بين رجل في الدولة ورجل دولة

صورة مائية لرجلين، مكتوب فيها رجل دولة ورجل في الدولة

في هذا المقال، نعالج ظاهرة مستشرية في كثير من الأقطار، وبنسب متفاوتة، ولكنها أصبحت كأنها الأصل، والواقع المفروض، ولقد كانت تتردد على مسامعنا من صغرنا إلى يومنا هذا عبارة رنانة، وشعار أخاذ: «الرجل المناسب في المكان المناسب»، فما أجملها من عبارة، لو وجدت لها أهل الجسارة، حتى نتجنب الخسارة، في الدنيا والآخرة.

بين رجل في الدولة ورجل دولة

وهنا نستحضر بعض المشاهد الحية والواقعية، ونسوقها في عبارات مركزة ومعبرة، تصلح كل واحدة منها أن تكون نصاً ودرساً.

رجل في الدولة!

ولنبدأ بـ«رجل في الدولة»، كما هو طموح كثير من المتسلقين، على ظهور الشرفاء.

فعن معقل بن يسار، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما مِنْ عبدٍ يسترْعيه اللهُ رعيَّةً، يموتُ يومَ يموتُ، وهوَ غاشٌّ لرعِيَّتِهِ، إلَّا حرّمَ اللهُ عليْهِ الجنَّةَ» (رواه البخاري، ومسلم).

ومن سيمات هذه النماذج الفاشلة ما يلي:

أولاً: الشهادة الورقية، التي يحفظ بها وجه المنصب حتى ولو كان صاحبها فارغاً.

فهناك من يغطون عوراتهم العقلية، بخرق علمية، هي بمثابة شهادة زور؛ فعن أمنا عائشة رضي الله عنها، أنَّ امرأةً جاءَتِ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فقالت: يا رَسولَ اللهِ، إنَّ لي زَوجًا، ولي ضَرَّةٌ، وإنِّي أتشَبَّعُ مِن زَوجي، أقولُ: أعطاني كذا، وكساني كذا، وهو كَذِبٌ؟ فقال رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: «المُتَشبِّعُ بما لم يُعطَ، كَلابِسِ ثَوبَيْ زُورٍ» (رواه مسلم).

ثانياً: من يعتقد ولا ينتقد، ويكثر من التبرير لأصحاب التقصير.

ثالثاً: من يصفق ويكبر، لكل سعلة أو عطاس، ودون استغراب، أو تردد.

رابعاً: من يكثر الشكر وإن لم يفهم، ويتبع ذلك ابتسامة عريضة ولو بتكلف.

خامساً: من يتوقع نية المسؤول وإن لم تدر بخلد مسؤوله.

سادساً: من يثمن أعمال المسؤول وإن كانت فاشلة، بل وإن لم تنجز بعد.

سابعاً: من يقوم بأعمال مسؤوله وإن كانت في مقدوره، فراحته هي الأهم عنده.

ثامناً: من يجعل سيده دائماً في حاجة إليه، ولو في التفاهات، بعدما ديست الكرامات.

تاسعاً: من يتمسْكن حتى يتمكّن، ويقبل الشتم والذل فهو مصعد الارتقاء؛ قال ابن عطاء الله في «حكمه»: «ما بسقت أغصان ذل إلا على بذر الطمع».

عاشراً: من يتنازل عن كبريائه، ويسلم الأمر لصاحب الأمر -البشري- وكأنك جاهل، وإياه ورفع صوته، إلا مدحاً.

رجل الدولة

هم ملح الأمة، وهم سر بقاء الدولة، وهم حراس الأمانة، وهم أصحاب التعمير والتطوير، والمستقبل والأمل.

فعن عُبَيدَ اللهِ بنَ زيادٍ دَخَلَ على مَعقِلِ بنِ يَسارٍ في مَرَضِه، فقال له مَعقِلٌ: إنِّي مُحَدِّثُكَ بحَديثٍ لَولا أنِّي في المَوتِ لم أُحَدِّثْكَ به، سَمِعتُ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يقولُ: «ما مِن أميرٍ يَلي أمرَ المُسلِمينَ، ثُمَّ لا يَجهَدُ لهم ويَنصَحُ، إلَّا لم يَدخُلْ معهُمُ الجَنَّةَ» (رواه البخاري، ومسلم).

ومن سمات رجل الدولة ما يلي:

أولاً: من يقرب الكفاءات قبل الولايات والولاءات.

ثانياً: من يعتبر بالإنجاز، ولا يدعي الإعجاز من أجل الابتزاز.

ثالثاً: من عنده الشعور بالمسؤولية ولو من دون رقابة أرضية.

رابعاً: من يبادر ولا يغادر، بالإبداع في التخصص، والمبالغة في التجسس على مصادر المعرفة، لكسر الروتين وخدمة الصالح العام.

خامساً: من له تشوف لتطوير العمل وإن لم يطلب منه، وكأنه رزقه وهو الحارس عليه.

سادساً: عند من يرى وظيفته، هي سر سعادته، ونجاح فكرته هو قوة إيمانه بها.

سابعاً: هو من تجده عند الفزع والمواقف، ولا ينتظر الشكر من أحد.

ثامناً: من يحسن التحفظ، عندما تأخذه شهوة التلفظ، ويدرك خطر الكلمة، ولو كانت مزاحاً.

تاسعاً: من يحفظ الأسرار، ويصحح المسار، ويلتمس الأعذار لذوي الأقدار، في غير دنية ولا استصغار، ولا يشمت بنا الأعداء في ميدان الفداء.

عاشراً: من يجعل من دينه رقيباً، ومن وطنه شرفاً، ولا يتولى يوم الزحف.

عن عبدالله بن عمر رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كلُّكم راعٍ وكلُّكم مسؤولٌ عن رعيتِهِ فالأميرُ الذي على الناسِ راعٍ عليهم وهو مسؤولٌ عنهم والرجلُ راعٍ على أهلِ بيتِهِ وهو مسؤولٌ عنهم والمرأةُ راعيةٌ على بيتِ بعلها وولدِهِ وهي مسؤولةٌ عنهم وعبدُ الرجلِ راعٍ على بيتِ سيدِهِ وهو مسؤولٌ عنهُ ألا فكلُّكم راعٍ وكلُّكم مسؤولٌ عن رعيتِهِ» (رواه البخاري، ومسلم).

صيحة تحذير من البشير النذير!

عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا ضُيِّعَتِ الأمانةُ فانتَظِرِ السَّاعةَ»، قال: كيفَ إضاعَتُها يا رَسولَ اللهِ؟ قال: «إذا أُسنِدَ الأمرُ إلى غيرِ أهلِه فانتَظِرِ السَّاعةَ» (رواه البخاري).

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة