوازع الأنانية وحب الذات، وقد أظهرت دراسة قام بها العالم النفساني البريطاني «وليام يلسون» أن مشاهد العنف التلفزيونية لم تبدل نظرة الأولاد إلى العنف فقط، بل إنها تقوض الحصافة التي زرعتها العائلة أو المدرسة في نفوسهم، وإذا كان هذا ما يقوله علماء الغرب عن ناشئتهم فما بالك بناشئتنا التي لا تمت إليها الأفلام المعروضة عليها بصلة.

تدخل الآباء والأمهات وإقفال التلفزيون أمر ضروري حماية لأولادنا من أخطار البرامج السيئة

الفيديو يزيد الطين بلة

يعمد بعض الأولياء والأمهات بالخصوص لتلهية أبنائهم إلى شراء أشرطة فيديو وعرضها عليهم وغالبًا ما لا تتناسب هذه الأشرطة مع عقلية الطفل ومستواه الذهني فتتضاعف المصيبة بازدياد الكم المستهلك ويشتد البلاء في غيبة من دراية الآباء والأمهات الذين كان عليهم على الأقل مشاهدة الأشرطة التي يشترونها لأطفالهم قبل عرضها عليهم ولا بد أن نورد هنا نصيحة الكاتبة «آن لندرز» حيث تقول: «كونوا حازمين أنكم لا تسمحون لأولادكم بأن يأكلوا القمامة فلماذا تتيحون لهم أن يدخلوها رؤوسهم؟».

علينا إذن أن نتخير لأولادنا البرامج التي يشاهدونها بحيث تنمي تلك البرامج ذكاءهم وخيالهم وتزيد معلوماتهم وتعلمهم ثقافيًا ودينيًا بمجتمعهم وعلينا ألا نتردد في قفل التلفزيون أو تغيير القناة إذا دعت الحاجة وعلينا أن نتدخل بالتعليق على بعض المناظر وأن نحاور أبناءنا بشأنها حتى ننقذهم من المرامي الخبيثة والمقصورة أحيانًا لتدمير نفوسهم وإذلالها لأنه ليس بيدنا كأولياء أمور غير ذلك(1).

للمزيد: 

- العنف الأسري.. هل ترضاه المرأة أم تضطر للصبر عليه؟ 

- العنف الأسري في الكويت - بين واقع الظاهرة ورادع القانون 

- مساعي تفكيك الأسرة المصرية تتزايد وسط تحذيرات من مختصين 

- مقاربة النموذج الكويتي والأردني لحماية المرأة من العنف الإلكتروني 

- قراءة في الإنجازات التشريعية لحماية المرأة في الكويت 



_______________

(1) نُشر بالعدد(799)، 5 جمادى الأولى 1407هـ/ 6 يناير1987م، ص10.  

الرابط المختصر :

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة