خبراء يحذرون من «الوأد الخفي»

إسلام محمود

04 نوفمبر 2026

9

خبراء يحذرون من «الوأد الخفي»

ليس الوأد في مجتمعاتنا حديثاً بمفهومه الجاهلي القديم، بل هناك «الوأد الخفي» الذي تسرب إلى منازلنا دون أن نشعر، خاصة فيما يتعلق بصلة الأرحام، فهناك من تصلهم من الأقارب ويؤذونك، وفي ذات الوقت يسوقك الآخرون إلى وصلهم، فيعيش الإنسان بين صراع الفطرة والواقع، وكأنها حالة لا تنتهي من الألم النفسي، وهذه الظاهرة تنتشر في كثير من الأحيان بين بعض ذوي الأرحام، فهل كل قطيعة إثم؟ وهل كل فراق عقوق للرحم؟ وهل هناك حقوق أحق عليك من حق نفسك عليك؟

من أجل تفكيك ظاهرة الوأد الخفي، ووضع قواعد فقهية ومجتمعية لها، ولأجل نشر الطمأنينة والاستقرار النفسي بين ذوي الأرحام، تواصلت «المجتمع» مع عدد من المختصين في الشريعة والأخلاق، لتقديم وصفة إيمانية ومجتمعية تريح النفوس وتقوي القلوب من عذابات الضمير.

تنبيه من سلب الكرامة في صلة الرحم

البداية مع أستاذة الفقه بجامعة طنطا شمالي مصر، د. زينب أبو الفضل، حيث نبّهت بقوة لمثل هذا المفهوم في بيوتنا، فقد أكدت أن الشريعة لا تجبرك على أن تحافظ على علاقة تؤذيك نفسياً، ولا تجبر لك خاطراً، ولا تقيم لك ولا لرحمك وزناً.

وتضيف لـ«المجتمع»: نعم، حق الرحم عظيم، ولكن إثم القطيعة إنما يكون على القاطع لا على المقطوع، وعلى الظالم لا على المظلوم، وعلى المتنكر لحق الرحم لا على من يتجرّع وجيعة قطيعتها.

وناشدت: ليت أصحاب الخطاب الديني الذين يتكلمون في ملف الحقوق كلاماً مبتوراً، ولا يسلطون سهام نقدهم على القاطع الظالم المعادي، أن يكفّوا عن هذا الحديث؛ الذي هو خارج عن نطاق الطوق البشري.

د. أبو الفضل: الشريعة لا تُجبِرك على علاقة تؤذيك نفسياً ولا تَجبُر لك خاطراً ولا تقيم لك وزناً

وتابعت: ففي كل العلاقات الإنسانية أعطت الشريعة الناس الحق في خيارين؛ الأول: العدل والقسط، فللمظلوم الحق في الانتصاف لنفسه ممن ظلمه وبالقسط ودون تجاوز، والثاني: التسامي والعفو احتساباً وأجراً، بشرط عدم مضارّة نفسه.

وحذرت أيضاً أن العلاقات المسمومة في الحقيقة إنما تستنزف الأرواح، والتنازل الأول فيها غالباً ما يعقبه سلسلة من التنازلات حتى تضيع الكرامة، ويزداد الجاحد جحوداً وتنكراً.

وأوضحت أن على كل واحد منا أن يعتزل ما يؤذيه؛ لأن أي علاقة من السهل أن تعوّض، أما اعتلال الصحة النفسية والجسدية، فهذه لا يعوضها شيء.

وشددت قائلة: اعتزل ما يؤذيك ومَنْ يؤذيك، واهجر من يهدر كرامتك، ويتعمد تجاهلك، ولا إثم عليك، وإنما الإثم كل الإثم على من يصدّر الأذى والهجر، لا على من يتجرّعه ويتأذى به، لكن انوِ الصلة والخير، واعزم عليهما عزماً، وكلما سنحت لك فرصة لفعلهما ابتدرهما ولا تتأخر.

الوأد الخفي يبدأ عند تحوّل القرابة لسلطة إيذاء

بينما أكد د. حسن داري، أستاذ الثقافة والأخلاق بجامعة قطر، أن من جمال التشريع الإسلامي أنه أقام العلاقات الأسرية على التوازن بين الحقوق والواجبات، فلم يجعل صلة الرحم مبرراً لإهدار كرامة الإنسان، ولا دفع الأذى ذريعة للتنصل من حقوق الأقارب.

وأوضح، خلال حديثه لـ«المجتمع»، أن أبلغ ما يجسد هذا التوازن موقف القرآن الكريم من بر الوالدين؛ فقد بلغ في تعظيم حقهما مبلغاً عظيماً، ومع ذلك وضع حدوداً للطاعة حين تتعارض مع حق الله، فقال تعالى: (وَإِن جَاهَدَاكَ عَلى أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفاً) (لقمان: 15).

وتابع: هنا تتجلى لطيفة تربوية عميقة؛ فالقرآن لم يجعل رفض الطاعة في الباطل مبرراً لقطع العلاقة، وإنما نقلها من دائرة الطاعة إلى دائرة المصاحبة بالمعروف، ليحفظ للوالدين حقهما، وللإنسان استقلاله الإيماني وكيانه الأخلاقي، وفي ذلك تأصيل بديع للموازنة بين واجبات الإنسان الدنيوية وتطلعاته الأخروية، فلا يضيع دينه إرضاء لأحد، ولا يتخلى عن إحسانه بحجة الاختلاف.

د. داري: الإسلام يريد إنساناً يصل بإحسان ويضع حدوده بحكمة ويحفظ كرامته دون أن يفقد رحمته

ونبه داري إلى أنه إذا كان هذا التوازن مقرراً في أعظم العلاقات الإنسانية، وهي علاقة الأبناء بالوالدين، فإن سائر العلاقات الأسرية أولى بأن تُضبط بميزان العدل والرحمة.

وأشار إلى أن كل ابتعاد ليس قطيعة، ولا كل مخالطة صلة؛ فقد تكون المسافة أحياناً ضرورة لدفع الأذى وحماية النفس من الاستنزاف، شريطة ألا تتحول إلى انتقام أو استعلاء أو تضييع للحقوق الواجبة.

وأكد أن الوأد الخفي يبدأ حين تتحول القرابة إلى سلطة للإيذاء، ويُطالب الإنسان بتحمل الإهانة باسم البر والصلة؛ فالإسلام لا يريد إنساناً يقطع رحمه حفاظاً على نفسه، ولا إنساناً يهدم نفسه حفاظاً على رحمه؛ وإنما يريد إنساناً يصل بإحسان، ويعتذر بأدب، ويضع حدوده بحكمة، ويحفظ دينه وكرامته دون أن يفقد رحمته.

واختتم داري حديثه: صلة الرحم عبادة تُبنى على الإحسان، لا علاقة تُدار بالإكراه؛ والرحم التي أمر الله بوصلها ينبغي أن تكون موطناً للرحمة، لا باباً دائماً للألم.

احترام كرامة الإنسان وحفظه من الوأد الخفي

فيما أكد د. فهمي إسلام، رئيس قسم استشراف المستقبل في الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، أن الأصل في علاقاتنا الاجتماعية التواصل والاحترام المتبادل، وقد صف الله أهل الخير أنهم (يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ) (الرعد: 21)، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لَا ‌يَدْخُلُ ‌الْجَنَّةَ ‌قَاطِعٌ» (رواه البخاري)، ومع ذلك هناك حالات تستدعي الإنسان إلى قطع العلاقة تجنباً للأذى وحفاظاً على الأمان والاستقرار والسكينة.

وأضاف لـ«المجتمع»: الأصل أن الإنسان يجاهد نفسه في الحفاظ على العلاقة السليمة بين الناس، والإصلاح بين الناس مطلوب، إلا أن الشرع لا يكلف الإنسان فوق طاقته، فإذا وصلت بالعلاقة المسمومة حداً فوق طاقة التحمل فيجوز له أن يدخل في الاستثناء وأخذ الرخصة المباحة، قال تعالى: (فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ) (البقرة: 173)؛ فهذه القطيعة بالنسبة له كأكل الميتة للمضطر.

ونبه إسلام إلى أن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه اضطروا إلى القطيعة مع قومهم، فتركوا بلادهم، وهجروا أهلها، رغم حرصهم على حفظ المودة، قال تعالى: (قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى) (الشورى: 23).

د. إسلام: الابتعاد قد يبقى معه الود ولا يستلزم الجفاء وكيان الإنسان يجب احترامه وحفظه من الأذى

وأشار إلى أن الابتعاد قد يبقى معه الود والدعاء الطيب وتمني الخير، ولا يستلزم الجفاء والبغضاء، فكيان الإنسان يجب احترامه وحفظه من الأذى المفسد.

واختتم حديثه قائلاً: قد يكون الوقت جزءاً من العلاج، وقد تكون القطيعة المؤقتة تصحح المسار وتعدل المزاج العكر؛ إذ وجّه الله المسلم في حالة القطيعة الاضطرارية ألا ينسى الفضل السابق، قال تعالى: (وَلاَ تَنسَوُاْ الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ) (البقرة: 237)، ولا يستلزم أيضاً من القطيعة العلاجية أن تنقطع كل الحبال، فيمكن أن يبقى خيط رفيع يلجأ إليه في حالة الصلاح كما قال معاوية: ولو أن بيني وبين الناس شعرة ما انقطعت، قيل: وكيف ذلك؟ قال: كنت إذا مدّوها خلّيتها، وإذا خلّوها مددتها.

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة