تغيُّر المعنى بتغيُّر الحركة الإعرابية
تناولنا في
الحلقتين السابقتين تغير المعنى لتغير الحرف، أو لتغير الحركة داخل الكلمة،
وسنتناول في هذه الحلقة كيف يتغير المعنى لتغير الحركة الأخيرة؛ أي الحركة
الإعرابية.
إن تغير المعنى
لتغير الحركة لا يقتصر على الحركة الصرفية؛ أعني تغير حركة في مبنى الكلمة كالذي
تقدم، بل يشمل تغير الحركة الإعرابية، وهي أشد تأثيرًا في تغير المعنى؛ لأن حركات
الإعراب دوالّ على وظائف الكلمات في سياق الجملة، وتغير الحركة الإعرابية يؤدي إلى
تغير وظيفة الكلمة ومن ثم يؤثر في معناها.
فتحة تنقذ قائلها من العقاب
ولعل هذا الخبر
الذي ترويه كتب الأدب يدلُّ أبلغَ الدلالة على ما نحن فيه:
قِيْلَ: حَضَرَ
عِتْبَانُ الحَرُورِيُّ عِنْدَ عَبْدِ المَلِكِ بنِ مَرْوَانَ، فَقَالَ: أَنْتَ
القَائِلُ:
فَإِنْ يَكُ
مِنْكُم كَانَ مَرْوَانُ وَابْنُهُ ... وَعَمْرٌو وَمِنْكُمْ هَاشِمٌ وَحَبِيْبُ
فَمِنَّا حُصَيْنٌ وَالبَطِيْنُ وَقَعْنَبٌ ... وَمِنَّا أَمِيْرُ المُؤْمِنِيْنَ شَبِيْبُ؟
فَقَالَ:
إِنَّمَا قُلْتُ: (وَمِنَّا أَمِيْرَ المُؤْمِنِيْنَ شَبِيْبُ) عَلَى النِّدَاءِ،
فَأَعْجَبَهُ، وَأَطْلَقَهُ(1).
فقد جعل الضمةَ
فتحةً فنجا، لأن معنى الكلام تغير، وصار قوله: (أميرَ المؤمنين) نداءً معترضًا بين
المبتدأ والخبر، بتقدير أداة نداء محذوفة، والتقدير: وَمِنَّا -يا أَمِيْرَ
المُؤْمِنِيْنَ- شَبِيْبُ.
أما رواية الضم
أي: (أَمِيْرُ المُؤْمِنِيْنَ) فتعني أنه خرج عن الطاعة وفارق الجماعة، لأنه جعل
شبيبًا أميرًا للمؤمنين لا عبد الملك!
وفيما يأتي بعض
الأمثلة القرآنية على تغير المعنى لتغير الحركة الإعرابية.
تغير المعنى بين «سلامٌ» و«سلامًا»
من أمثلة اختلاف
المعنى لاختلاف الحركة الإعرابية، قوله تعالى: (هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ
الْمُكْرَمِينَ {24} إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلَاماً قَالَ سَلَامٌ
قَوْمٌ مُّنكَرُونَ) (الذاريات).
يلاحظ القارئ أن
سلام الضيوف جاء بالنصب: (فَقَالُوا سَلامًا) أما ردُّه فكان بالرفع: (قَالَ
سَلَامٌ).
فعلامَ نصب
الأول؟ وعلام رفع الآخر؟
إن نصب الأول
على المصدر، أي المفعول المطلق، والتقدير: نسلم سلامًا، فهي جملة فعلية.
والرفع في
الثاني على الابتداء، والتقدير: سلامٌ عليكم؛ فهي جملة اسمية.
والجملة الاسمية
-عند علماء النحو- أوكد وأثبت من الجملة الفعلية، لذا كان سلامه وكانت تحيته أحسن
من تحيتهم، وفاقًا لقوله تعالى: (وَإِذَا
حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا) (النساء: 86).
قال ابن القيم:
"والسلام بالرفع أكمل فإنه يدل على الجملة الاسمية الدالة على الثبوت،
والمنصوب يدل على الفعلية الدالة على الحدوث والتجدد، فإبراهيم حياهم بتحية أحسن
من تحيتهم، فإن قولهم: (سلامًا) يدل على سلَّمْنا سلاما، وقوله: (سلامٌ) أي سلامٌ
عليكم"(2).
بين «أساطيرُ» و«خيرًا».. إنكارٌ وإقرار
في سورة النحل
آيتان ذواتا سياقٍ متشابه، وفيهما كلمتان وقعتا بعد فعل قالوا، بيد أن حركة
الإعراب فيهما مختلفة؛ فالأولى مرفوعة والأخرى منصوبة، وقد وردتا في صفحتين
متتابعتين، من هذه السورة.
فالأولى في قوله
تعالى: (إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَالَّذِينَ لاَ
يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ قُلُوبُهُم مُّنكِرَةٌ وَهُم مُّسْتَكْبِرُونَ {22} لاَ
جَرَمَ أَنَّ اللّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ لاَ
يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ {23} وَإِذَا قِيلَ لَهُم مَّاذَا أَنزَلَ رَبُّكُمْ
قَالُواْ أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ) (النحل).
والثانية: في
قوله تعالى: (وَقِيلَ
لِلَّذِينَ اتَّقَوْا مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ ۚ قَالُوا خَيْرًا ۗ لِلَّذِينَ
أَحْسَنُوا فِي هَٰذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ ۚ وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ ۚ
وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ) (النحل: 30).
إذن نحن أمام
سؤال واحد تكرر في الآيتين وهو: مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ؟ لكن الجواب عليه جاء
مرةً بالرفع: أَسَاطِيرُ، وأخرى بالنصب: خَيْرًا، فما العلة؟
العلة في
التقدير، أي تقدير الكلام المحذوف قبل كلٍّ منهما، بما يناسب السياق والسباق
والمقام ومقتضى الحال.
فالأول: جواب
الكافرين المنكرين الذين لا يؤمنون بالإنزال، وتقديره: هذه أساطيرُ الأولين،
فالمقدر مبتدأ محذوف وليس فعلا محذوفا؛ لأنهم لا يؤمنون بالإنزال أصلًا.
والثاني: جواب
الذين اتقوا وآمنوا بالإنزال، لذا جاء منصوبًا على تقدير فعل أنزل: أي أنزل خيرًا.
الحركة الإعرابية تكشف المعنى عند التقديم والتأخير
ولعل أظهر ما
يبدو فيه تأثير الحركة الإعرابية مواضع التقديم والتأخير، كتقديم المفعول على
الفاعل، والخبر على المبتدأ، إذ الأصل أن تكون رتبة الفاعل قبل المفعول، ورتبة
المبتدأ قبل الخبر، فإذا انقلب الأمر دلت الحركة الإعرابية على رتبة كل منهما.
ولولا الحركة الإعرابية لالتبس الأمر على القارئ، فتوهم المفعول فاعلًا والفاعل
مفعولًا.
وفيما يأتي
أمثلة بيِّـنة على ذلك:
1- العلماءُ أهلُ الخشية:
فمن ذلك قوله
تعالى: (إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ
الْعُلَمَاءُ) (فاطر: 28)؛ فقد أخر الفاعل، وهو: العلماءُ، وقدم المفعول، وهو لفظ
الجلالة، لغرض بلاغي وهو الحصر والقصر، وهو قصر إضافي، أو نسبي؛ لأن هناك من يخشى
الله من المؤمنين غير العلماء، ولكن السياق الذي جاءت به الآية يتحدث عن قضايا
كونية لا يدركها إلا العلماء، فهم الأكثر خشية.
على أن الذي دل
على أن العلماء هم الذين يخشون هو حركة الضم على آخر الكلمة؛ لأنها فاعل، وحق
الفاعل الرفع، والذي دل على أن الله سبحانه هو المخشيُّ حركة الفتح على آخر
الكلمة؛ لأنها مفعول، وحق المفعول النصب.
ولو عكس الأمر،
فرفع لفظ الجلالة: (اللهُ) ونصب (العلماءَ) لفسد المعنى فسادًا كبيرًا، فحاشا لله
جل وعلا أن يخشى أحدا!
2 - التقوى مناطُ القبول:
ومن ذلك قوله
تعالى: (لَن يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا
دِمَاؤُهَا وَلَكِن يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنكُمْ) (الحج: 37).
جاء في التحرير
والتنوير: "وَالنَّيْلُ: الْإِصَابَةُ. يُقَالُ نَالَهُ، أَيْ أَصَابَهُ
وَوَصَلَ إِلَيْهِ. وَيُقَالُ أَيْضًا بِمَعْنَى أَحْرَزَ، فَإِنَّ فِيهِ مَعْنَى
الْإِصَابَةِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: (لَن تَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا
تُحِبُّونَ) (آل عمرَان: 92)، وَقَوْلِهِ: (وَهَمُّوا بِما لَمْ يَنالُوا) (التَّوْبَة: 74).
وَالْمَقْصُودُ
مَنْ نَفْيِ أَنْ يَصِلَ إِلَى اللَّهِ لُحُومُهَا وَدِمَاؤُهَا إِبْطَالُ مَا
يَفْعَلُهُ الْمُشْرِكُونَ مَنْ نَضْحِ الدِّمَاءِ فِي الْمَذَابِحِ وَحَوْلَ
الْكَعْبَةِ وَكَانُوا يَذْبَحُونَ بِالْمَرْوَةِ. قَالَ الْحَسَنُ: كَانُوا
يُلَطَّخُونَ بِدِمَاءِ الْقَرَابِينِ وَكَانُوا يُشَرِّحُونَ لُحُومَ الْهَدَايَا
وَيَنْصِبُونَهَا حَوْلَ الْكَعْبَةِ قُرْبَانًا لِلَّهِ تَعَالَى، يَعْنِي
زِيَادَةً عَلَى مَا يُعْطُونَهُ لِلْمَحَاوِيجِ(3).
والملاحظ هنا أن
المفعول وهو لفظ الجلالة قد تقدم، وجاء منصوبا بالفتحة التي دلت على أنه مفعول،
ولولا الفتحة لظُن فاعلا. وأن الفاعل وهو لحومها قد تأخر، ودلت الضمة في آخره على
أنه فاعل، ولولا الضمة لظُن مفعولا.
3 - إبراهيمُ في مقام الابتلاء:
ومن ذلك قوله
تعالى: (وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ
بِكَلِمَاتٍ) (البقرة: 124)؛ أي اختبره الله سبحانه بأوامر ونواه، والاختبار منه
لظهور ما لم نعلم، ومن الله لإظهار ما قد علم، وعاقبة الابتلاء ظهور الأمر الخفي
في الشاهد والغائب جميعًا؛ فلذا تجوز إضافته إلى الله(4).
فالمبتلَى هو
إبراهيم، والمبتلِي هو الله سبحانه، وقد دلت الفتحة على إبراهيم أنه هو المفعول،
ولولا الفتحة لظُنَّ فاعلًا، وهو ما يفسد المعنى، ودلت الضمة على (ربُّـه) على أنه
الفاعل، ولولا الضمة لظن مفعولا ولفسد المعنى أيضاً.
والحق أن الأمثلة على هذه الظاهرة أكثر من أن تحصى، إذ لا تخلو منها صفحة من القرآن، بل لا تخلو منها آية لأن الحركات في آخر الكلمة ما هي إلا دوال على وظائف الكلمات في الجملة، وكلما تغيرت حركة الكلمة تغيرت دلالتها لتغير وظيفتها في نظم الكلام.
الهوامش
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً