حقيقة المليشيا الحوثية.. بين أحكام الشريعة وشعارات التضليل

علي القاضي

27 سبتمبر 2026

52

مسلحون يرفعون أسلحتهم على متن سيارة نقل

تمر الأمة الإسلامية في أزمنة الفتن بمراحل دقيقة تتداخل فيها الشعارات البراقة مع الواقع الأليم، وتختلط على بعض النخب والعلماء والدعاة حقيقة القضايا والأحداث نتيجة التضليل الإعلامي الممنهج الذي تمارسه الجماعات المنحرفة.

وإن من أوجب الواجبات على أهل العلم والمعرفة في مثل هذه الأوقات الاستثنائية إيضاح الحقائق، وتجريد المفاهيم، ورد النوازل إلى أصولها الشرعية وفقهها المقاصدي الأصيل؛ حتى لا تُنتهك الكليات الخمس، ولا يُشرعن البغي، ولا تنطلي الشعارات والمزايدات الإعلامية على جموع المسلمين.

ومن هذا المنطلق، يأتي هذا المقال ليبين التكييف الفقهي الشرعي والدقيق لطبيعة الصراع الدائر مع المليشيا الحوثية الانقلابية في اليمن، وكشف زيف الادعاءات والشعارات التي تستغفل بها الجماعة المشهد الإقليمي والإسلامي.

إذ أجمع الفقهاء من كل المذاهب على وجوب قتال البغاة الخارجين على الحكومة الشرعية بالسلاح إذا رفضوا الصلح، واحتجوا بقوله تعالى: (فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ) (الحجرات: 9) (انظر: أحكام القرآن (4/ 149) لابن العربي، وتفسير القرطبي (16/ 317)، والسيل الجرار (ص 965) للشوكاني، والفقه الإسلامي للزحيلي.. وغيرهم)، وممن نقل هذا الإجماع الإمامان القاضي عياض، والنووي في «شرح النووي على مسلم» (7/ 169).

فالحرب الدائرة في اليمن منذ 12 عاماً بين الحكومة الشرعية والمليشيات الحوثية الانقلابية تقوم على هذا التأصيل الشرعي.

وجمهور أهل السُّنة على عدم جواز ترك قتال البغاة؛ لأن قتالهم من حق الله الذي يحرم تركه حتى لو كانوا في الحرم المكي، كما قال الإمام النووي في شرحه على مسلم (9/ 124-125).

وجمهور الصحابة والتابعين على وجوب قتال البغاة ونحوهم من قطاع الطرق والمجرمين حتى لا يتسلط الأشرار على الأخيار وتفسد الأحوال، كما في «فتح الباري» للحافظ ابن حجر.

وأجمع العلماء على أن قتال البغاة وقطاع الطرق واللصوص من الجهاد في سبيل الله. (انظر: شرح النووي على مسلم (26/ 13)، وعمدة القاري شرح صحيح البخاري (1/ 231) للعيني، وشرح القسطلاني لصحيح البخاري (2803)).. والحوثي أكثر من باغٍ، وأخطر من قطاع الطرق واللصوص!

المليشيا الحوثية.. بين البغي والانحراف العقدي

وهذا الحكم في البغاة عامة إن لم يكونوا من أهل الأهواء والبدع، والحوثي ليس باغياً فقط، بل هو مبتدع متطرف يعتقد ضلال الشعب اليمني، بل كفره؛ لتوليه الصحابة رضي الله عنهم، كما يقول قائدهم حسين الحوثي في ملازمه، ويسعى لفرض عقيدته بالحديد والنار، ويستبيح في سبيل ذلك الكليات الخمس.

ولا يجوز اعتبار البغاة من الفرق الضالة كباقي البغاة الذين لا يمتد بغيهم إلى الدين تحريفاً وإفساداً، ولا يتعبدون الله باستباحة دماء وأموال وأعراض المخالفين كما هي حال الحوثي وأضرابه.

وقد أنكر شيخ الإسلام ابن تيمية على الفقهاء إدراج بغاة الابتداع ونحوهم من أهل الضلال في باب البغاة؛ لأنهم أخطر من البغاة وقتالهم أوجب منهم، فالبغاة يريدون سلطة وهؤلاء يفسدون الدين، وبين أن أهل الحديث أدق من الفقهاء لتفريقهم بين بغاة المبتدعة وغيرهم، وأطال في تقرير ذلك في «مجموع الفتاوى» (4/ 450-452).

وقد سبقه لذلك الإمام ابن حزم الظاهري حيث قال: «فأي طائفة تأولت في بغيتها طمساً لشيء من السُّنة، كمن قام برأي الخوارج، أو إلى البراءة عن بعض الصحابة، أو إلى إبطال العمل بالسنن الثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ودعا إلى الرد إلى من دون رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهؤلاء لا يعذرون بالتأويل الفاسد؛ لأنها جهالة تامة» (المحلى، 11/ 334).. وفعل الحوثي كل ما ذكره ابن حزم!

المليشيا الحوثية وشعارات نصرة غزة.. بين الدعاية والواقع

ومن المؤسف أن بعض العلماء والدعاة من خارج اليمن وقفوا مع الحوثي انخداعاً بموقفه الدعائي الإعلامي من نصرة غزة، ولا ننكر أنه أطلق بضعة صواريخ على اليهود لم تخفف أي عدوان لهم على غزة، ولا يعلم هؤلاء العلماء الأفاضل أن الحوثي الذي يعلن نصرة فلسطين نهب مقرات جمعية الأقصى في مناطق سيطرته وحبس موظفيها ومديريها ثم أغلقها، رغم المليارات التي تجمعها من الشعب اليمني وترسلها لفلسطين!

أقول ذلك عن معرفة لا تشويهاً لهم؛ فأنا رئيس جمعية الأقصى في تعز المحررة، ومعاذ الله أن نفتري حتى على كافر، ثم إن حقيقتهم تغني عن تشويههم بالكذب!

ولو فرضنا أن نصرته هذه لغزة حسنة عظيمة وخير كبير فعله، فأين تقع من الموبقات التي ارتكبها في اليمن وما زال، من سفك الدماء، ونهب الأموال، والتعدي على الأعراض، فسجن مئات النساء وألوف الشيوخ والرجال.. إلخ؟ وأين تقع من فساد المعتقد والمجاهرة الموثقة بسب الصحابة، بل وتكفيرهم؟!

لقد غضب النبي صلى الله عليه وسلم، كما في البخاري، من خالد بن الوليد رغم انتصاراته الكثيرة، وتبرأ من قتله بعض من ظنه كافراً من بني جذيمة اجتهاداً منه لا عمداً.

فكيف يرضى بعض العلماء بالحوثي وينصرونه رغم سفكه دماء عشرات الآلاف من اليمنيين وما زال، وتهجيره الملايين، وسجنه الألوف؟ فهل يكفّر كل هذه البشاعات بضعة صواريخ أطلقها على اليهود لم تخفف على غزة أدنى تخفيف؟! وأطلق أضعافها على مدن اليمن لتسقط فوق رؤوس الناس، وفجر عشرات المساجد ودور التحفيظ!

والمرجو من كل متعاطف مع الحوثي من العلماء والدعاة غير اليمنيين على الأقل أن يرجع لعلماء اليمن؛ فهم أدرى بشعاب الحوثي وانحرافاته.

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة