جيل «ألفا».. واللسان المتحرر!
الأجيال الجديدة مثل «ألفا» و«زد» أصبحت تسمياتها مشتقة من علاقتها بالرقمية، فتلك الأجيال لم تعد تستخدم الرقمية
كوسيلة للتواصل، ولكن تعيد تعريف نفسها وبناء هويتها من خلالها، وكذلك اكتشاف
الذات والعالم، ولم ينجُ اللسان أو اللغة من تأثيرها وقدرتها التغييرية، فقد
استثمرت أجيال الرقمية قاعدة أن اللغة غير ثابتة وقادرة على التكيف مع المتغيرات،
لتعيد صوغ اللسان واللغة ومفرداتها.
من هو جيل «ألفا»؟
في دراسة بعنوان
«فهم جيل ألفا»، أكدت أن فهم جيل «ألفا» مفتاح لفهم المستقبل القادم، وأنهم الأكثر
تأثيراً في العلامات التجارية، وأن قوتهم الشرائية تفوق أعمارهم، فهذا الجيل ظهر
في نفس العام الذي أُطلق فيه جهاز «iPad»، وأُنشئ
فيه تطبيق «Instagram»، وكانت كلمة «تطبيق» الكلمة الرائجة في ذلك
العام؛ ولذلك، منذ سنواتهم الأولى، كانوا من رواد الشاشات.
جيل «ألفا» يشير
إلى الأشخاص الذين ولدوا بعد عام 2010م، وهي فترة ذات أهمية في التاريخ الإنساني؛
لأنها فترة الانتشار الواسع للتكنولوجيا الرقمية، التي صارت جزءاً رئيساً وحيوياً
في تشكيل هذا الجيل؛ فهذا الجيل هو أول جيل تشكل تلك التكنولوجيا تصوراته، وهو غير
قادر على فهم الواقع والتعامل معه بعيداً عن الوسائط الرقمية بكافة أشكالها؛ أي
أننا أمام أول جيل مندمج اندماجاً كاملاً منذ اللحظة الأولى من حياته مع الرقمية.
تؤكد دراسة أن
ربع جيل «ألفا» من مدمني الإنترنت، فهذا الجيل نشأ في بيئة رقمية كاملة تحيطه من
كل جانب، حيث يقضي أكثر من 7 ساعات يومياً أمام شاشة الهاتف، وهذا الإدمان الرقمي
قد يكون محاولة للهروب من مشكلاتهم.
جيل «ألفا» يشكل
سُبع سكان العالم، ففي كل أسبوع كان يولد ما يقرب من 2.8 مليون شخص، ومع نهاية عام
2025م وصل عدد هذا الجيل إلى حوالي 2.2 مليار إنسان، وتستحوذ آسيا على الجزء
الأكبر من تلك الكتلة البشرية.
هذا الجيل أثر
في العالم في عدة جوانب، منها الاقتصادي؛ حيث هم الأكثر استخداماً للسلع
الافتراضية، وهي سلع لا وجود لها في الواقع مثل الأزياء الرقمية، والعملة
الافتراضية، ولعل أحد أسباب ذلك أن هذا الجيل أجبر على البقاء في المنزل مع
الشاشات إبان أزمة «كوفيد-19» التي استمرت قرابة 3 سنوات منذ مطلع عام 2020م حتى
مارس 2023م، هذه العزلة مع الشاشات وفي الانعدام شبه الكامل للتواصل والتفاعل
الاجتماعي المباشر جعل هذا الجيل أكثر اندماجاً مع العالم الافتراضي في كل تفاصيل
حياته.
تحولات هذا الجيل
هذا الجيل يشهد
كذلك تحولات بعضها غير مسبوق مقارنة بالأجيال السابقة، فتعليمهم أكثر اعتماداً على
التكنولوجيا الرقمية، وبالتالي تراجع التعليم التقليدي بأساليبه، وبعض من قيمه في
تشكيل وعيهم وإدراكهم وطريقة تلقيهم للمعرفة.
هذا الجيل هو
أول جيل يتميز بأن معارفه قد تفوق معارف الأكبر منه سناً من الآباء وغيرهم فيما
يتعلق بالتكنولوجيا الرقمية، وبخاصة فيما يتعلق بمهارات التعامل مع الرقمية، ويرى
في التكنولوجيا الرقمية أداة أساسية لتحسين العالم وتطويره.
يتميز جيل «ألفا»
بأن الرقمية امتداد لهويته الذاتية، والحدود بين العالم الواقعي والافتراضي فيها
تداخل يصعب الفصل بينهما، ولذلك فهو يدرك ذاته في الفضاء الرقمي؛ وجوداً وتعبيراً،
بدرجة قد تفوق حضوره في العالم الواقعي؛ لذا، لم تعد الرقمية وسيلة للترفيه، كما
كانت الألعاب الإلكترونية للجيل الذي سبقه، ولكنها باتت مساحة للتواصل الاجتماعي
والتعبير عن الذات، والاكتشاف.
في كتابه «الجيل
القلق»، يشير عالم النفس الأمريكي جوناثان هايدت إلى خاصية تميزت بها الأجيال التي
نشأت على الرقمية؛ وهي انتقال الطفولة القائمة على اللعب إلى الطفولة القائمة على
الهاتف الذكي، وقد أدى ذلك إلى تغيرات كبيرة، منها فقدان التعرض للتجارب التي تصقل
شخصيتهم، فنمط الحياة القائم على الهاتف يجعل من الصعب على الناس التواجد بكامل
كيانهم مع الآخرين؛ ولذلك كانت نصيحته «دعوا الأطفال يكبرون على الأرض أولاً، قبل
إرسالهم إلى المريخ».
وإذا مددنا رؤية
هايدت إلى اللغة، فإن تعرض جيل «ألفا» للغة من خلال التفاعل المباشر مع الآخرين
كان قليلاً مقارنة بالأجيال التي سبقته؛ لذا، سعى إلى الأخذ من اللغة بما يناسبه
مع تطعيمها بإمكانات الوسيط الرقمي من رسوم ومؤثرات وتعبيرات تختزل الكلمات
والعبارات، ولا تنتج إلا القليل من المفردات.
جيل «ألفا» واللغة
جيل «ألفا»، اللغة
بالنسبة لهم ليست وسيلة للتواصل ونقل المعلومات فقط، ولكن تحولت إلى ساحة للابتكار
والتخليق اللغوي والابتكار والمزج بين أكثر من لغة، واللجوء إلى الاختصار للتعبير
عن الأفكار والمشاعر وتحقيق التواصل، وابتكار مفردات واختصارات وأساليب للتعبير
تتجاوز اللغة التقليدية.
والحقيقة أن جيل
«ألفا» الذي ولد مع العصر الرقمي، وتفتحت إدراكاته على الشاشات الذكية والعالم
الافتراضي، عمل على دمج أكثر من لغة في التعبير عن ذاته وأفكاره، وفي بيئة تتلاشي
فيها الكثير من الحدود في العالم الافتراضي، كان لا بد للحدود اللغوية، أيضاً، أن
تتلاشى بعض ضوابطها التعبيرية في استخدامات جيل «ألفا»، نحو لغة متطورة مختصرة
تمتزج فيها مفردات أكثر من لغة، لتستقي الشائع من ألسنة الشباب وتعبيراتهم وتتعامل
معه كأنه اللغة الأم لهذا الجيل.
في دراسة بعنوان
«أنماط التبسيط اللغوي على منصات التواصل الاجتماعي»، نشرت عام 2024م، حللت
الدراسة ما يقرب من 300 مليون تعليق باللغة الإنجليزية عبر 8 منصات مثل «فيسبوك» و«يوتيوب»
و«تليجرام»، على مدى 3 عقود، وكشفت الدراسة عن اتجاه ثابت نحو انخفاض طول النص
وتراجع في الثراء المعجمي للمفردات، وانخفاض في التكرار، وأن المستخدمين يدخلون
كلمات جديدة باستمرار وبمعدل ثابت في تعليقاتهم.
ونبهت الدراسة
إلى ما يسمى بـ«التهجين اللغوي»، فقد أنتج جيل «ألفا» مصطلحات هجينة عابرة
للقارات، وتحولت بعض الكلمات الخفيفة المثيرة للغرابة إلى كلمات واسعة الاستخدام يستخدمها
في التواصل اليومي والحياتي.
ومن سمات جيل «ألفا»
في تعامله مع اللغة:
1- الاختزال
المفرط: يميل هذا الجيل إلى تفكيك القواعد التقليدية واختصار الكلمات لأقصى درجة
ممكنة لسرعة مواكبة التدفق الرقمي، حيث تتقلص الجمل لديهم إلى بضع كلمات أو رموز
تعبيرية تختزل مشاعر معقدة.
2- اللغة متعددة
الوسائط: لم تعد اللغة بالنسبة لجيل «ألفا» مجرد نصوص مكتوبة أو منطوقة، بل دمجوا
الإشارات البصرية، واللقطات الحركية من الألعاب، والمؤثرات الصوتية كجزء لا يتجزأ
من بنية الكلمة ومعناها.
3- الاغتراب
اللغوي: هناك فجوة لغوية بين جيل «ألفا» والأجيال التي سبقته من الآباء والمعلمين،
حيث يستخدم هذا الجيل مصطلحات ومفردات وتركيبات لغوية لتمييز هويتهم وهو ما يمنحهم
نوعاً من الانتماء، لكن الوجه الآخر هو وجود حالة اغتراب لغوي واضحة تميز هذا
الجيل، نظراً للتداخل بين اللغة وطرق التعبير عنها باستخدام المؤثرات المختلفة ذات
الدلالة التي يفهمها هذا الجيل، ويعتبرها من صميم تميزه.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً