عبد اللطيف محمد عامر.. فيلسوف الفقه ومعلّم صناعة النظر
تيبَّس القلم في
يدي حين جاءني، صباح الخامس عشر من سبتمبر 2026م، نبأُ رحيلِ أستاذنا الجليل
وشيخنا الحبيب الأستاذ الدكتور عبد اللطيف محمد عامر، وليس أعسر على المرء من أن
يُطلب إليه أن يحوِّل حزنه على أستاذه إلى كلمات، وأن يجمع في صفحات رجلًا امتدت
صحبتُه في القلب والعقل أعوامًا، ثم غاب جسدُه وبقي من صوته في الذاكرة ومن أثره
في الفكر ما يأبى أن يُغيِّبه الموت، فبعض العلماء نعرفهم من كتبهم، وبعضهم نعرفهم
من مجالسهم، وقليل منهم تتطابق في نفوسنا صورةُ الكتاب وصورة صاحبه؛ فإذا العلم
الذي نقرؤه هو الخلق الذي نراه، وإذا المنهج الذي يقرره في الأوراق هو نفسه الأدب
الذي يعامل به طلابه والناس.
وكان عبد اللطيف
عامر عندي من هذا القليل؛ عرفته أستاذًا مُمتحِنًا، ثم شيخًا وصاحبَ مجلس، ثم
قرأتُه في كتبه بعد أن عرفته في حياته، فكان كلُّ وجه من وجوه الرجل يفسر الآخر
ويصدقه؛ رأيت فيه الفقيهَ الذي لا يكتفي بمعرفة الحكم حتى ينفذ إلى الطريقة التي
أُنتج بها، والأصولي الذي لا يفصل الدليل عن دلالته، ولا الجزئي عن كليه، ولا
الحكم عن مقصده وواقعه ومآله، ورأيت فيه الأديب الذي رقَّق الأدبُ حسَّه من غير أن
يذهب بصرامة العلم، والشاعر الذي حفظت قصيدتُه شيئًا من جراح التجربة وعزة النفس،
ورأيت فيه الأستاذَ الذي لم تكن غايته أن يملأ ذاكرة الطالب بالمسائل، وإنما أن
يوقظ عقله، ويبني ملكته، ويُعلمه كيف يسأل قبل أن يجيب، وكيف ينظر قبل أن يرجح،
وكيف يتحرر في اجتهاده من غير أن يتحرر من ضوابط العلم.
ومن هنا لم تعد
عبارتي التي خرجت بها من مناقشته لرسالتي للماجستير سنة 2005م مجرد انطباع وُلد في
مجلس ثم انقضى، فقد قلت يومها، وظللت أقول بعد ذلك: لم يكن عبد اللطيف عامر مجرد
فقيه، وإنما كان فيلسوفًا في الفقه؛ كان فقيهًا في الفقه، ثم مضت السنون وقرأت
الرجل في مشروعه العلمي الواسع، فإذا ذلك الانطباع الأول يتحول إلى حكم تؤيده
الشواهد؛ كتب في القرآن والسنة وأصول الفقه ومقاصد الشريعة والقواعد وضوابط
التفكير، كما كتب في الحق والعقد والأسرة والوصايا والديون والديات والحرب والأسرى
والقيم الإنسانية، وتباعدت هذه الموضوعاتُ في ظاهرها، ولكن عقلًا واحدًا كان
ينتظمُها، عقلٌ يسأل كيف يُفهم الشرع، وكيف يُستنبط حكمُه، وكيف يَرد الجزئيَّ إلى
الكلي، وكيف تنضبطُ المصلحةُ بميزان الوحي، وكيف ينتقل الحكمُ من صفحات الكتب إلى
حياة الإنسان من غير جمود على الظاهر، ولا انفلات من سلطان النص.
ولهذا لا أكتب
هذه الكلمات لأرثي رجلًا رحل فحسب، ولا لأجمع مناصبَه ومؤلفاتِه في ترجمةٍ تُضاف
إلى التراجم، وإنما أكتب عن عالم من أعلام دار العلوم، وعن عقل فقهي له ملامحُه،
وعن أستاذ جعل صناعة الإنسان امتدادًا لصناعة العلم، وعن فقيه صحبه الأديب والشاعر
والإنسان، أكتب عنه تلميذًا عرف بعض مجالسه، وباحثًا قرأ مشروعه، ومحبًّا يشعر
اليوم أن بعض ما كان يظنه حاضرًا دائمًا قد صار فجأة ذكرى؛ ولذلك ستتحرك هذه
الصفحات بين الرجل وكتابه، وبين سيرته وفكره، وبين ما قاله هو وما قاله فيه غيره،
محاوِلةً أن تقرأ ما وراء قائمة المؤلفات والمناصب إلى ذلك الخيط الناظم الذي صنع
شخصيتَه العلمية والإنسانية مما جعل له أثرًا عظيمًا؛ فما أكثر العلماء الذين
تنتهي أخبارُهم عند آخر صفحة من تراجمهم، وما أقل الذين تبدأ بعد رحيلهم حياةٌ
أخرى في عقول تلاميذهم، وفي مناهج البحث التي غرسوها، وفي الكتب التي ما تزال
تُنتج أسئلتها وأجوبتها بعد أصحابها؛ وتلك هي القضيةُ التي تحاول هذه الكلماتُ أن
تُجيب عنها.
شيخي الذي انفتح له قلبي وانفتح قلبه لي
بدأت صلتي
المباشرة بأستاذنا الدكتور عبد اللطيف محمد عامر سنة 2005م، حين اختير عضوًا في
لجنة مناقشة رسالتي للماجستير: «نظرية الجبر في الفقه الإسلامي: دراسة تأصيلية
تطبيقية»، التي صدرت بعد ذلك عن دار السلام بالقاهرة سنة 2007م، وكنت يومئذ أذهب
إلى أساتذة اللجنة بنفسي، أحمل إليهم الرسالة قبل المناقشة كما تقضي تقاليد العلم
وآدابه، فلما قصدت بيته في حدائق المعادي بالقاهرة، وحملت إليه عملًا أنفقت فيه من
العمر والفكر ست سنوات، لم أكن أعلم أنني ذاهب إلى لقاء سيتجاوز أثرُه حدودَ
الرسالة والمناقشة والدرجة العلمية، وأن بابًا من المودة والصحبة سيُفتح في ذلك
البيت، ثم يظل مفتوحًا في القلب بعد أن يغلق الموتُ أبوابَ اللقاء في هذه الدنيا.
استقبلني ببشاشة
هادئة، وقرب لا تذهب بهيبة الأستاذ، وهيبة لا تحجب دفء الإنسان؛ فقط كان لين
الجانب، طيب المعشر، وممن يمشون على الأرض هونًا، ولم يطل المجلس حتى أخذت المسافة
التي تفصل عادة بين الطالب ومناقشه تضيق من غير تكلف، ووجدتني أمام عالم لا يتخذ
من علمه حاجزًا بينه وبين الناس، ووراء العالم قلبًا مثقلًا بتجارب عمر طويل،
وذاكرة تختزن العلم والألم والرجال والأيام، وتدفَّقَ الحديثُ بيننا على نحو لم
أكن أتهيأ له، ووجدت الرجل لا يصطنع القرب ولا يتكلف التواضع، وإنما يفتح لك من
نفسه بمقدار ما يطمئن إلى صدقك، فكان التعبير الذي لم أجد بعد ذلك أصدق منه في وصف
ذلك اللقاء: انفتح له قلبي، وانفتح قلبه لي.
ولم تكن الصفحات
التي فتحها لي من حياته صفحاتِ علمٍ ودراسة ومناصب فحسب؛ فقد مضى الحديثُ إلى بعض
أيامه القاسية، وإلى السجن وآلامه، وإلى تجربة عرف فيها القهر لا قارئًا له في
كتاب، وإنما إنسانًا وقعت عليه عصا المحنة و سوطُ الجلاد، ثم انتقل الحديث من
الذاكرة إلى الشعر، فإذا الفقيه الذي جئت إليه برسالة في الفقه والأصول يكشف لي عن
شاعر يسكنه، وإذا الألم الذي احتفظت به الذاكرة قد حفظته القريحة في قصيدة، وأخذ
يملي عليَّ قصيدته «إلى جلاد!»، بيتًا بعد بيت، وأنا أكتب وراءه والدموع تسيل، ولم
تكن تلك الدموع تأثرًا بشعر جميل فحسب، وإنما كانت استجابة لذلك اللقاء النادر بين
الكلمة وصاحبها، وبين القصيدة والتجربة التي ولدتها، وبين الشيخ الهادئ الجالس
أمامي والشاب الذي حمل ذات يوم جرح السجن في صدره ثم أودعه الشعر.
كان يقول:
«الليل يا جلاد هائم، والسجن يطفح بالمظالم»، ثم تمضي القصيدةُ في تصوير القهر
والأنين، لكنها لا تستسلم للانكسار، بل يتصاعد فيها معنى العزة والمقاومة واليقين
بأن الظلم، مهما استطال، لا يملك الكلمة الأخيرة؛ وحين بلغ قوله: «كل الصدور
تمردت، وتطاولت كل الرقاب»، بدا لي أنني لا أسمع شاعرًا يستعيد نصًّا من ماضيه
فحسب، بل أرى نافذة تنفتح على شيء من تكوين الرجل نفسه؛ فقد اجتمع فيه أمامي يومئذ
طبعٌ في الشعر، وسعةٌ في الفقه، وجمالٌ في التعبير، وسحرٌ في الأداء، واجتمع إلى
ذلك كله إباءُ نفسٍ عرفت المحنة، ولكنها لم تسمحْ للمحنة أن تنتزع منها كرامتها،
ولم أكن أدري يومها أن ذلك المجلسَ سيُصبح، بعد أكثر من عشرين عامًا، واحدًا من
أثمن المشاهد التي أستعيد بها أستاذي بعد رحيله!
ثم جاء يوم
المناقشة، فإذا بي أتعرف إلى الرجل من باب آخر؛ لم أجد ممتحنًا يتعقب الألفاظ
والهوامش والجزئيات ليعلن حضوره في المجلس، وإنما وجدت عقلًا يبحث عما وراء
المسألة، لا يقف عند الفرع حتى يسأل عن أصله، ولا عند الحكم حتى ينظر في مأخذه،
ولا عند النتيجة حتى يراجع المقدمات التي أفضت إليها؛ كان يستطيع أن يأخذ جزئية
صغيرة في البحث فينفذ منها إلى سؤال أصولي كبير، وأن يقف عند تعبير فيكشف عن تصور
سابق عليه، وأن يناقش حكمًا فيبين أن موطن النظر الحقيقي ليس الحكم وحده، وإنما
الطريق الذي أنتجه، فتحولت المناقشة عندي من اختبار لرسالة أنجزتها إلى درس في كيف
يفكر الفقيه قبل أن يحكم، وكيف يبني الحكمَ قبل أن يعلنه، وكيف يفتش في مقدماته
قبل أن يطمئن إلى نتائجه.
ومن ذلك المجلس
خرجت بالعبارة التي لازمت صورته في نفسي بعد ذلك: إن عبد اللطيف عامر لم يكن مجرد
فقيه، وإنما كان فيلسوفًا في الفقه؛ كان فقيهًا في الفقه، ولم يكن هذا حكمًا
صنعتْهُ المحبة التي نشأت بعد ذلك، بل ظل انطباعًا علميًّا سبق امتداد الصحبة، ثم
جاءت السنوات والقراءات لتكشف لي عن صدقه؛ فقد كان مشغولًا بما وراء الحكم من آلة
إنتاجه، وبما وراء الخلاف من مأخذه، وبما وراء الفرع من أصله، وبما وراء اللفظ من
دلالته، وبما وراء التطبيق من مناطه؛ ولهذا مضت أكثر من عشرين سنة على تلك
المناقشة وما تزال بعض ملاحظاته تتردد أصداؤها في أذني، وأجدني أنتفع بها في بحثي
وتدريسي ونظري؛ وكأنَّ الأستاذَ الحقَّ لا ينتهي درسُه بانفضاض المجلس، وإنما تبدأ
بعضُ دروسه الأعمق بعد أن يمضي كل واحد من المجلس إلى طريقه.
وكانت المناقشة
في ظاهرها نهاية مرحلة علمية من حياتي، لكنها في علاقتي به كانت البداية؛ تعددت
زياراتي لبيته العامر في حدائق المعادي، واتسعت مساحاتُ الحديث، وصرت أراه أستاذًا
وشيخًا وإنسانًا، لا عضوًا سابقًا في لجنة علمية، وكان لكل زيارة شيء يبقى بعدها،
كلمة في العلم، أو ذكرى من التاريخ، أو موقف من الحياة، أو لمحة أدبية، أو معنى
إنساني، وهكذا تراكمت صورتُه في النفس على مهل، لا من كتاب واحد قرأته له، ولا من
مجلس عابر جمعني به، وإنما من صلة امتدت قرابة عقدين، رأيت خلالها العالم خارج
كتابه، والفقيه خارج قاعة الدرس، والإنسان وراء الألقاب والمناصب.
وكان آخر تواصل
بيننا في فبراير سنة 2023م، ثم حالت ظروف المرض وما يكتبه الله لعباده من أقدار
دون ما ألفته من قربه ومجالسه، وبقيت صورتُه في نفسي على الهيئة التي عرفته بها؛
هادئًا في حديثه، عميقًا في نظره، رقيقًا في شعوره، عزيز النفس، قريبًا ممن أحب،
يحمل علمه من غير ضجيج، ويحمل تاريخه من غير أن يتخذه وسيلة إلى الاستطالة على
الناس، حتى جاء الخامس عشر من سبتمبر 2026م يحمل الخبر الذي لا يتهيأ له قلب محب،
خبر رحيله عن هذه الدنيا الفانية!
غير أن الصلة
بالعلماء لا تنقطع على الصورة التي تنقطع بها سائرُ الصلات؛ فالأستاذ الذي أعطاك
معلومة قد يغيب حين تُنسى معلومتُه، أما الذي ترك في طريقة تفكيرك شيئًا من عقله،
وفي ذائقتك العلمية شيئًا من ميزانه، وفي ضميرك شيئًا من أدبه، فإنه يغيب جسدًا
وتظل له فيك حياةٌ أخرى؛ ولهذا لم يكن رحيل الدكتور عبد اللطيف عامر بالنسبة إليَّ
خبر وفاة أستاذ ناقشني قبل أكثر من عشرين عامًا، وإنما رحيل رجل دخل حياتي من باب
رسالة علمية، ثم أقام في مساحة أوسع من الرسائل والدرجات والمناقشات؛ دخل أستاذًا،
وبقي شيخًا، ورحل وقد ترك في القلب محبة، وفي العقل أثرًا، وفي الذاكرة صوتًا لا
يزال يتردد صداه في وجداني!
ابن دار العلوم.. رحلة التكوين والعلم والمؤسسة
وُلِد عبد
اللطيف محمد محمد عامر سنة 1931م في قرية العزيزية التابعة لمركز منيا القمح
بمحافظة الشرقية، وبدأ تكوينه من الطريق الذي بدأ منه كثير من علماء جيله؛
الكُتَّاب والقرآن، فحفظ كتاب الله على يد الشيخ محمد القلاوي وهو في الحادية عشرة
من عمره، ثم انتقل إلى مدرسة العزيزية للتعليم الأولي، ومنها إلى مدرسة المعلمين
بالزقازيق، وتخرج فيها سنة 1947م، ليبدأ حياته العملية مدرسًا للغة العربية بوزارة
المعارف؛ وكان لهذا البدء المبكر بالتعليم دلالته في مسيرته، فقد عرف الفصل
والتلميذ واللغة قبل أن يعرف المدرج الجامعي والبحث والمناقشات، ودخل إلى العلم من
باب التعليم قبل أن يدخله من باب الأستاذية، وظل شيء من المعلم الأول ساكنًا في
الأستاذ الجامعي حتى آخر عهده بالتدريس.
غير أن المسار
المهني المبكر لم يستنفد طموحه العلمي، فواصل تعليمه حتى حصل على الثانوية العامة
سنة 1951م، ثم اتجه إلى دار العلوم، ولم تكن الكلية يومئذ مجرد مؤسسة تمنح شهادة
في العربية أو الشريعة، وإنما كانت صاحبة تكوين مخصوص تتجاور فيه علوم العربية
وآدابها مع علوم الإسلام وشريعته؛ اللغة والأدب إلى جوار الفقه والأصول، والتفسير
والحديث إلى جوار التاريخ والثقافة، ولذلك لا تبدو دار العلوم في سيرة عبد اللطيف
عامر محطة دراسية عادية، بل كانت مفتاحًا لفهم تركيبه العلمي اللاحق؛ ففيها تهيأت
الأرضية التي سيتجاور عليها الفقيه والأصولي والأديب والشاعر، من غير أن يطغى أحد
هذه الوجوه على سائرها.
وقد ترك عامر
نفسُه شهادةً نفيسة على تلك المرحلة في مقالته التي كتبها بعد عقود يَرثي فيها
رفيق دربه الدكتور جابر قميحة؛ فذكر أن سنة 1952م شهدت فتح باب الالتحاق بدار
العلوم أمام الحاصلين على الثانوية العامة بعد مسابقة للقبول، وأن الدفعة الأولى
ضمت أسماء من بينها فاروق شوشة وأحمد سيف الإسلام حسن البنا، ثم جاءت دفعة سنة
1953م، وفيها جابر قميحة وحسين الترساوي وعبد اللطيف عامر؛ وهذه الشهادة الذاتية
ترجح أن التحاقه بالكلية كان سنة 1953/1954م، وأن تخرجه كان سنة 1957/ 1958م.
ولم تكن دار
العلوم في تلك السنوات قاعاتٍ للدراسة وحدها؛ كانت مصرُ تموج بتحولات سياسية
وفكرية كبرى، وكانت الجامعةُ إحدى ساحات التفاعل الثقافي واختبار الأفكار
والمواقف، وقد عبَّر عامر نفسه عن قيمة ذلك المناخ بقوله: "في مثل هذا المناخ
المتجدد ينشأ الفكر وينشط العقل ويستنشق الجيل حريته ويعرف ذاته"؛ وهي عبارة
تتجاوز وصف مرحلة جامعية إلى الكشف عن شيء من تصوره لتكوين العقل، فالفكر لا يشتد
عوده في بيئة الخمول والانغلاق، وإنما بالحوار والاحتكاك والاختلاف ومواجهة
الأسئلة الحقيقية
وفي هذا المناخ
توثقت صلته بجابر قميحة وحسين الترساوي وغيرهما من أبناء جيله، وشارك في النشاط
الثقافي الذي عرفته الكلية، ومن ذكرياته عن تلك الأيام ما سماه "حديث
الثلاثاء"، وهو لقاء ثقافي وفكري داخل دار العلوم استلهم أصحابُه تجربةً كانت
معروفة آنذاك في محيط الإخوان المسلمين، وقد اقترح حسين الترساوي أن يقدم عبد
اللطيف عامر جابر قميحة في أولى جلساته؛ ثم جاءت أحداث سنة 1954م، فإذا عامر، كما
عبَّر عن نفسه بعبارته الموجزة الثقيلة: "وجدت نفسي في السجن الحربي"!؛
وهكذا دخلت المحنةُ في تكوينه وهو لم يفرغ بعد من دراسته الجامعية، وأصبحت جزءًا
من ذاكرته ووجدانه، ومن خبرته المباشرة بمعاني الظلم والحرية والكرامة.
وقد وجدت تلك
التجربة طريقها إلى شعره، وفي مقدمة ما حفظها قصيدته «إلى جلاد!» التي ظلت حاضرة
في ذاكرته بعد عقود؛ غير أن أهمية هذا الجانب في مرحلة التكوين ليست في تفاصيل
القصيدة التي سيأتي الحديث عنها، وإنما في أنه يكشف مبكرًا عن تداخل التجربة
الإنسانية والتكوين الأدبي في شخصية الفقيه؛ فالشعر لم يكن ثقافة مضافة إلى تخصصه،
بل إحدى اللغات التي عبَّر بها عن خبرته بالحياة، ثم ظل هذا الحس الأدبي مصاحبًا
له حتى أصدر ديوانيه «هكذا كنا نقول» و«أوراق متناثرة»، وظهر أثر صاحب اللغة في
نثره ووفائه لأصحابه وطريقته في التعبير عن الإنسان.
وبعد تخرجه ظل
وفيًّا للتعليم وهو يشق طريقه في الدراسات العليا في الشريعة الإسلامية؛ وكانت
الرحلة طويلة حتى حصل على الماجستير سنة 1977م، ثم الدكتوراه سنة 1979م، وهو يومئذ
يحمل وراءه خبرة ممتدة في التعليم والحياة، قبل أن تفتح له الدرجتان باب العمل
الجامعي المتخصص؛ ومع الدراسات العليا انتقلت الشريعة من مكوِّن رئيس في ثقافته
الدرعمية إلى محور مشروعه الأكاديمي، وبدأت ملامحُ الباحث المتخصص تتشكّل فوق
طبقات سابقة من القرآن والعربية والأدب والتعليم والتجربة الإنسانية.
وكانت أطروحته
للدكتوراه في "أحكام الأسرى والسبايا في الحروب الإسلامية" بإشراف
الأستاذ الدكتور محمد سلام مدكور، ثم نشرت في كتاب سنة 1986م؛ ويكشف اختيار
الموضوع في مرحلة التكوين البحثي العليا عن أسئلة ستلازمه طويلًا؛ الفقه المقارن،
والعلاقة بالقانون الدولي، وأحكام الحرب والسلم، ومجال تصرف السلطة والمصلحة،
والنظر في التراث الفقهي على ضوء تغير الواقع والعلاقات الدولية؛ ولهذا يمكن النظر
إلى الأطروحة بوصفها إحدى البذور المبكرة للمشروع الذي ستتسع دوائرُه في مؤلفاته
اللاحقة، من غير حاجة هنا إلى استباق تفصيل منهجه فيها.
ثم انتقل إلى
العمل الجامعي في الشريعة الإسلامية، وارتبط اسمه بكلية الحقوق في جامعة الزقازيق
حتى تولى رئاسة قسم الشريعة فيها، كما تولى رئاسة قسم الشريعة الإسلامية بكلية دار
العلوم في جامعة الفيوم؛ وتكشف الحركة بين دار العلوم وكلية الحقوق عن بعد مهم في
تكوينه، فقد جمع بين فضاء العلوم الشرعية والعربية وفضاء الدراسة القانونية
الحديثة، وأفاد من لغة القانون وتقسيماته ونظرياته من غير أن يُفقد الفقهَ
استقلاله المعرفي، أو يُذيبه في البناء القانوني الحديث.
وفي سنة 1982م
اتسعت تجربتُه خارج مصر، فانتقل إلى باكستان في تجربة علمية ومؤسسية ارتبطت
بالجامعة الإسلامية العالمية في إسلام آباد، وأسهم في مرحلتها التأسيسية، وعمل
أستاذًا للشريعة ثم عميدًا لكلية الشريعة، واستمرت تجربته هناك حتى عاد إلى مصر
سنة 1992م؛ وكانت إسلام آباد أوسع من اغتراب وظيفي، فقد التقى فيها مجددًا رفيقَ
دربه جابر قميحة، وعمل في بيئة جامعية إسلامية دولية تتقاطع فيها الشريعة والقانون
والفكر والسياسة والاقتصاد والآداب، وهي تجربة أضافت إلى تكوينه المحلي أفقًا
أرحبَ في النظر إلى العالم الإسلامي ومؤسساته وقضاياه.
وإلى جانب
التدريس والبحث والإدارة، كان حاضرًا في العمل العلمي الجماعي، فشارك في الموسوعة
الفقهية التي أصدرتها وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية في الكويت، وأسهم كذلك في
موسوعة أحكام المرأة والطفل في الإسلام؛ ولهذه المشاركة دلالتها في مسيرة عالم
واسع الإنتاج الفردي؛ لأنها تكشف عن جانب آخر من صناعته العلمية؛ العمل داخل مشروع
مرجعي جماعي يقتضي التحرير والاستيعاب والدقة والقدرة على بناء المعرفة في صورة
تتجاوز الكتاب الفردي إلى المرجع الذي تشترك في صناعته عقول متعددة.
وهكذا لا تبدو
مسيرتُه مجموعة محطات وظيفية متجاورة، بل طبقات من التكوين أخذ بعضُها برقاب بعض؛
القرآن أسس المرجعية والوجدان، والعربية صقلت اللسان والحس الأدبي، ودار العلوم
جمعت له بين الشريعة واللغة، والتعليم المبكر رسّخ فيه شخصيةَ المعلم، والمحنة
أضافت إلى معرفته بالحياة خبرة قاسية بمعاني القهر والكرامة، والدراسات العليا
صنعت الباحث المتخصص، وكلية الحقوق فتحت له مجال المقارنة القانونية، وإسلام آباد
وسّعت أفقه المؤسسيَّ والإسلامي، والعمل الموسوعي درّبه على صناعة المعرفة
الجماعية؛ ولم تُلغ طبقةٌ منها ما قبلها، بل انضمت إليها حتى اكتملت منها شخصيةٌ
متعددةُ الأبعاد.
وهذا، في
تقديري، هو المعنى الأعمق لكون عبد اللطيف عامر ابنًا لدار العلوم؛ لم تكن الدار
شهادةً في سيرته، بل كانت روحًا في تكوينه، تحفظ الصلة بين الشريعة ولسانها، وبين
الفقه وأدبه، وبين صرامة التحقيق وسعة الثقافة؛ ومن هذه التربة خرج العالم الذي
ستتوزع مؤلفاته بعد ذلك على ميادين كثيرة، لكننا إذا تجاوزنا عناوينها إلى ما
وراءها وجدنا بينها عقلًا له طريقتُه الخاصة في السؤال والنظر، وهو العقل الذي
يقتضي أن نقف عنده الآن وقفة مستقلة.
فيلسوف الفقه.. ملامح العقل العلمي عند عبد اللطيف عامر
كلما أعدت النظر
في مؤلفات أستاذنا الدكتور عبد اللطيف عامر ازددت يقينًا بأن العبارة التي استقرت
في نفسي منذ مناقشته لرسالتي سنة 2005م لم تكن أثرًا عابرًا لهيبة المجلس، ولا
مبالغة تلميذ في أستاذ أحبه؛ فقد قلت يومها: لم يكن مجرد فقيه، وإنما كان فيلسوفًا
في الفقه؛ كان فقيهًا في الفقه، ثم جاءت قراءةُ إنتاجه لتكشف أن ما لمحتُه في
ساعات من المناقشة هو نفسه ما وزعه الرجل على عقود من البحث والتدريس والتأليف؛
فالفقيه قد يعرف الأحكام، ويحسن عرض الخلاف، ويتقن الترجيح بين الأقوال، أما ما
أسميه فيلسوف الفقه فهو الفقيه الذي يجعل الفقه نفسَه موضوعًا لفقهه؛ ينفذ وراء
الحكم إلى العقل الذي ينتجه، ووراء الخلاف إلى المآخذ التي أنشأته، ووراء الفروع
إلى الأصول والكليات التي تنتظمها، ووراء التنزيل إلى المقصد والواقع والمآل.
وأولى سمات هذا
العقل تحرير المفهوم قبل بناء الحكم عليه؛ فكأن عامر كان يرى أن كثيرًا من فساد
النتائج يبدأ من اضطراب التصورات، وأن الحكم على شيء لم تتحرر حقيقته ضرب من السير
في الضباب؛ ولذلك تتكرر في كتبه العناية بالتعريف والفروق والمصطلحات، فيفرق بين
الشريعة والفقه، وبين القاعدة الأصولية والقاعدة الفقهية، وبين السنة والحديث،
ويحرر مفاهيم الحق والمال والملك والعقد، ويميز بين الوصية والإيصاء والوصاية،
وبين الحرب والجهاد والقتال، ويقف في أبواب المعاملات عند حقيقة العقد قبل ترتيب
آثاره؛ ولم تكن هذه العناية بالمصطلح ترفًا مدرسيًّا، بل جزءًا من صناعة الحكم
نفسه؛ إذ إن سلامة الحكم عنده تبدأ من سلامة التصور، وسلامة التصور تبدأ من تحرير
اللغة التي نعبر بها عنه
ويعقب تحرير
المفهوم عنده تصوير المسألة وتحرير محل النزاع؛ فلا قيمة لاستدعاء الأقوال قبل
معرفة ما الذي اختلف فيه أصحابها على وجه الدقة، وما المتفق عليه، وما موطن النظر،
وهل مرد الاختلاف إلى النص، أو إلى دلالته، أو إلى ثبوته، أو إلى قاعدة أصولية، أو
إلى تصور الواقعة نفسها؛ ولهذا لم يكن الخلاف الفقهي عنده جدولًا من الأقوال
المتجاورة، وإنما نافذة يرى من خلالها الآليات التي أنتجت تلك الأقوال
ومن هنا كان
الفقه المقارن أداةً لاكتشاف العقل الفقهي، لا معرضًا للمذاهب؛ فقد اتسعت مراجعُه
للمذاهب الأربعة وغيرها، واستحضر أقوال الظاهرية والزيدية والإمامية وطوائف من
السلف، لكنه لم يكن معنيًّا بتكثير الأسماء بقدر عنايته بالسؤال الكامن خلفها:
لماذا قال كل فريق ما قال، وما الأصل الذي صدر عنه، وما وجه استدلاله، وكيف أنتج
اختلاف التصور أو القاعدة اختلافًا في الفروع؛ وبذلك يصبح الانتقال بين المذاهب
تدريبًا على فهم إمكانات النظر الفقهي، وتحريرًا للعقل من أسر الصورة الواحدة، من
غير أن ينقلب إلى تلفيق أو انتقاء بلا معيار.
وفي قلب هذه
الصناعة كان أصول الفقه آلةً عاملة، لا مادة محفوظة؛ كتب في الأدلة والأحكام
والدلالات والاجتهاد، لكنه لم يترك الأصول في كتب الأصول، بل حملها معه إلى
المسألة التطبيقية؛ يفحص الثبوت والدلالة، ويميز العام من الخاص، ويختبر القياس
وعلته، ويناقش دعوى الإجماع، وينظر في التعارض والجمع والترجيح، ويرد الحكم إلى
الأصل الذي صدر عنه؛ ولذلك لم يكن أصول الفقه عنده علمًا يقف خارج العملية الفقهية
ليمنحها شرعيتها بعد اكتمالها، وإنما العقل الداخلي الذي تتحرك به هذه العمليةُ
منذ تصور المسألة حتى بناء الحكم.
ويأتي كتابه
"ضوابط التفكير الفقهي" كاشفًا – مع كتبه الأخرى - عن جوهر هذا المشروع؛
فموضوعه ليس مجموعة جديدة من المسائل، وإنما العقل الذي يُنتج المسائل والأحكام،
وغايته تكوين «الملكة الفقهية»، والملكة لا تصنعها كثرة المحفوظ وحدها، بل طول
المران على رد الفروع إلى أصولها، والجزئيات إلى كلياتها، وتمييز النظائر من
الفروق، ووضع المصالح في مراتبها، والنوازل في سياقاتها؛ ولذلك كانت القواعدُ عنده
أدوات تضبط حركة العقل، وكانت المقاصد تمنح هذه الحركة وجهتها، حتى يمكن تلخيص
جانب من فلسفته بقولنا: القواعد تضبط حركة العقل، والمقاصد تضبط وجهة النظر.
وهذه الملكة لا
تستقيم إلا بتوازن بين الاستقلال والانضباط؛ فلم يكن يريد عقلًا أسيرًا للموروث
يعجز عن مساءلة أدلته ومآخذه، ولا عقلًا يتخذ من الاجتهاد اسمًا للتحرر من مقتضيات
الدليل؛ ولذلك كانت الحريةُ العلمية عنده حريةً داخل المنهج لا خروجًا عليه، وكان
توقير التراث لا يعني عصمة الاجتهادات البشرية، كما لم يكن استدعاء المصلحة طريقًا
لتجاوز النص أو تعطيل القطعي؛ ويمكن تلخيص هذا التوازن في معادلة تكاد تكون
مفتاحًا لعقله: لا اجتهاد بلا حرية في النظر، ولا حرية فقهية بلا ضوابط.
ومن سماته كذلك
القدرة على الصعود من الفروع إلى النظريات ثم العودة بالنظرية إلى الفروع؛ وهو ما
يتجلى بوضوح في انتقاله من أحكام جزئية متناثرة إلى بناء «نظرية الحق» و«نظرية
العقد»، حيث يبحث عن المفاهيم والعلاقات الكبرى التي تنتظم مسائل كثيرة؛ الحق
وصاحبه، والأهلية، والمال، والملكية، والإرادة، والرضا، والعقد وآثاره، ثم يعود
بهذه البنية إلى الوقائع والتطبيقات؛ وهذه الحركة بين الجزئي والكلي من أبرز ما
يميز عقلًا لا يكتفي بأن يعرف الأحكام منفردة، وإنما يريد أن يرى الهندسة التي
تنتظمها.
ولهذا كان ردُّ
الجزئي إلى الكلي أصلًا متكررًا في نظره؛ فالحكم المفرد لا يعيش عنده معزولًا عن
شبكة القواعد والمقاصد، والمصلحةُ الجزئية لا تُقرأ بعيدًا عن مراتب المصالح،
والوسيلةُ لا تنفصل عن غايتها، والتصرفُ لا يُستكمل النظر فيه من غير اعتبار مآله؛
والشريعة - بهذا المعنى - ليست ركامًا من أجوبة متجاورة، وإنما بناءٌ تتساند
أجزاؤه ويحرس بعضُه بعضًا، ولا يُفهم الجزء فيه على وَجهه إلا إذا عرف موضعه من
الكل.
لكن الكليات عنده
لم تكن طريقًا للهروب من الواقع؛ فقد اقترنت بها عناية واضحة بـتصوير الواقع
وتحقيق المناط، فالنازلة الجديدة لا يكفي أن نبحث لها عن شبيه قديم ثم ننقل حكمه
إليها، وإنما ينبغي أن نعرف حقيقتها ووظيفتها وملابساتها وما تغير فيها؛ ولهذا
ناقش في مؤلفاته صورًا حديثة في التعاقد والتوثيق والقبض، وتعامل مع اختيارات
القانون المعاصر، واستحضر القانون الدولي في بعض أبحاثه، وميز بين الحكم التشريعي
العام والتصرف المرتبط بالسياسة والمصلحة؛ فلم يكن الواقع عنده سيدًا على النص،
كما لم يكن النصُّ ذريعةً إلى إعفاء الفقيه من فقه الواقع.
وهنا يظهر بُعدٌ
آخرُ مهمٌّ في فلسفته، هو الانتقال من الحكم إلى وظيفة الحكم؛ فلم يكن السؤال عنده
ينتهي عند «ما حكم الشرع؟»، بل يمتد إلى ما الذي يحفظه هذا الحكم، وما المصلحة
التي يقيمها، وما الضرر الذي يدفعه، وما الوسائل التي تضمن فاعليته؛ فالحق يحتاج
إلى ما يصونه، والعقد إلى ما يحقق استقراره، والأسرة إلى ما يقيها أسباب النزاع،
والقوة إلى ما يقيدها حتى لا تنقلب عدوانًا؛ وبهذا يتجاوز الفقه وظيفة الفصل في
الوقائع بعد حدوثها إلى وظيفة أسبق هي الوقاية والحماية وبناء شروط الاستقامة في
حياة الناس.
وتكشف أطروحته
المبكرة في "أحكام الأسرى والسبايا في الحروب الإسلامية" أن بذور هذه
الطريقة كانت حاضرة منذ مرحلة التكوين البحثي؛ فقد اجتمع فيها الفقهُ المقارن
والقانونُ الدولي والسياسةُ الشرعية والمصلحةُ وسلطةُ الإمام والتمييزُ بين الحكم
الثابت والتصرف التنفيذي المتغير، ثم عاد بعد عقود إلى مجال الحرب في كتابه «القيم
الخلقية في الحروب الإسلامية» من زاوية أخرى تتقدم فيها أسئلةُ الأخلاق والعدل
والوفاء وضبط القوة؛ فكأن المسألة الواحدة كانت قابلة عنده لأن يُعاد فتحُها كلما
اتسعت أدواتُ النظر، لا لتكرار الجواب، بل لاكتشاف طبقة أخرى من طبقاتها.
وإذا أردنا أن
نجمع هذه السمات المتعددة في مسار منهجي واحد، أمكن القولُ إن طريقته في النظر
كانت تتحرك غالبًا عبر حلقات متساندة، تبدأ بضبط التصور، وتنتهي بالنظر في عواقب
الحكم وآثاره:
تحرير المفهوم ←
تصوير المسألة ← تحرير محل النزاع ←
استيعاب الأقوال ← كشف مآخذها ←
تحليل الأدلة ثبوتًا ودلالة ← رد الفروع
إلى الأصول والكليات ← استحضار المقاصد والمصالح ←
تحقيق المناط في الواقع ← اعتبار المآلات.
وليس المراد أنه
كان يلتزم هذه المراحل في كل بحث التزامًا شكليًّا، أو يرتبها دائمًا على هذا
النسق، وإنما هي الخيوط المنهجية التي تتكرر في مؤلفاته، وتتضافر حتى ترسم، من
مجموع مشروعه، صورةً واضحة لطريقته في صناعة النظر وبناء الحكم الفقهي.
وعند هذا الحد
يتضح المقصود بوصفه "فيلسوف الفقه"؛ فليس المراد إلباس الرجل لقبًا
فلسفيًّا غريبًا عن تخصصه، وإنما وصف مستوى اشتغاله بالفقه؛ لقد كان معنيًّا
بالأحكام، ولكنه كان أشد عنايةً بالعقل الذي يفهمها، والمنهج الذي يُنتجها،
والكليات التي تنظمها، والمقاصد التي توجهها، والواقع الذي يمنحها مجال العمل؛
وهذا هو المعنى نفسه الذي قصدتُه قبل أكثر من عشرين عامًا حين خرجتُ من مجلس
مناقشتي أقول: إنه فقيه في الفقه!
ومن هنا أيضًا
يمكن فهم سر الأثر الذي تركتْه ملاحظاتُه يومئذ في نفسي؛ فقد كان يسأل الباحث عن
الطريق قبل أن يحاكم النتيجة، وعن التصور قبل أن يناقش الحكم، وعن الأصل الذي أقام
عليه الفرع، ولذلك لم تنته قيمة أسئلته بانتهاء الرسالة أو المناقشة، بل تحولت إلى
شيء من أدوات النظر التي استصحبتها بعد ذلك في البحث والتدريس؛ ولعل هذه الصلة بين
صناعة النظر في كتبه وصناعة الناظر في طلابه هي أجمل ما يصل هذا الوجه من شخصيته
بالوجه الآخر الذي سنراه في سيرته العلمية والإنسانية.
الفقيه الشاعر.. لغة الأدب وروح الفقه
لم يكن الشعر في
حياة الأستاذ الدكتور عبد اللطيف عامر نافلةً يتخفف بها الفقيه من صرامة المسائل،
ولا استراحةً يلجأ إليها الأصولي بعد طول النظر في الأدلة والدلالات؛ كان بعضًا من
تكوينه، ولغةً ثانية لروحه، ونافذةً يطل منها الإنسان الكامن وراء العالم؛ ولذلك لم
يكن غريبًا أن يصفه بعض من كتب عنه بـ«الفقيه الشاعر»، وأن يقول فيه أستاذنا
الدكتور عبد الرحمن سالم في رثائه: إنه كان "عالمًا مدققًا وأديبًا مرهف
الحس"؛ فالتدقيق والرهافة اللذان قد يبدوان صفتين متباعدتين اجتمعا فيه
اجتماعًا خصبًا، فلم تقتل فيه دقةُ الفقيه حساسيةَ الأديب، ولم تحمل رقةُ الشاعر
عقلَ الأصولي على التسيب، وإنما أعطى الفقهُ الأدبَ ميزانًا، وأعطى الأدبُ الفقهَ
لسانًا وروحًا.
وأصدق الشعر ما
خرج من حياة صاحبه قبل أن يدخل ديوانه؛ وقصيدة "إلى جلاد!" من هذا
اللون؛ حيث وُلدت من تجربة السجن الحربي التي عاشها عامر شابًّا، فحملت حرارةَ
المحنة ومرارة القهر وكبرياء النفس التي تتألم ولا تستسلم؛ وقد مر بنا كيف ظل
النصُّ حيًّا في ذاكرته حتى أملاه عليَّ بعد عقود، غير أن الذي يعنينا هنا ليس
ذكرى المجلس، وإنما ما تكشفه القصيدة من تكوين صاحبها؛ فقد استطاع الشعر أن يحفظ
من التجربة ما لا تحفظه التواريخ والأخبار، وأن ينقل الواقعة من حدود السيرة
الشخصية إلى معنى إنساني أوسع في الظلم والكرامة والمقاومة
يقول:
الليل يا جلاد
هائمْ .. والسجن يطفح بالمظالمْ
ويقول:
وانشق صمت الليل
عن .. دمعٍ وآهاتٍ حزينةْ
فالليل لا يبقى
ظرفًا للحدث، بل يكاد يصير شريكًا للمسجونين في وحشتهم، والصمت لا يلبث أن ينشق عن
الدموع والآهات؛ ثم لا يستقر النص عند تصوير الألم، وإنما يتحول به إلى معنى
المقاومة، فتغدو الأجسادُ المعذبة موطنًا لكرامة يأبى الجلادُ أن يبلغها وإن بلغها
سوطه:
كل الصدور
تمردتْ ... وتطاولت كل الرقابْ
ثم يستدعي
الشاعر من الذاكرة القرآنية النموذج الأشهر للطغيان، فيخاطب جلاده:
فرعون يا جلاد
يقرئك التحية والسلامْ
وليس حضور فرعون
هنا استعارة أدبية عابرة؛ فالقرآن كان أقدم طبقات تكوين عبد اللطيف عامر؛ حيث حفظه
طفلًا ثم صحبه عالمًا وفقيهًا وأستاذًا، فغدت صورُه وقصصُه وموازينه جزءًا من
طريقته في رؤية الإنسان والتاريخ؛ وهنا تلتقي في أبيات قليلة ذاكرةُ الحافظ،
ووجدان الشاعر، وتجربة السجين، وإيمان الفقيه، ويغدو الطغيان نمطًا يتكرر وإن
تغيرت الأسماء، كما تصبح مقاومته معنى يتجاوز الواقعة التي أنشأت القصيدة.
ولم تكن «إلى
جلاد!» نزوة يتيمة في حياة عالم شغلته كتبُ الفقه؛ فقد خلَّف ديوانين هما
"هكذا كنا نقول" و«أوراق متناثرة»، وهو ما يحتاج مقالًا مستقلًّا، وكان
الأدب حاضرًا كذلك في نثره، ولا سيما حين يكتب عن الأصدقاء والفقد والوفاء؛ ففي
رثائه لجابر قميحة يقول: "فإن الموت رهبة لا نقدر على دفعها، وإن للفراق لوعة
لا نستطيع ردها"؛ وهي عبارة يلتقي فيها صدق الشعور بحسن السبك، وتكشف أن
الرجل لم يكن يستعمل اللغة وعاءً محايدًا للمعنى، وإنما كان يشعر بجرسها وظلالها
وقدرتها على حمل التجربة الإنسانية.
وهنا يتجاوز
الحديث خصوصية عبد اللطيف عامر إلى معنى أراه وثيق الصلة بتكوين الفقيه نفسه؛ فقد
آمنت من قديم أن طالب علوم الشريعة، مهما اتسع حفظه لمسائل الفقه وقواعد الأصول،
يعسر عليه أن يبلغ مرتبة البراعة والإبداع ما لم يكن له من العربية وآدابها نصيب
وافر؛ فالفقه فهم لخطاب، وأصول الفقه في جانب عظيم منه علم بدلالاته وطرائق
استنباط المعنى منه، والقرآن نزل ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾، والسنة جاءت في
الذروة من البيان؛ وقد يختبئ الفرق بين معنى وآخر، بل بين حكم وآخر، في حرف أو قيد
أو تركيب أو عرف من أعراف الاستعمال، ومن ضاقت لغته ضاق عليه بعض أفق الفهم وإن
كثرت محفوظاته. على أن فضل الأدب على الفقيه لا يقف عند إحكام اللغة والعبارة، بل
يربي فيه دقة الإحساس بالمعنى، والتقاط الفروق، وحسن تصور الوقائع، والنفاذ إلى
أحوال النفس، ورؤية الإنسان داخل المسألة؛ فالفقيه يتعامل مع بشر وحياة، لا مع
فروض منطقية باردة، والأدب يوسع خبرته بالإنسان كما يوسع قدرته على فهم اللغة التي
يحملها الدليل.
وتاريخ علومنا
شاهد على هذا التداخل؛ فعربية الشافعي وبيانه كانا من صميم آلته في فهم خطاب
الشارع، وأقام الشاطبي جانبًا أصيلًا من بنائه الأصولي والمقاصدي على لسان العرب
ومعهود خطابها، وجمع محمد الطاهر ابن عاشور بين التفسير والأصول والمقاصد ورسوخ
القدم في العربية وعلومها وآدابها؛ وليس المراد أن يكون كل فقيه شاعرًا، وإنما أن
العقل الشرعي المبدع يحتاج إلى لسان واسع، وذائقة دقيقة، وبصيرة بالإنسان والحياة؛
فاللغة ليست زينةً للفقه بل بعض آلته، والأدب ليس ترفًا خارجًا عنه، بل رافد يثري
فهم النص والواقع والإنسان.
ومن هذه الزاوية
يتجلى أثر دار العلوم في عبد اللطيف عامر مرة أخرى؛ لا بإعادة ما سبق من تاريخ
تكوينه، وإنما بالنظر إلى ثمرة ذلك التكوين، فقد نشأ في بيئة لم تجعل العربية
والشريعة عالمين متخاصمين، بل جعلت اللسانَ جزءًا من آلة فهم الوحي؛ ولذلك لا
أستغرب أن تجتمع عنده دقةُ المصطلح مع جمال العبارة، ولا أن يصحب الحس بالإنسان
بحثه في الأسرة والحقوق والقيم والحرب، فالأدب لا يصنع الحكم الشرعي ولا يقوم مقام
الدليل، ولكنه يمنح صاحبه حساسيةً أعلى باللغة التي يحملها الدليل، وبالإنسان الذي
يتوجه إليه الحكم.
وهنا نفهم شيئًا
من الوحدة الداخلية في شخصية عامر؛ لم يكن فقيهًا في غرفة وشاعرًا في أخرى، ولا
كان يخلع عقل الأصولي إذا نظم الشعر، أو يترك وجدان الأديب خارج الصفحة إذا كتب في
الفقه؛ كان إنسانًا واحدًا متعدد الملكات، منحه القرآنُ مرجعيتَه ووجدانه،
والشريعةُ ميزانها، والعربيةُ لسانَها، والأدبُ رهافةَ الحس بالمعنى والإنسان،
والتجربةُ حرارةً لا تصنعها الكتب؛ فحمل شعرُه شيئًا من قيم الفقيه، وحمل فقهُه
شيئًا من بصيرة الأديب.
ولذلك ازددت،
كلما قرأت أستاذي واستعدت مجالسه، إيمانًا بأن علوم الشريعة لا تستغني في بلوغ ذرى
الإبداع عن علوم العربية وآدابها؛ فالفقه إذا افتقر إلى اللغة ضاق بعض أفقه،
والأصول إذا انفصل عن البيان فقد بعض آلته، والعالم إذا اتسعت ملكتُه اللغوية
والأدبية اتسعت قدرته على استنطاق النص وتمييز الفروق وتصوير الواقع وفهم الإنسان؛
وكان عبد اللطيف عامر شاهدًا حيًّا على ذلك، اجتمعت فيه صرامةُ العلم ورقةُ الأدب،
ودقة النظر وجمال البيان، حتى صح فيه ذلك الوصف الموجز الدال: "الفقيه
الشاعر".
المقاصد والقيم.. لماذا شُرع الحكم؟
إذا كان السؤال
الذي كشف لنا جانبًا كبيرًا من عقل عبد اللطيف عامر هو: كيف يفكر الفقيه؟ فإن
وراءه سؤالًا آخر يمنح التفكير وجهته: لماذا شُرع الحكم؟ فالشريعة ليست عنده
صناعةً محكمة للاستدلال تنتهي مهمتها عند صحة النتيجة، وإنما هداية تقصد إلى إصلاح
الإنسان والحياة؛ ولذلك لا يكتمل فقه الحكم بمعرفة دليله وكيفية استنباطه، بل
بالنظر كذلك إلى موقعه من البناء الكلي للشريعة، والمصلحة التي يرعاها، والمفسدة
التي يدفعها، والقيمة التي يحرسها، والإنسان الذي يتوجه إليه.
ومن هنا لم تكن
المقاصد في مشروعه اهتمامًا متأخرًا أضيف إلى أعماله، وإن أفرد لها بحثًا في
"مقاصد الشريعة عند الشاطبي"، بل كانت طريقة في رؤية التشريع؛ وقد وجد
في الشاطبي عقلًا يلتقي معه في النظر إلى الشريعة بوصفها بناءً تتساند أجزاؤه، فلا
تُقرأ الأحكام منفردةً عن كلياتها، ولا التكليف بعيدًا عن حكمته، ولا فعل المكلف
بمعزل عن قصده؛ فالشريعة موضوعة لمصالح العباد في معاشهم ومعادهم، والمصالح نفسها
ذاتُ مراتب، ولا يجوز أن تَهدم مصلحةٌ جزئية أصلًا أعلى منها، كما لا يصح أن تتحول
المقاصدُ إلى سلطة موازية للوحي تُعيد تشكيل أحكامه باسم المصلحة.
ومن هنا أيضًا
كانت "المقاصدية" عنده "مقاصدية منضبطة"؛ توقير النص لا يلغي
العقل المكلف بفهمه، وإعمال العقل لا يمنحه حق الانفلات من النص، والمصلحة لا
تكفيها دعوى النفع حتى تصبح شرعية، والواقع معتبرٌ من غير أن يتحول إلى مصدر يفرض
على الشريعة أن تتبعه؛ ولعل أدق ما يعبر عن هذا التوازن أن نقول: إنه لم يكن يخشى
العقل، وإنما كان يخشى العقل غير المنضبط؛ ولم يكن يخشى المصلحة، وإنما كان يخشى
أن تتحول المصلحة من مقصد تهتدي به عمليةُ الاجتهاد إلى ذريعة يتحلل بها الاجتهاد
من أصوله.
وإذا كانت هذه
الضوابط قد ظهرت في حديثنا عن منهجه في التفكير، فإن ما يَعنينا هنا هو ما وراءها؛
الغاية التي تتجه إليها، فالمقصد عند عامر ليس مجرد أداة ترجيح بين قولين، وإنما
نافذة على الحكمة التي ينتظم بها التشريع؛ ولهذا ينتقل مشروعه من سؤال «ماذا يريد
الشرع منا؟» إلى سؤال أعمق: "ماذا يريد الشرع أن يصنع بنا؟"؛ أي إنسان
يريد أن يبني، وأي مجتمع يريد أن يقيم، وأي قيم يريد أن تحكم علاقات البشر بعضهم
ببعض.
وهذا هو الأفق
الذي يتسع له كتاب "القرآن والقيم الإنسانية"؛ فالقرآن فيه ليس مستودعًا
للأحكام الجزئية، وإنما كتاب لبناء الإنسان والعمران، ومن هنا تتجاور فيه الكرامةُ
والعدل والصبر والعفة والتوبة والإخلاص، والأسرة وحقوق الوالدين والأبناء، وحرمة
النفس، ومعنى الحضارة نفسها؛ فالرقي الإنساني لا يقاس بامتلاك المادة والقوة
وحدهما، وإنما بما يقيمه الإنسان من ميزان أخلاقي يضبط القوة والثروة والعلاقة
بالآخر، وبما يحققه من تزكية وعدل وقيام بحق الاستخلاف.
وتبرز الكرامة
الإنسانية في هذا السياق قيمةً مركزية تصل مواضع متباعدة من مشروعه؛ تبدأ من تكريم
بني آدم واستخلاف الإنسان، ثم تظهر في صيانة النفس، وفي بناء الأسرة ورعاية الطفل،
وفي رفض تحويل الإنسان إلى مجرد قيمة اقتصادية، وفي القيود الأخلاقية التي تحكم
استعمال القوة ومعاملة الأسرى وغير المقاتلين؛ وتنوع هذه المجالات هو المهم هنا،
لأنه يكشف أن الكرامة لم تكن عنده عنوانًا نظريًّا في كتاب القيم، بل كلية أخلاقية
تطل برأسها كلما كان الإنسان نفسه محلَّ الحكم، فالإنسان محل التكليف ومحل التكريم
معًا.
ويتصل بالكرامة
مقصدُ تحقيق العدل ورعايته؛ ففي «المدخل إلى دراسة الشريعة الإسلامية» تبدو
الشريعة بناءً يقوم على التيسير وتحقيق المصالح وإقامة العدل، والعدل هنا ليس زينة
أخلاقية تضاف إلى الحكم بعد اكتماله، وإنما معنى يدخل في فهم طبيعة التشريع نفسه؛
وكذلك رفع الحرج ليس استثناءً هامشيًّا، والمصلحة ليست طارئة على الفقه، بل كل ذلك
يكشف عن شريعة تريد أن تقيم حياة الإنسان على ميزان لا يفصل التكليف عن الحكمة،
ولا الحكم عن الغاية التي شرع لها.
ومن أهم لوازم
هذا النظر المقاصدي وعيه بـالثابت والمتغير؛ فقد ميز في «القرآن والقيم الإنسانية»
بين قيم ثابتة تستمد مرجعيتها من الوحي، وبين وسائل وأوضاع وصور اجتماعية تتسع
للعرف والمصلحة والاجتهاد، وهو تمييز يحرس الشريعةَ من خطرين متقابلين: أن يتحول
التاريخ إلى دين فيجمد ما جعله الشرع متغيرًا، أو يتحول الدين إلى تابع للتاريخ
فتذوب ثوابته في تغير الأذواق والأحوال؛ فالثبات للمرجعية والكليات والقيم التي
تقوم عليها هُوية الشريعة، أما صور التنزيل والوسائل وما يتأثر بالأعراف والظروف
فمجاله أرحب للاجتهاد.
وعلى هذا الأساس
يمكن فهم علاقته بالواقع من غير أن نُعيد ما سبق في تحقيق المناط؛ فالواقع عنده
ميدانُ تحقّق المقصد؛ ولذلك لا تكفي صحةُ الحكم في صورته المجردة إذا عجز الفقيه
عن إدراك الملابسات التي يعمل فيها، كما لا يجوز أن تتحول الملابساتُ إلى ذريعة
لتعطيل الأصل؛ وهذه العلاقة هي التي سمحت له أن يجمع بين الوفاء للمرجعية والقدرة
على النظر في تحولات الحياة، وأن يرى في تغير الصور مجالًا للاجتهاد لا تهديدًا
للشريعة.
ويتسع معنى
المقصد عنده حين نقرأ "دراسات في القرآن الكريم" الذي يسميه كذلك «فقه
القرآن الكريم»؛ فالتسمية ذاتها تكشف أن فقه القرآن أوسع من استخراج أحكامه؛ لأن
القرآن كتاب هداية وتزكية وبناء للاجتماع الإنساني؛ ولذلك جمع في دراسته بين علوم
القرآن وأحكام التلاوة وبعض المسائل الفقهية وبين موضوعات أخلاقية واجتماعية، ووقف
عند سورة الحجرات بما تقيمه من أخلاق للتحقق من الأخبار، وصيانة الأعراض، ومنع
السخرية والعدوان، وإصلاح ذات البين؛ فكأن فقه القرآن عنده فقه للهداية قبل أن
يكون فهرسًا للأحكام.
ولا يكتمل هذا
البناءُ بمقاصد الشارع وحدها، بل يمتد إلى مقاصد المكلَّف؛ فقد تستقيم صورة التصرف
بينما يفسد القصد الذي يحركه، وقد تحافظ الحيلة على شكل فقهي ظاهر بينما تهدم
الغاية التي شرع الحكم لتحقيقها؛ ولذلك كانت النية عنده جزءًا من فهم العلاقة بين
ظاهر العمل وحقيقته، وكانت الوسائل تقرأ على ضوء غاياتها، فلا تتحول الأشكال
الفقهية والقانونية إلى ستار يسمح بتحقيق ما جاءت الشريعة أصلًا لمنعه؛ وهنا يلتقي
فقه المقاصد بفقه الضمير؛ لأن الشريعة لا تريد صورة الفعل وحدها، وإنما تستنطق
إرادة الإنسان التي تقف وراءه.
ومن هنا أيضًا
نفهم لماذا لم يجعل المقاصد بديلًا عن أصول الفقه؛ فالمقاصد عنده روح تسري في
العملية الأصولية، وليست طريقًا يلتف عليها، تعرف بالنص والاستقراء والكليات، ثم
تعود لتعين على حسن الفهم والترجيح والتنزيل؛ فلا معنى للصراع المصطنع بين «فقه
النص» و«فقه المقصد»، لأن المقصد الصحيح مستفاد من الوحي، والنص الصحيح فهمًا
واقعٌ داخل نظام تشريعي ذي غايات، وإنما الخلل حين يعزل أحدهما عن الآخر!
وكانت الغاية
النهائية لهذا كله الإنسان؛ فالفقه لا يراد ليكسب صاحبه المناظرة، ولا لتتكاثر به
الفروع في الكتب، وإنما ليشارك في إقامة إنسان أعدل وأزكى وأوفى وأرحم، وأسرة أكثر
سكينة، ومجتمع أصون للحقوق، وسلطة تضبطها الأخلاق، وعلاقات إنسانية لا تسقط قيمها
حتى في ساعة الحرب؛ وعند هذا المستوى تصبح المقاصد جسرًا بين صحة الحكم وصلاح
أثره، وتصبح القيم هي الوجه الذي تظهر فيه حكمة التشريع في حياة الناس.
وهكذا يمكن ردُّ
جانب كبير من مشروع عبد اللطيف عامر إلى حركتين متكاملتين؛ ضبط العقل الذي يفهم
الشريعة، وبناء الإنسان الذي تهديه الشريعة؛ الأولى تحرس طريق الوصول إلى الحكم،
والثانية تذكّر بالغاية التي ينبغي أن يبلغها ذلك الحكم، وبينهما تقف المقاصد
بوصفها البوصلة التي تصل الدليل بالحكمة، والتكليف بالتزكية، والفقه بالعدل
والكرامة والعمران؛ وبذلك لا يعود السؤال: ما حكم الشرع؟ وحده كافيًا، بل يصحبه
دائمًا السؤال الذي يمنح الحكم روحه ووجهته: لماذا شُرع؟ وأي صلاح في الإنسان
والحياة أريد به؟
الفقه وهو يعمل في الحياة.. الإنسان والأسرة والمال والدولة والحرب
لم يكن الفقه
عند أستاذنا الدكتور عبد اللطيف عامر معرفةً تستوفي غرضَها حين يستقيم الدليل ويصح
الاستنباط، وإنما كان علمًا يراد له أن يعمل في الحياة؛ فالإنسان الذي تتوجه إليه
الأحكام له كرامته وحاجاته ومصالحه، والأسرة لها وظائفها وروابطها، والمال تتشابك
حوله الحقوق والالتزامات، والمجتمع يحتاج إلى العدل والاستقرار، والسلطة تتحمل
مسؤولية الشأن العام، والدولة تتحرك في عالم من الحروب والعهود والمصالح؛ ومن هنا
تتسع الدائرة في كتبه التطبيقية من النفس الإنسانية إلى الأسرة والمال، ثم إلى
الدولة والعلاقات الدولية، ويظل السؤال واحدًا: كيف تصبح الشريعة نظامًا حيًّا
يحفظ الإنسان وينظم علاقاته ويضبط القوة التي تتحكم في مصيره؟
ولعل كتابه
"أحكام المرأة في القصاص والدية: مناقشة وتحليل" من أوضح النماذج على
ذلك؛ فقد أعاد فيه النظر في الأدلة التي أقيم عليها التفريق، وناقش دعوى الإجماع،
وفحص الآثار والأحاديث والأقيسة والعلل، حتى انتهى إلى أن الجناية في أصلها واقعة
على "الذات الإنسانية المحرمة"، وأن حرمة النفس لا يصح أن تقاس على
أبواب أخرى تختلف عنها في طبيعتها وعللها؛ والمهم في هذا الموضع ليس إعادة تفصيل
منهجه في الاستدلال، وإنما الثمرة التي أفضى إليها ذلك المنهج، فقد ارتفعت المسألة
عنده من مقدار الدية إلى سؤال أسبق عن قيمة الإنسان نفسه في ميزان الشريعة، وكان
يقول لي: "ما أبعد الفرق بين التنصيف والإنصاف"، يقصد تنصيف الدية.
وتكشف هذه
الدراسة في الوقت نفسه عن شجاعة علمية منضبطة؛ فتوقير التراث لم يكن يعني إغلاق
أقوال السابقين أمام السؤال، والاجتهاد لم يكن عنده طلبًا للمخالفة أو بحثًا عن
الجديد لمجرد جدته، وإنما ممارسة لأدوات الفقه نفسها في فحص القول ودليله ومأخذه
وعلته؛ ولهذا استطاع أن يخالف وهو داخل المنظومة، وأن يجدد بأدوات التأصيل لا
بالخروج عليها، وأن يجعل الوفاء للتراث وفاءً لمنهجه في النظر قبل أن يكون تكرارًا
لنتائجه.
ومن لطائف ما
أستحضره في هذا المقام أنني حين كتبت قراءةً في كتاب شيخنا الإمام يوسف القرضاوي
"دية المرأة في الشريعة الإسلامية"، سجلت عليه ملاحظة علمية مؤداها أنه
لم يرجع إلى هذه الدراسة السابقة والرائدة لأستاذنا عبد اللطيف عامر، مع أنها كانت
قد صدرت قبل كتابه بسنوات عن مكتبة وهبة، وهي الناشر الأول والأكبر لكتب الإمام
القرضاوي؛ فكان مظنة أن تكون أقرب إلى اطلاعه، غير أن الأجمل من الملاحظة نفسها
كان موقف الإمام القرضاوي منها؛ إذ لم تضق نفسه بنقد تلميذ، ولم يحجب قراءةً
اشتملت على استدراك عليه، بل نشرها على موقعه الشخصي كما هي، وهكذا اجتمع في هذه
الواقعة درسان من أخلاق العلم: سبقٌ علمي ينبغي أن يُعرف لصاحبه، وإنصافٌ علمي
يتسع للاعتراف بالاستدراك؛ وما أحوج العلم إلى علماء لا يرون في الملاحظة انتقاصًا
من أقدارهم، بل إضافةً إلى الحقيقة التي أفنوا في خدمتها أعمارهم.
ومن الإنسان
الفرد ينتقل فقهه إلى الأسرة، وفي كتابه «أحكام الأسرة في الإسلام» تظهر رؤيته منذ
اختيار المدخل؛ فهو يتحدث عن بناء الأسرة وأحكامها، لا عن مجموعة أوضاع قانونية
تختزلها عبارة «الأحوال الشخصية»، لأن الأسرة عنده مؤسسة إنسانية واجتماعية تقوم
على السكن والمودة، وحفظ النسل، وتنظيم العلاقة بين الرجل والمرأة، وصيانة الحقوق
وتحمل المسؤوليات؛ ولذلك يسبق الحديث عن حكمة الزواج ومقاصده تفاصيل العقد وآثاره،
ثم تأتي أحكام الاختيار والخطبة والولاية والكفاءة والمهر والتوثيق داخل هذا
البناء الأوسع.
ويظهر البعد
العملي لهذا الفقه حين يتجاوز الحكم المجرد إلى ما قد يقع بين الناس بالفعل؛
فالخِطبة وعد غير ملزم، لكن العدول عنها قد يخلف أموالًا وهدايا وأضرارًا تحتاج
إلى فقه يمنع الظلم، والتوثيق الرسمي ليس مُنشئًا لحقيقة الزواج الشرعية، لكنه قد
يغدو في واقع معين سياجًا لحفظ الحقوق، والولاية ليست سلطة منفلتة من غايتها،
وإنما وظيفة تضبطها المصلحة والشروط؛ وهكذا يصبح فقه الأسرة فقهًا لبناء العلاقة
وصيانتها واستباق أسباب النزاع فيها، لا مجرد فهرس لما يصح وما يبطل.
وتتصل بهذه
الدائرة دراستُه للوصايا وما يرتبط بها من تنظيم قانوني؛ ففي بحثه لـ«الوصية
الواجبة» مثلًا لا يقف عند كونها اختيارًا تبناه القانون المصري، ولا يرفضها لمجرد
حداثة صورتها التشريعية، وإنما يبحث عن أصولها الفقهية ومجال الاجتهاد فيها وحدود
تدخل المشرع؛ وهنا يتجاور الفقيهُ ورجلُ القانون من غير أن يذوب أحدُهما في الآخر،
وتظهر إمكاناتُ الفقه في التعامل مع المؤسسة التشريعية الحديثة ما دامت تتحرك داخل
المساحات التي يحتملها الاجتهاد الشرعي.
أما بحثه
"الديون وتوثيقها في الفقه الإسلامي" فينقلنا إلى معنى آخر؛ فالشريعة لا
تنتظر الخصومة حتى تفصل فيها، بل تبني قبل وقوعها ما يقلل أسبابها ويحفظ الحقوق من
الضياع، وهذا من المقاصد المعتبرة؛ ومن آية المداينة يتابع عامر الكتابة والشهادة
والكفالة والرهن، فإذا الحق الذي درسه نظريًّا في «نظرية الحق والعقد» يدخل هنا
عالم التعامل اليومي، ويحتاج بعد نشأته إلى إثبات وحفظ وضمان حتى يبلغ غايته في
الوفاء.
ومن مجموع هذه
الأحكام تتشكل رؤيةٌ يمكن تسميتها فقه الوقاية؛ فالكتابة تحفظ الحق قبل إنكاره،
والشهادة تهيئ الحجة قبل المنازعة، والكفالة والرهن يقويان إمكان الوفاء قبل
العجز، وبيان الشروط يضيق مساحات الخصومة قبل وقوعها؛ وحفظ المال، بهذا المعنى، لا
يبدأ بعد الاعتداء عليه، بل ببناء شبكة من العلاقات والإجراءات والضمانات التي
تصونه قبل أن يضيع، وبذلك لا يكون الفقه قاضيًا يستدعى بعد انهيار العلاقة فحسب،
وإنما شريكًا في صناعة الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي
ومن العلاقات
الخاصة يتسع الأفق إلى الدولة والسلطة والشأن العام، وهنا تكتسب أطروحته «أحكام
الأسرى والسبايا في الحروب الإسلامية» أهمية خاصة؛ فالمسألة لم تعد حقًا بين
فردين، وإنما قرارًا عامًا تتداخل فيه سلطة الإمام والمصلحة والأوضاع الدولية
وآثار الحرب، ومن هنا كان تمييزه بين الحكم التشريعي العام والتصرف المرتبط
بالإمامة والسياسة والمصلحة بالغ الأهمية، حتى لا يتحول تدبير ارتبط بواقعة أو ظرف
أو تقدير للمصلحة إلى حكم ثابت بالصورة نفسها في كل زمان ومكان
وفي أحكام
الأسرى تظهر مسؤولية الدولة بوصفها طرفًا في التكليف؛ فلها واجبات تجاه أسراها،
وعليها في التعامل مع أسرى العدو قيود الشريعة وأخلاقها، كما أن خيارات السلطة لا
تنفصل عن الظروف والمصالح والمآلات؛ وهنا يتجاوز الفقه دائرة الحلال والحرام
الفرديين إلى فقه الدولة بما فيه من سلطة ومسؤولية ومصلحة عامة وقرار سياسي، وما
يفتقر إلى نظر الإمام، وما يظل حكمًا عامًا لا تملكه السياسة تغييرًا.
واللافت أن عبد
اللطيف عامر عاد بعد عقود إلى ميدان الحرب في كتابه "القيم الخلقية في الحروب
الإسلامية"، لكن زاوية النظر اتسعت؛ فأصبح السؤال عن أخلاق القوة نفسها، عن
النية والشورى والتخطيط، وعن غير المقاتلين والعهود، وعن حدود الخداع وتحريم الغدر
والتمثيل، وعن المال العام والغنائم والغلول، وعن الأسرى والصلح والهدنة؛ وكأن
الفقه هنا لا يكتفي بالسؤال عما يجوز للقوة أن تفعله، وإنما يسأل كذلك عن الإنسان
الذي ينبغي أن يبقى حاضرًا في صاحب القوة وهو يمارسها.
وهنا يبلغ هذا
الجانب من مشروعه معنى بالغ العمق؛ فالأخلاق لا تكون ذات قيمة لأنها سهلة في زمن
السعة، وإنما تمتحن على الحقيقة حين يمتلك الإنسان القوة التي تمكنه من تجاوزها؛
فالوفاء يمتحن مع القدرة على الغدر، والرحمة مع القدرة على البطش، وصيانة غير
المقاتل في اشتعال الحرب، والأمانة حين تصبح الأموال في متناول اليد؛ ولذلك يصبح
فقه الحرب عنده بحثًا في أخلاق القوة وضوابط استعمالها، وتغدو الحرب، وهي أشد
أحوال الإنسان قسوة، ميدانًا لاختبار صدق القيم لا ظرفًا لتعليقها.
وبين أطروحته
المبكرة عن الأسرى وكتابه المتأخر عن القيم الخلقية مسافة تكشف عن نضج السؤال لا
تغير موضوعه؛ بدأ بالنظر في الأحكام والخيارات السياسية والقانون الدولي، ثم عاد
إلى الميدان نفسه مستنطقًا القيم التي ينبغي أن تحكم استعمال القوة، فاجتمع في
طرفي الرحلة فقه الحكم وأخلاق الحكم، وتأكد أن الدولة في الرؤية الشرعية ليست
صاحبة قدرة فحسب، وإنما صاحبة أمانة، وأن اتساع سلطانها لا يخفف من سلطان القيم
عليها بل يزيد حاجتها إليه.
وإذا جمعنا هذه
الدوائر لم يعد تنوع مؤلفاته تشتتًا في الاهتمام؛ فالديات والأسرة والوصايا
والحقوق والعقود والديون والأسرى والحرب حلقات في سؤال واحد: كيف تعمل الشريعة في
حياة الإنسان؟؛ كيف تصون نفسه وكرامته، وتبني أسرته، وتحفظ ماله، وتحمي حقه، وتنظم
علاقته بغيره، وتقيد سلطة الدولة، وتلزم القوة بالأخلاق حتى في ساعة الحرب.
وهكذا تتسع
دوائر فقه عبد اللطيف عامر من الإنسان إلى الأسرة، ومن العلاقات الخاصة إلى النظام
القانوني، ومن حقوق الأفراد إلى مسؤوليات السلطة، ومن الدولة إلى العلاقات
الدولية؛ وفي كل دائرة لا تكون قيمة الفقه في صحة الجواب وحدها، وإنما في قدرته
على حماية الإنسان، وبناء العلاقة، وصيانة الحق، وضبط السلطة، وأخلقة القوة؛ وبهذا
المعنى كان الفقه عنده علمًا لا يكتفي بأن يقول للحياة ما حكمها، بل يسهم في أن
يجعلها أقرب إلى العدل الذي جاءت الشريعة لإقامته.
«وفكر الإنسان ودعوته هي حياته».. العالم الذي بقي في تلاميذه
كَتب الأستاذ
الدكتور عبد اللطيف عامر يومًا في رثاء رفيق دربه الدكتور جابر قميحة عبارة كأنما
ادخرها الزمنُ لتعود إليه بعد رحيله: "وفكر الإنسان ودعوته هي حياته؛ فإما أن
ينتهي الفكر بانتهاء صاحبه، وإما أن يتوهج الفكر ويضرب المبدأ بجذوره في أعماق
الحياة"؛ وما كان يدري وهو يكتبها في صاحبه أنها ستصبح يومًا مفتاحًا لقراءة
سيرته هو، فالعالم لا تقاس حياته بالسنين التي امتدت بين مولده ووفاته وحدها،
وإنما بما أودعه خلالها في العقول، وما غرسه في الرجال، وما خدمه من علم، وما
أقامه من عمل.
لقد كان عالمًا
مربيًا؛ والمربي أوسع من المدرس؛ لأن المدرس قد يعطيك مسألة، أما المربي فيشارك في
تكوين عقلك وضميرك وأدبك مع العلم؛ فهو أحق أن يوصف بعد وصف "الفقيه
الشاعر" بأنه "العالم المربي الحريص على طلابه"، وأنه كان
"موطّأ الأكناف لطلابه، قريبًا منهم، حريصًا على نفعهم"؛ ولم تكن هذه
أوصاف ثناء معلقة، بل كانت لها شواهدها في الدرس والإشراف والمعاملة، حتى غدت صلته
بطلابه بعضًا من أدائه لأمانة العلم.
وكانت محاضرته
تجسيدًا لهذا المعنى؛ يكلف طلابه أن يقرؤوا قبل الدرس، وأن يأتوا وقد تكونت لديهم
أسئلة وآراء واعتراضات، ثم يحول المجلس إلى حوار يكاد يكون مناظرة علمية؛ يستمع
إلى الطالب «بكل جوارحه»، ويفسح له أن يعترض، ولا يستدعي سلطة الأستاذ لإسكاته،
وإنما يأخذ حجته ويفككها بهدوء حتى يتبين له موطن الخلل بنفسه؛ ولذلك جمع في ذاكرة
طلابه بين وصفين دالين: "جبل أشم، وعالم متواضع"؛ رسوخ لا يحتاج إلى
الاستعلاء، وثقة لا تخشى السؤال، وهيبة لا تستمد قوتها من إسكات المخالف.
وهنا تبلغ
الصلةُ بين العالم والمربي تمامَها؛ فصاحب «ضوابط التفكير الفقهي» الذي جعل غاية
الدرس تكوين "الملكة الفقهية" لم يكتف بأن يكتب عنها، بل كان يصنعها في
طلابه؛ يفتح لهم باب النظر، ثم يعلمهم أن الحرية العلمية ليست فوضى، وأن الاعتراض
لا يكتسب قيمته من جرأته بل من حجته؛ فكأن مشروعه التربوي كان الوجه الإنساني
لمشروعه العلمي: صناعة الملكة لا تلقين المسألة، وتربية العقل لا حشو الذاكرة.
ولم تكن التربية
عنده صناعةَ عقل وحده، بل كان الخلق والأبوة العلمية داخلين في معناها؛ فقد عرفه
طلابه قريبًا منهم، يلقونه في طرقات الكلية فيرد السلام، ويقف للحديث، ويصغي
إليهم، لا تحول هيبة الأستاذية بينه وبينهم؛ وبلغ من حرصه عليهم أن ضيق المدرج
وكثرة العدد حملاه، كما يروي أحد طلابه، على أن يلقي المحاضرة مرتين، مرة للطلاب
وأخرى للطالبات، منعًا للتكدس، مع أنه كان يومئذ يعاني في عينيه وينتظر إجراء
عملية جراحية؛ وكانت دموع عينيه تسيل أحيانًا في أثناء الدرس، فيخفف عن طلابه
بابتسامة قائلًا: لا تظنوا أنها دموع الحزن، وإنما هي عيني التي تحتاج إلى
العملية؛ ثم يمضي في درسه، بل يعيده، محتملًا مشقته أداءً لأمانة التعليم ورعايةً
لطلابه، وقد ذهب بصره بعد وفاة زوجته منذ عام 2015م، وظل هكذا - وما أصعبه - حتى
فارق الحياة!
وكان للطلاب
الفقراء نصيب خاص من هذه الرعاية؛ فلم يجعل كتابه بابًا لمنفعة نفسه على حساب من
ضاقت به الحال، بل كان يبيح للطلاب تصويره، ويكتب لبعض المحتاجين ورقة بخطه
وتوقيعه إلى المكتبة يتنازل فيها عن حقه من ثمن الكتاب ليتمكنوا من شرائه؛ وهي
تفاصيل صغيرة في ظاهرها، لكنها أبلغ من كثير من أوصاف الثناء؛ لأنها تكشف عالمًا
تحولت القيم عنده من موضوع يكتب فيه إلى خلق يمارسه؛ ولذلك لم يكن غريبًا أن تتكرر
في شهادات من عرفوه معاني طيب المعدن، وصدق المعاملة، ومكارم الأخلاق، ورقة
الشعور، ونبل التعامل؛ فقد كانت لهذه المعاني في سيرته شواهد حية.
وتتضافر شهادات
طلابه وزملائه لتكشف عن معنى راسخ في شخصيته، هو الأبوة العلمية المقرونة بأمانة
الأستاذ؛ فقد عرفوه قريبًا من طلابه، حريصًا على ألا تتعطل مسيرتهم، صبورًا على
قراءة أعمالهم ومراجعتها، لا يتخذ من المرض أو كثرة الأعباء ذريعة إلى تأخيرهم،
ولا يجيز عملًا لم يستوف حقه من النظر والتدقيق؛ وكان يجمع في إشرافه بين رفق الأب
وصرامة العالم، وبين الحرص على مصلحة الطالب والوفاء بحق العلم، حتى تكررت في
شهاداتهم عنه معاني المحبة والصبر، ودقة النظر، وإحكام المنهج، والانضباط، ونبل
التعامل؛ وهي أوصاف إذا اجتمعت رسمت صورةَ أستاذٍ لم يكن يرى الإشراف إجراءً
أكاديميًّا يؤديه، وإنما أمانةٌ في عنقه، وحقٌّ للطالب لا تطيب نفسه بتعطيله.
لكن أمانة العلم
عند عبد اللطيف عامر لم تنحصر في طلابه؛ فقد كان عالمًا عاملًا يرى للمعرفة تبعة،
وللشريعة حقًا على من حمل علمها، وللعالم وظيفة تتجاوز تأليفَ الكتاب وإلقاء
المحاضرة؛ وتجربة حياته منذ شبابه، وما عرفه من محنة، ثم ما حمله من قضايا القرآن
والفقه والأسرة والحقوق والعدل والحرب والسلم، تكشف عن رجل لم يرَ العلم منطقةً
معزولة عن هموم أمته، بل معرفة تستدعي مسؤولية، وفكرة تستدعي عملًا.
ومن هنا كان
داعيةً بطريقته؛ لا لأنَّ كتبه تحولت إلى خطاب وعظي، بل لأن الدعوة عند العالم
أوسع من المنبر؛ أن يحرس مرجعية الشريعة في البحث، ويكشف حكمتها، ويصلها بأسئلة
العصر، ويدفع عنها سوء الفهم، ثم يهيئ من طلابه من يحمل هذا العلم بعده ببصيرة
وأمانة؛ وهكذا تلتقي في حياته وظيفة العالم بوظيفة الداعية من غير أن تطغى إحداهما
على الأخرى، فيظل البحث بحثًا، ويبقى للدعوة معناها الأعمق في خدمة الحق الذي يؤمن
به الباحث.
ولهذا فإنني
أراه واحدًا من العلماء الذين رابطوا على ثغور الشريعة والدعوة؛ والثغر العلمي قد
يكون نصًّا يساء فهمُه، أو حكمًا يختل تأصيلُه، أو مصلحة يراد أن تنفلت من
ضوابطها، أو تقليدًا يُغلق باب الاجتهاد، أو اجتهادًا يريد الانفكاك من النص، أو
واقعًا جديدًا يحتاج إلى فقه، أو طالبًا يحتاج إلى من يبني فيه آلة النظر؛ وقد
تنوعت صورُ خدمته لهذه الثغور، بالتأليف والتدريس والإشراف والمناقشة والعمل
الموسوعي والمؤسسي، حتى صح أن يقال إن العلم عنده كان رباطًا طويلًا لا وظيفة
مؤقتة.
واتسعت هذه
الخدمة خارج حدود وطنه؛ حيث حمل علمَه إلى إسلام آباد، وأسهم في تجربة الجامعة
الإسلامية العالمية، ودرّس وتولى عمادة كلية الشريعة بها، ثم عاد إلى مصر ليواصل
التدريس والبحث والإشراف في الزقازيق والفيوم، وشارك في المشروعات الموسوعية
الجماعية؛ ولم تكن قيمة هذه المحطات في تعدد المناصب، وإنما في تعدد صور أداء
الرسالة نفسها؛ كتاب يؤلَّف، وطالب يربَّى، ومؤسسة تُخدم، وموسوعة يُسهم فيها،
ومسألة تُحرَّر، وذاكرة علمية وإنسانية تُحفظ بالوفاء.
وأنا واحد ممن
خبروا أثر هذه التربية في أنفسهم؛ فقد مضى على مناقشتي للماجستير أكثر من عشرين
عامًا، وكتبت بعدها كتبًا وبحوثًا، ودرست ودرّست في الفقه والأصول والمقاصد ومناهج
البحث والقواعد، ومع ذلك ما تزال بعض ملاحظات أستاذي يومئذٍ تصحبني؛ وهذا عندي من
أرفع مراتب نجاح الأستاذ، ألا يعطي تلميذَه جوابًا تنتهي صلاحيتُه بانتهاء
المسألة، وإنما يضع في عقله سؤالًا أو ميزانًا أو طريقة في النظر تمتد فائدتُها
إلى مسائل لم تكن يوم الدرس قد وُلدت بعد.
وتصحب ذلك الأثر
في العقل صورٌ لا سلطان للزمن عليها؛ بيته في حدائق المعادي، وصوته وهو يملي «إلى
جلاد!»، ومجالسه وأحاديثه، وتلك اللحظة الأولى التي انفتح له قلبي وانفتح قلبه لي،
ثم سنوات من الصلة كان آخر تواصل فيها بيننا في فبراير 2023م؛ ولذلك لا أكتب عنه من
مسافة الباحث الذي قرأ مؤلفات عالم فحسب، وإنما من قرب التلميذ الذي عرف للورق
صوتًا ووجهًا ومجلسًا، ثم وجد نفسه بعد رحيل صاحبه يُعيد قراءة الكتب وفي أذنه
نبرةُ من كتبها.
ثم جاء الخامس
عشر من سبتمبر سنة 2026م، وطويت صفحة عمر بدأ سنة 1931م في قرية العزيزية وناهز
خمسةً وتسعين عامًا؛ وهنا تعود عبارتُه في أستاذنا د. جابر قميحة إلى صاحبها كأن
الزمن ردها إليه: "وفكر الإنسان ودعوته هي حياته"؛ فقد انتهت أيامُ
الرجل، لكن المعيار الذي وضعه بنفسه لا يسأل عن طول العمر ولا كثرة المناصب، وإنما
عن مقدار ما أودعه صاحبه في الحياة قبل أن يمضي، وما غرسه في العقول، وما خدمه من
علم، وما فتحه لمن بعده من طرق.
رحم الله
أستاذنا وشيخنا الدكتور عبد اللطيف محمد عامر؛ العالم المربي، والفقيه الأصولي،
والأديب الشاعر، والعالم العامل، والداعية الحامل همَّ شريعته، والمرابط على ثغور
العلم والدعوة؛ رحم الله ذلك القلبَ الذي انفتح لي يومًا فانفتح له قلبي، وذلك
العقل الذي علمني أن الفقه أكبر من مجموعة أجوبة، وأن الأستاذ أكبر من ناقل
معلومات، وأن العلم أكبر من مهنة؛ وجزاه عن شريعته وعلمه وطلابه خير الجزاء، وجعل
كتبه وتعليمه وتربيته وخدمته للعلم في ميزان حسناته؛ فطوبى لعالم يطوي الموتُ
أيامَه، ولا يطوي رسالتَه!
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً