بلاغة الإنفاق في القرآن.. حبة تضاعف الأجر وتبدد الخوف
تكشف بلاغة
الإنفاق في القرآن عن طريقته في مخاطبة النفس حين تخشى أن ينقص مالها بالعطاء؛ فلا
يواجه هذا الخوف بوعدٍ مجرد، بل يضع أمامها حبّةً تنبت سبع سنابل، في كل سنبلة مئة
حبّة. ومن هذا المشهد الحيّ تنشأ رؤية مختلفة للمال: ما يُبذل في سبيل الله لا
يضيع، بل ينمو أجره، وتبقى ثمرته رهينة بإخلاص المنفق وصون عطائه من المنّ والأذى.
فالإنسان
بطبيعته يخشى المستقبل وتقلبات الزمن، ويعتبر أن توفير المال وادّخاره هو الأمان
مما قد يحدث له في المستقبل، فهو يخشى أن ينقص ما في يده، ويزداد تعلقه بما يملك،
ولسان حاله يقول: لن أنفق من هذا المال شيئا حتى لا ينقص، وهنا تأتي التطمينات
الإلهية في صورة ضرب الأمثال، وهو أسلوب يُظهر المعنى المجرد بمظهر الواقع محسوس،
بحيث يكون أقرب إلى فهم المتلقي، وأوضح في بيان المقصود لتخالف هذه المفاهيم
وتناقضها، وتطرح مفهومًا مختلفًا للزيادة والإنماء؛ في صورة قرآنية رائعة متمثلة في قوله تعالى: (مَّثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي
سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ
مِّائَةُ حَبَّةٍ ۗ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاءُ ۗ وَاللَّهُ وَاسِعٌ
عَلِيمٌ (261) الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَا
يُتْبِعُونَ مَا أَنفَقُوا مَنًّا وَلَا أَذًى ۙ لَّهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ
رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ) (البقرة).
إن بلاغة
الإنفاق في القرآن تعالج خوف الإنسان من إنفاق المال وتردده في ذلك، وهذه المعالجة
تتم برسم صورة حسية ذهنية متجسدة تتعلق بالإنبات والنمو والمضاعفة فهي تجمع بين
الإقناع العقلي، والتأثير النفسي والتصوير الحسي.
المفردات القرآنية وبلاغة النماء
يظهر التحليل
اللغوي لمفردات الآيتين الكريمتين بعض مظاهر البلاغة القرآنية في الحث على الإنفاق
والتشجيع عليه:
(مثَل ٱلَّذِينَ):
المثل النظير والشبيه، وهي كلمة تطلق لتشبيه صورة بصورة أخرى وتقريبها لذهن السامع
حيث ينقل المعنى من الفكرة الذهنية المجردة إلى مشهد حسي متحرك ومؤثر.
(يُنفِقُونَ):
عبّر بالفعل المضارع ليفيد التجدد والاستمرار، أي أنه ليس فعلا عابرا بل هذه
عادتهم المستمرة.
أَمۡوَٰلَهُم:
جاءت جمعا لتشمل جميع الأموال قليلة أو كثيرة، نقدية أو عينية. وإضافة الكلمة إلى
الضمير "هم" تشعر السامع بتعلق النفس بمالها؛ أي أن الأمر صعب، وهو ما
يعظم قيمة التضحية به.
(حَبَّةٍ): جاءت
نكرة للتقليل؛ لتبين أن الصدقة ولو كانت يسيرة جداً كالحبة الواحدة، فإنها تتضاعف
وتنمو عند الله.
(أَنۢبَتَتۡ):
عبر بالماضي ليدل على تحقق الوقوع؛ فنمو الحبة أمر واقع حتمي لا شك فيه.
يُضَاعِفُ: جاء
بصيغة المضارع ليدل على أن هذه الزيادة الربانية مستمرة ومفتوحة تتجاوز السبعمائة
ضعف إلى ما شاء الله، وليست حسابية جامدة.
(وَاسِعٌ): اسم
فاعل، وهو من أسماء الله الحسني تدل على الغنى المطلق والعطاء المنقطع النظير.
(عَلِيمٌ): صيغة
مبالغة على وزن فعيل أي أنه سبحانه على علم تام بنية المنفق
(ثُمَّ لَا
يُتْبِعُونَ): "ثم" تفيد التراخي الزمني؛ والمعنى أن المنفقين يحافظون
على الصدقة بعدم إتباعها بالمن والأذى على طول المدى، وهي مرتبة أعلى وأشق على
النفس من مجرد الإنفاق الأول؛ وهو ما يعني أن المنفق يجب أن يظل مستمراً على طهارة
قلبه طوال حياته، فلا يَمُنّ ولا يؤذي حتى بعد مرور الوقت طويل.
(مَنّٗا وَلَآ
أَذٗى): نُكّرت الكلمتان لإفادة العموم ولتشملا أي نوع من أنواع المنّ أو الأذى
سواء كان بالقول أم الإشارة، والعطف بالواو يفيد المغايرة بين المن والأذى؛ فالمنّ
خاص بالأفعال المعنوية القائمة على التعالي لاستعظام العمل الذي يقوم به، بينما
الأذى عام يشمل كل تصرف يكسر قلب الفقير.
وهنا تجدر
الإجابة على نكتة لطيفة: لماذا بدأ بالمنّ أولا؟ لأن المنّ هو السبب والدافع
للأذى، فالمنفق إذا استعظم نفقته رأى أن المحتاج مدين له، فإذا لم يجد منه التبجيل
والاعتراف بالفضل، تحول إلى الإهانة والأذى، وهذا من مظاهر بلاغة الإنفاق في
القرآن.
(وَلَا خَوۡفٌ
عَلَيۡهِمۡ وَلَا هُمۡ يَحۡزَنُونَ): تكرار (لا) النافية مع الجمل الاسمية يفيد
الثبوت والدوام؛ وهو ما يحقق للمنفق الأمن النفسي الكامل والمطلق فلا يندم على ما
أنفق في الماضي ولا يخشى الفقر فيما هو قادم.
بلاغة الإنفاق في القرآن وتجسيد المعنى
تحفل الآيتان
الكريمتان بالأوجه البلاغية التي تجسد المعنى وتقدمه في صورة محسوسة تمثل قمة
بلاغة الإنفاق في القرآن؛ مثل:
1- الإيجاز
والتقدير البلاغي مع التشبيه التمثيلي: في قوله تعالى (مَّثَلُ ٱلَّذِينَ
يُنفِقُونَ) فيها تشبيه مع الإيجاز البليغ بالحذف؛ لأن المقصود "مثل نفقة
الذين ينفقون كمثل باذر حبة"، وهذا الحذف له غرض بلاغي وهو ربط المنفِق
بنفقته مباشرة دون فاصل، مع استعمال التشبيه التمثيلي الذي يمثل صورة الإنفاق
بصورة الزرع الذي يعطي أضعاف ما يأخذه ويهب غلاته مضاعفة بالقياس إلى بذوره،
والغرض من التشبيه إخراج الشيء الكثير من الشيء القليل، وبيان النماء العظيم
والتضاعف.
2- التخصيص
والتقييد بـ(ِفي سَبِيلِ ٱللَّهِ) حيث تكررت في الآيتين لتأكيد القصر والتقييد؛
فمضاعفة الأجر مشروطة بأن يكون العمل خالصا لوجه الله، خاليا من المنّ والأذى.
3- التفصيل الذي
يثير الخيال ويجسّد الكثرة وينتقل بالسامع من الحساب المجرد إلى الرؤية البصرية
للمضاعفة والنماء في (حَبَّةٍ أَنۢبَتَتۡ سَبۡعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنۢبُلَةٖ
مِّاْئَةُ حَبَّةٖۗ) والفعل (أنبتت) يحمل معنى الحركة والحياة والنمو؛ وهو ما يجعل
ثمرة الإنفاق ماثلة أمام عيني الناظر؛ فكل نفقة في سبيل الله يعادلها الله أضعافاً
كثيرة.
هنا قد يفكر
البعض في سؤال: كيف للسنبلة أن تحمل هذا العدد من الحَبِّ؟
إذا علمنا أن
الله هو المنبت، وأنه (إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون) (يس:82)، والحبة في
حقيقة أمرها سبب، أُسند إليها الإنبات، كما أُسند إلى الأرض والماء، والله سبحانه
هو المنبت الحقيقي؛ فلا غرابة أن يضاعف سبحانه نتاج الحبة، وقد وعد أن يخلف على
المنفق فقال: (وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ).
وهنا لطيفة
رقيقة بذكرها يزداد المعنى جمالا هل يقف العدد عند السبعمائة؟ بالطبع لا لأن
السبعمائة ليست سقفًا لفضل الله، فالآية ذكرت مثالًا للمضاعفة، ثم تركت مقدار
الزيادة إلى مشيئة الله، وفضل الله ليس محصورًا في رقم، فإن الذي يعطيك واسع،
والذي يحصي عملك عليم، وهذا يكسر الوهم الذي قد يجعل الإنسان يتردد في الإنفاق
خوفًا من النقص فالآية تقول لا تقلق من حساب ما عند الله.
4- الاهتمام
والاختصاص والتشريف والتعظيم في: (لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ) حيث قدم
شبه الجملة (لهم) والظرف (عند) لبيان مكانة هذا الأجر وعلو شأنه؛ فالأجر إذا كان
من غني كريم عظيم، يكون عظيماً.
5- اللطف والقرب
في إضافة (الرب) إلى الضمير (هم) في "ربهم" كأن الله يتولاهم برعايته
الخاصة لأنهم امتثلوا لأمره.
6- تقديم نفي
الخوف على نفي الحزن: في قوله تعالى: (وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ
يَحْزَنُونَ) فيه ملمح مهم وهو أن الإنسان بطبيعته يخاف من المستقبل، ولأنه أولى
بالرعاية من الحزن على ما مضى، وهو ما يضمن للمنفق الطمأنينة التامة في الدارين.
إن بلاغة
الإنفاق في القرآن تحث على عموم الإنفاق في كل ما هو طاعة، وعائد نفعه على
المسلمين، وهو أيضا يضع العلاج والدواء الشافي لشح النفوس وطمعها في حب المال
ورغبة التقتير، والقرآن حين يحث على الإنفاق لا يبني مجتمعًا يعتمد على الإحسان
العابر؛ بل يبني ثقافة التكافل والمسؤولية الاجتماعية؛ ما يجعل هذا الإنفاق عنصراً
فاعلاً في بناء الأمة اقتصادياً، وتماسكها اجتماعيًا، ووحدتها عقدياً.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً