بوابات القلوب.. حُسن الاستقبال والتوديع
عبرنا في المقال
السابق واحة الفرح والمرح، وتلمسنا كيف تذيب الابتسامة جفاف الأيام، وفي هذا
المقال نأتي لنقف عند بوابات البيت؛ تلك المساحة الزمنية والمكانية الصغيرة التي
لا تتعدى دقائق معدودات، لكنها تمتلك تأثيراً سحرياً على هندسة العلاقة الزوجية
بأكملها.
هي مهارة سلوكية
فائقة الأهمية؛ حُسن الاستقبال والتوديع؛ لنتعلم كيف نجعل من عتبة الدار منطلقاً
للشوق، وملاذاً من التعب والهموم،
الدقائق الخمس الأولى.. ترمومتر اليوم الزوجي
أثبتت الدراسات
النفسية والاجتماعية أن الدقائق الخمس الأولى من اللقاء بعد غياب اليوم؛ سواء كان
غياب عمل أو سفر، هي التي تصبغ جو البيت طوال الساعات التالية، فإذا كان اللقاء
بارداً، أو مليئاً بالشكوى والطلبات الفورية، انقبضت النفوس وحل الجفاء، وإذا كان
اللقاء حارًّا ومفعماً بالبشر، انشرحت الصدور وتلاشت هموم الخارج.
إنّ التوديع
اللطيف في الصباح يترك شحنة إيجابية ترافق الشريك في عمله، والاستقبال الحفي في
المساء يجعله ينسى كدحه وعرقه في سبيل كسب الرزق، إنها لغة الجسد والعين والكلمة
التي تقول: الحمد لله على سلامة عودتك، لقد كان البيت مظلماً حتى جئت.
عبير التاريخ.. السيدة خديجة ونموذج الاستقبال الفريد
حين نبحث في
ثنايا السيرة المطهرة، نجد نموذجاً مبهراً ترويه جارية أبي طالب عن طهارة وجمال
الاستقبال في بيت السيدة خديجة رضي الله عنها حتى قبل بعثة النبي صلى الله عليه
وسلم؛ فكانت رضي الله عنها إذا أحست بقدوم زوجها محمد صلى الله عليه وسلم لا تنتظر
في مخدعها؛ بل كانت تسارع وتستقبله على باب الدار بكامل زينتها وبشاشتها، وتأخذ
بيده الشـريفة وتضعها على صدرها كأنها تضم قلبه وتواسي تعبه، وتقول له بلسان يقطر
حبًّا: «أهلاً بحبيبي محمد»!
هذا الاستقبال
الواعي الحاني هو الذي بنى رصيداً ضخماً من الوفاء في قلب النبي صلى الله عليه
وسلم، فكانت ملاذه حين نزل عليه الوحي خائفاً، فقالت كلمتها الخالدة: «كلا والله
لا يخزيك الله أبداً»، إن الاستقبال الحارّ هو الذي يصنع الحصانة النفسية لقلب
الرجل ضد فتن الخارج.
خطوات عملية لبوابات زوجية مشدودة بالحب
1- عند الخروج
(التوديع): لا يخرج الزوج والزوجة نائمة أو مشغولة، بل يودعها بابتسامة، ودعاء
بالتوفيق، وقُبلة على الجبين، والزوجة تودعه بكلمات تدعو له فيها بالرزق الحلال
والسلامة.
2- عند الدخول
(الاستقبال): يُستحب للزوج أن يبدأ بالسواك كما كان يفعل النبي صلى الله عليه وسلم
ليكون طيب الرائحة، وأن يلقي السلام ببشاشة، وعلى الزوجة أن تترك ما في يدها
للحظات، لتقابله بوجه ضاحك، وكلمة طيبة، وتأجيل أي نقاش في المشكلات أو الطلبات
حتى يستريح تماماً.
اجعلوا من أبواب
بيوتكم محطات لتجديد العهد، واغسلوا وعثاء الطريق بلطف اللقاء وعذوبة الوداع،
ولكن، لكي يكون هذا الاستقبال حقيقياً نابعاً من أعماق القلب، ولكيلا يتحول إلى
تمثيل باهت، فإنه يحتاج إلى ركيزة نفسية داخلية عميقة؛ يحتاج إلى خُلق يكسـر
كبرياء النفس، ويجعل الإنسان يرى نفسه خادماً لشريكه ومحباً له بلا تعالٍ أو
غطرسة؛ خلق يذيب الفوارق ويجعل التعامل في غاية السلاسة واليسر.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً