حين يتزيّا الباطل بزيّ الحق .. حكاية اللص الفقيه

يحيى الكاتب

27 أكتوبر 2026

25

حين يتزيّا الباطل بزيّ الحق .. حكاية اللص الفقيه

من الحكايات العجيبة حكاية اللص الفقيه الذي استغل ثقافته الدينية في السرقة، وقد رواها أحمد بن المعدل قال: كنت جالساً عند عبد الملك بن عبد العزيز الماجشون، فجاءه بعضٌ جلسائه، فقال: أعجوبةٌ.

قال: ما هي؟ 

قال: خرجت إلى حائطي بالغابة، فلمّا أصحرت وبعدت عن البيوت، تعرّض لي رجلٌ، فقال: اخلع ثيابك.

قلت: وما يدعوني إلى خلع ثيابي؟

قال: أنا أولى بها منك.

قلت: ومن أين؟

قال: لأني أخوك وأنا عريانٌ وأنت مكتسٍ.

قلت: فالمواساة!

قال: كلا، قد لبستها برهةٌ، وأنّا أريد أن ألبسها كما لبستها.

قلت: فتعريني وتبدي عورتي؟

قال: لا بأس بذلك، فقد روّينا عن مالك أنّه قال: لا بأس للرّجل أن يغتسل عرياناً.

قلت: فيلقاني الناس فيرون عورتي؟

قال: لو كان الناس يرونك في هذه الطريق ما عرضت لك فيها.

فقلت: إني أراك ظريفاً، فدعني حتى أمضي إلى حائطي وأنزع هذه الثياب، وأوجه بها إليك.

قال: كلا، أردت أن توجه إلى أربعةً من عبيدك، فيحملوني إلى السلطان، فيحبسني، ويمزق جلدي، ويطرح في رجلي القيد.

قلت: كلا، أحلف لك أيماناً أني أفي لك بما وعدتك ولا أسؤوك.

قال: كلا، إنّا روّينا عن مالك أنّه قال: لا تلزم الأيمان التي يحلف بها للصوص.

قلت: فأحلف لك إنّي لا أحتال في أيماني هذه.

قال: هذه يمين مركبةٌ على أيمان اللصوص.

قلت: فدع المناظرة بيننا، فوالله لأوجّهن إليك هذه الثياب طيبةٌ بها نفسي.

فأطرق، ثم رفع رأسه، وقال: تدري فيم فكرت؟

قلت: لا.

قال: تصفحت أمر اللصوص من عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وإلى وقتنا هذا فلم أجد لصاً أخذ نسيئةٌ، وأكره أن أبتدع في الإسلام بدعةً يكون عليّ وزرها ووزر من عمل بها بعدي إلى يوم القيامة، اخلع ثيابك؛ فخلعتها ودفعتها إليه. «أخبار الظراف والمتماجنين»

بيان وفوائد

لعله يصعب استخراج عبر وعظات من حكاية طريفة، إلا أن هذه الحكاية لغرابتها يمكننا استخلاص أنه ليست العبرة في امتلاك المعرفة، بل في كيفية توظيفها؛ فقد يكون المرء واسع الحيلة، حاضر الجواب، قويّ الحجة، لكنه يسخّر ذكاءه لخدمة هواه، فيصبح العلم على لسانه وسيلةً لتزيين الباطل بدلًا من كشف الحق. وهذا ما تصوّره حكاية اللص الذي اعترض رجلًا في طريقه، وطالبه بخلع ثيابه، محتجًّا بأنه عارٍ وصاحبه مكتسٍ، وأنه أولى بها منه!

قال الرجل: أهذه مواساةٌ أم سلبٌ للحقوق؟

قال اللص: بل أريد أن ألبسها كما لبستها، وقد استدلّ على تعريته بأقوال الفقهاء، حتى جعل النصوص الشرعية مطيّةً لأطماعه.

وتتجلّى هنا أولى العظات: أن المعرفة إذا انفصلت عن الضمير تحوّلت إلى أداة للتضليل؛ فليس كل من أحسن الاستدلال طالبًا للحق، ولا كل من استشهد بالنصوص ملتزمًا بمقاصدها. فقد يستعير صاحب الهوى لغة العلم ليمنح باطله مظهرًا مقبولًا، ويستغل ثقة الناس بالمعرفة لتمرير أغراضه.

ومن أعجب ما في القصة أن اللص لم يكتفِ بسرقة الثياب، بل أراد أن يسرق معها حقَّ الاعتراض؛ فكلما عرض عليه الرجل مخرجًا رفضه بحيلة جديدة، حتى بدا الجدل عنده وسيلةً لتعطيل العقل لا للوصول إلى الحقيقة. وهنا درس آخر: ليس كل جدالٍ بحثًا عن الصواب؛ فقد يكون بعضه إصرارًا على الخطأ، وتفنّنًا في التهرب من الحق.

وتكشف الحكاية كذلك أن الذكاء وحده ليس فضيلة؛ إذ تتوقف قيمته على الغاية التي يخدمها. فالحيلة التي تُستخدم لنصرة المظلوم حكمة، أما التي تُسخّر للاستيلاء على حقوق الناس فمكرٌ مذموم، مهما أضحكت السامعين أو أدهشتهم.

أما خاتمة اللص، حين خشي أن يبتدع طريقة جديدة في السرقة، فتبرز المفارقة الساخرة بين دقة حسابه في تطوير الحيلة وغياب ضميره عن أصل الجريمة.

وهكذا تعلّمنا الحكاية أن الحق لا يُقاس بفصاحة المدّعي، ولا الباطل بقدرته على التبرير؛ وإنما تُوزن الأقوال بصدقها، والأعمال بعدالتها، والعلم بأمانة صاحبه. فاحذر عقلًا يبرع في تبرير الهوى، ولسانًا يتخذ من الحق ستارًا للباطل؛ فإن أخطر التضليل ما جاء في ثوب الحكمة، وأشدّ الجهل خطرًا ما ظنّ صاحبه أنه عين المعرفة.

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة