نور وكتاب مبين (1)

جلال الإبانة.. لماذا وصف القرآن نفسه بـ«المبين»؟

د. رمضان فوزي

08 يناير 2026

386

بعد أن طوّفنا في سلسلة سابقة مع لغة الوحي وجمالياتها في سلسلة تحت عنوان «بلسان عربي مبين»، وبيّنا كيف نزل هذا القرآن بأفصح اللغات وأبينها، نجد أنفسنا اليوم مدفوعين للغوص في عمقٍ جديد من أعماق هذا البيان.

فإذا كان اللسان الذي نزل به القرآن «مبيناً»، فإن القرآن في ذاته، وفي وصفه لنفسه، وفي أسمائه المشرفة، قد اتخذ من «الإبانة» صفةً لازمة وملازمة، ومن هنا ننطلق في هذه السلسلة الجديدة لنقف مع تلك السياقات التي وصف فيها القرآن نفسه بـ«المبين»، وكيف تجلت هذه الصفة في آياته وسوره لتصنع اليقين في قلوب المؤمنين.

المتأمل في كتاب الله عز وجل يجد أن القرآن الكريم لم يكتفِ بكونه منهجاً للحياة، بل اعتنى بوصف نفسه بأوصافٍ تجعل المتلقي في حالة من الطمأنينة التامة لمصدر هذا الوحي وطبيعة بنائه، ومن أظهر هذه الأوصاف وأكثرها تكراراً وصف «المبين».

إننا حين نقرأ قوله تعالى في فاتحة سورة «الحجر»: (الَرَ تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَقُرْآنٍ مُّبِينٍ) (الحجر: 1)، نجد أنفسنا أمام تلازم عجيب بين الذكر الحكيم وصفة الإبانة، فما أبعاد هذه الصفة؟ ولماذا كانت المفتاح لفهم مقاصد الوحي؟

«المبين» في «لسان العرب»

لا يمكن فهم مراد الله من وصف القرآن بالمبين دون الغوص في لغة العرب التي نزل بها؛ فالمبين اسم فاعل من الفعل «أبان»، وهو فعل متعدٍّ بالهمزة من الفعل اللازم «بان»، يذكر ابن منظور أن: «البَيانُ: مَا بُيِّنَ بِهِ الشيءُ مِنَ الدَّلَالَةِ وغيرِها، وبانَ الشيءُ بَياناً: اتَّضَح، فَهُوَ بَيِّنٌ، وَكَذَلِكَ ‌أَبانَ الشيءُ فَهُوَ مُبينٌ» (لسان العرب، مادة «بين»).

هذا الاشتقاق يمنحنا دلالة مزدوجة؛ فالقرآن «مبين» في ذاته، أي أنه واضح جلي لا غبش فيه، وهو «مبين» لغيره، أي أنه يمتلك القدرة على إظهار الحقائق وكشف المستور، ويوضح الأزهري الهروي هذا المعنى في حق القرآن قائلاً: «أَي إِنَّه مُبين خَيره وبركته، ومُبين الْحق من الْبَاطِل، والحلال من الْحَرَام، ومُبين أَن نُبوة النبيّ صلى الله عليه وسلم حقّ، ومُبين قصَص الْأَنْبِيَاء» (تهذيب اللغة، 15/ 355).

فالإبانة هنا ليست صفة ساكنة، بل هي صفة فاعلة تتحرك في قلب المتلقي لتبني لديه اليقين.

تلازم الكتاب والقرآن

نلاحظ في الآيات الكريمة أن الوصف بـ«المبين» لحق بلفظي «الكتاب» و«القرآن»، وهما اسمان لمسمى واحد؛ فهو قرآن بحكم قراءته وتلاوته، وهو كتاب بحكم كتابته وتسطيره في اللوح المحفوظ.

إن هذا الجمع يؤكد أن الوضوح القرآني ليس رهناً بوسيلة دون أخرى؛ فالمسموع منه مبين، والمكتوب منه مبين، وهذا يقطع الطريق على أي ادعاء بالغموض؛ فالأصل في هذا الدين هو الظهور والوضوح.

الإبانة ضرورة شرعية ومقصدية

إن الإبانة ليست مجرد زينة لفظية، بل هي ضرورة لازمة لتحقيق أكبر أهداف القرآن وغاياته، وهو تعريف الناس بربهم وتجلية العقيدة الصحيحة لهم، وتوضيح الأحكام الشرعية التي فيها مصالح معاشهم ومعادهم، وهذه الأمور لا بد أن تكون واضحة محكمة مبيَّنة تبييناً لا لبس فيه.

ويفصل الإمام فخر الدين الرازي وجوه وصف الكتاب بالمبين فيقول: «الأول: أنه المبين للذين أنزل إليهم لأنه بلغتهم ولسانهم، والثاني: المبين هو الذي أبان طريق الهدى من طريق الضلالة، وأبان كل باب عما سواه وجعلها مفصلة ملخصة» (مفاتيح الغيب، 26/ 616)، ثم ينبه الرازي إلى لفتة عقدية دقيقة بقوله: «واعلم أن وصفه بكونه مبيناً مجاز؛ لأن المبين هو الله تعالى، وسُمي القرآن بذلك توسعاً من حيث إنه حصل البيان عنده»؛ فالله «المبين» أنزل كتاباً «مبيناً» ليهدي به إلى صراطه المستقيم.

إبانة الروح والقلب

لا تقف إبانة القرآن عند حدود الأحكام، بل تمتد لتشمل الجوانب الروحية العميقة، وفي هذا السياق، يضيف الإمام القشيري جوانب إيمانية بديعة، حيث يقول: «ووصْف القرآن بأنه مبين؛ لأنه يبين للمؤمنين ما يسكن قلوبهم، وللمريدين ما يقوي رجاءهم، وللمحسنين ما يهيج اشتياقهم، وللمشتاقين ما يثير لواعج أسرارهم، ويبين للمصطفى صلى الله عليه وسلم تحقيق ما منع غيره بعد سؤاله، ألم تر إلى ربك قال لموسى عليه السلام: (لَنْ تَرانِي) بعد سؤاله: (رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ)» (لطائف الإشارات، 2/262).

إن هذه الإبانة الروحية تجعل المسلم يشعر حين يقرأ القرآن أن الآيات تخاطبه هو، وتبين له مواطن الداء والدواء في قلبه، وتفتح له أبواب الرجاء في رحمة الله.

شمولية البيان والتبيين

إن مَثَل القرآن في إشعاعه كمثل الألماسة أنى نظرت إليها وجدت فيها بريقاً وإشعاعاً؛ فأهل الفقه يجدون أدلتهم فيه، وأهل التزكية والسير إلى الله يجدون بغيتهم فيه، وأهل اللغة والبلاغة يجدون فيه ذروة ما يطمحون إليه، فهو كتاب بيِّن مبين معجز بلفظه ومعناه.

ولأن البيان قد اكتمل، فقد انقطعت الحجج والمعاذير، وفي هذا يقول الخطيب الشربيني عن وصف القرآن بالنور المبين: « واضحاً في نفسه، موضحاً لغيره وهو القرآن الجامع بإعجازه وحسن بيانه، فلم يبق لكم عذر ولا علة» (السراج المنير، 1/ 348)، فالله تعالى لم يترك الخلق في تيه الحيرة، بل قدم لهم البرهان والنور المبين الذي يهدي للحق بوضوح تام.

تفاوت مراتب التلقي

في نهاية هذه الحلقة من حديثنا عن بيان القرآن، نؤكد أن التفاعل مع هذا البيان أمر نسبي يختلف من متلقٍّ لآخر، حسب ما فتح الله عليه من فيوضات المعرفة، وحسن النظر والتدبر في كلمات ربه عز وجل، وحسن الاستعداد للتلقي عنه، فالشمس ساطعة في كبد السماء، ولكن الذي يغمض عينيه أو يختبئ في قبوٍ مظلم لن يناله من ضيائها نصيب.

لقد أنزل الله هذا القرآن «مبيناً» ليكون طريقاً آمناً لكل باحث عن الحقيقة، فمن سلك طريقه سلكه على بينة من أمره في اقتناع عقلي وخضوع قلبي واطمئنان نفسي؛ فهكذا يكون البيان، وهكذا تكون الهداية، نسأل الله أن يرزقنا حسن النظر في كتابه، والاغتراف من معينه الذي لا ينضب، وأن يجعلنا ممن يستضيؤون بنوره المبين في الدنيا والآخرة.

في الحلقة القادمة بمشيئة الله تعالى سنبحر في «سياق الهداية والدعوة»، لنكشف السر الكامن وراء تنوع الأسماء الموصوفة بالبيان، ولماذا يصف القرآن آياته أحياناً بأنها «بينات» وتارة بأنها «مبينات».

 


اقرأ أيضاً:

الأثر الخالد.. القرآن الكريم حارس العربية وسيد بلاغتها

عروبة القرآن.. دلالة البيِّنة ومرامي التعقُّل والإنذار

هل تتعارض عروبة القرآن مع عالمية الإسلام؟

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة