عبد الله ربيع محمود.. رائد الصوتيات المعملية بالأزهر الشريف

عبد الله ربيع محمود.. رائد الصوتيات المعملية بالأزهر الشريف

يحتفظ تاريخ الدرس اللغوي في الأزهر الشريف بأسماء علماء جمعوا بين أصالة التكوين الأزهري والانفتاح على مناهج البحث اللغوي الحديث، فأسهموا في تجديد الدراسات العربية، وربطوا تراثها الراسخ بأدوات البحث العلمي المعاصر. ويأتي الأستاذ الدكتور عبد الله ربيع محمود في طليعة هؤلاء العلماء؛ إذ كان رائدًا من رواد علم الصوتيات المعملية في جامعة الأزهر، وأستاذًا ترك أثرًا عميقًا في تلاميذه، وإداريًّا أسهم في تأسيس كلية اللغة العربية بدمنهور، فضلًا عن مؤلفاته وبحوثه وإشرافه على أجيال من الباحثين في مصر وخارجها.

عبد الله ربيع محمود.. نشأة أزهرية وتكوين علمي

وُلد الأستاذ الدكتور عبد الله ربيع محمود حسن في العاشر من يوليو سنة 1935م بقرية دملو، التي كان يحلو له أن يسميها في مقدمات كتبه «زهراء دملو». وكانت القرية تتبع مركز قويسنا بمحافظة المنوفية، ثم أصبحت بعد ذلك تابعة لمركز بنها بمحافظة القليوبية.

حفظ القرآن الكريم في سن مبكرة، والتحق بالأزهر الشريف سنة 1947م، ثم حصل على الثانوية الأزهرية من معهد القاهرة الثانوي سنة 1956م، وكان ترتيبه الأول على المعهد. وبعد ذلك التحق بكلية اللغة العربية بجامعة الأزهر، وتخرج فيها سنة 1960م، محرزًا المركز الأول على الشعب الثلاث: الشريعة والفلسفة والتاريخ.

والتحق بتخصص التدريس، فنال شهادة العالمية مع تخصص التدريس، وكان من آخر دفعة درست وفق هذا النظام القديم. ثم واصل دراساته العليا، وكان ضمن أول دفعة درست في قسم أصول اللغة الذي أُنشئ بتوجيه من الدكتور محمد البهي حين كان رئيسًا لجامعة الأزهر.

وقد اتجه اهتمامه العلمي مبكرًا إلى الدراسات الصوتية؛ فابتعثته جامعة الأزهر، مع رفيق دربه الأستاذ الدكتور عبد العزيز أحمد علام، إلى قسم الصوتيات المعملية بكلية الآداب في جامعة الإسكندرية. وقضى كل منهما ست سنوات في إعداد رسالته تحت إشراف الأستاذ الدكتور بخاطره نصر الشافعي، رئيس القسم.

وجاءت رسالة الدكتوراه للأستاذ الدكتور عبد الله ربيع بعنوان: «عن النبر في نطق الفصحى المعاصرة في مصر»، في حين حملت رسالة الأستاذ الدكتور عبد العزيز علام عنوان: «من التزمين في نطق الفصحى المعاصرة في مصر». وكان هذا التخصص الدقيق بداية لمسيرة علمية جعلت من عبد الله ربيع محمود واحدًا من رواد الدرس الصوتي الحديث في جامعة الأزهر.

من التدريس إلى تأسيس كلية اللغة العربية

عُيِّن الشيخ عقب تخرجه مدرسًا بمديرية بني سويف التعليمية، وظل يعمل بها حتى كُلِّف معيدًا بقسم أصول اللغة في 29 مارس 1963م. وبعد حصوله على الدكتوراه رُقِّي إلى درجة مدرس سنة 1974م، ثم إلى أستاذ مساعد في 4 يوليو 1979م، فنال درجة الأستاذية في 10 أكتوبر 1984م.

وارتبط اسمه بتأسيس كلية اللغة العربية بدمنهور؛ إذ كان أول عميد لها عند إنشائها سنة 1981م، وظل يتولى عمادتها حتى سنة 1986م، جامعًا في تلك المرحلة بين العمادة ورئاسة قسم أصول اللغة بالكلية، فأسهم في وضع لبناتها العلمية والإدارية، وتكوين شخصيتها الأكاديمية في سنواتها الأولى.

وتولى الإشراف على قسم أصول اللغة في كلية اللغة العربية بدمنهور من الأول من أكتوبر 1991م حتى الأول من سبتمبر 1992م، كما ترأس قسم أصول اللغة في كلية اللغة العربية بالقاهرة من 17 نوفمبر 1991م حتى الأول من أغسطس 1992م. وعُيِّن أستاذًا متفرغًا بقسم أصول اللغة في القاهرة ابتداءً من الأول من أغسطس 2000م، وظل يؤدي رسالته العلمية حتى وفاته في 23 يناير 2005م.

ولم يقتصر عطاؤه العلمي والوظيفي على مصر، بل امتد إلى عدد من البلدان؛ فقد سافر إلى المملكة العربية السعودية، وعمل أستاذًا مساعدًا في كلية اللغة العربية بجامعة الإمام محمدبن سعود الإسلامية بالرياض من الأول من سبتمبر 1987م حتى 31 أغسطس 1991م.

كما عمل أستاذًا في كلية التربية للبنات بمكة المكرمة مدة خمس سنوات، من 5 سبتمبر 1986م حتى 31 أغسطس 1991م، وعاد إليها بعد ذلك أستاذًا زائرًا مدة فصل دراسي واحد.

وامتد عطاؤه الدعوي والتعليمي إلى الفلبين، حيث شارك في مهمة لتدريب معلمي اللغة العربية والدين، مبعوثًا من جمعية الشباب المسلم في جزيرة مناو بمدينة ماوى. ويكشف هذا التنقل العلمي عن حرصه على نشر العربية وخدمة علومها، وإيصال الخبرة الأزهرية إلى البيئات التعليمية المختلفة.

مؤلفات رائدة وتلاميذ يحملون الرسالة

تنوعت أعمال الأستاذ الدكتور عبد الله ربيع محمود بين الصوتيات وفقه اللغة والتجويد والقراءات والتراث اللغوي، وجمعت مؤلفاته بين التأصيل النظري والتطبيق العملي. ومن أبرز آثاره العلمية:

  • «أبو عبيدة القاسم بن سلام: ثقافته العلمية وآثاره»، بحث.
  • «أصوات العربية والقرآن الكريم: منهج دراستها وتعلمها عند مكي بن أبي طالب»، بحث منشور.
  • «الإمام أبو حامد الغزالي: حياته وجهاده»، كتاب.
  • «الإيقاع بين الموسيقى واللغة»، بحث منشور.
  • تحقيق «المخصص» لابن سيده بالاشتراك مع لجنة علمية.
  • «علم التجويد»، كتاب.
  • «علم الصوتيات»، بالاشتراك مع الأستاذ الدكتور عبد العزيز أحمد علام.
  • «علم اللغة العام: أسسه ومناهجه»، بالاشتراك مع الأستاذ الدكتور عبد الفتاح عبد العليم البركاوي.
  • «عن النبر في نطق العربية الفصحى في العالم العربي المعاصر»، وهي رسالته للدكتوراه.
  • «في علم الكتابة العربية».
  • «في فقه اللغة»، بالاشتراك مع الأستاذ الدكتور عبد العزيز أحمد علام.
  • مراجعة «تفسير الجلالين»، في طبعته الصادرة عن مكتبة لبنان.
  • مراجعة «لباب النقول في أسباب النزول» للسيوطي، في طبعته الصادرة عن مكتبة لبنان.
  • «المعجم العربي بين النظرية والتطبيق».
  • «معجم المصطلحات التجويدية والصوتية».
  • «مفتاح السعادة الأبدية في توجيه القراءات القرآنية».
  • «الملامح الأدائية عند الجاحظ في البيان والتبيين».
  • «من مشكلاتنا الصوتية في نطق العربية الفصحى وتعليمها»، بحث منشور.
  • «من ملامح المنهج العلمي وتطبيقاته عند علماء العربية»، بحث منشور.

ولم يكن أثره مقصورًا على ما ألّفه من كتب وبحوث، بل امتد إلى تلاميذه والباحثين الذين أشرف عليهم؛ فقد أشرف على عدد كبير من رسائل الماجستير والدكتوراه في جامعتي الأزهر وأم القرى، وناقش كثيرًا من الرسائل العلمية في الجامعات المصرية والسعودية. ومن تلاميذه في مصر الأستاذ الدكتور أبو السعود الفخراني، والأستاذ الدكتور محمد إبراهيم العفيفي، رحمه الله.

وكان عضوًا في اللجنة العلمية لترقية الأساتذة والأساتذة المساعدين في تخصص أصول اللغة بجامعة الأزهر، فشارك بخبرته في تقويم البحوث العلمية، وترسيخ معايير الدقة والمنهجية في الدراسات اللغوية.

أثر باقٍ في الدرس اللغوي

وقد حظيت سيرته وعطاؤه باهتمام عدد من الباحثين؛ فكتب عنه الدكتور عبد الحفيظ عبد الغني سالم مقالًا بعنوان «سطور مشرقة عن عالم جليل: الأستاذ الدكتور عبد الله ربيع محمود»، نُشر في مجلة «صوت الأزهر»، العدد 196 من السنة الرابعة، الصادر بتاريخ 20 ديسمبر 2002م.

كما كتب عنه الدكتور علي إبراهيم محمد مقالًا بعنوان «من أعلام الأزهر: الأستاذ الدكتور عبد الله ربيع محمود»، نُشر في الجزء الأول من كتاب «كلية اللغة العربية: علماؤها الخالدون»، الصادر عن كلية اللغة العربية بالقاهرة في العام الجامعي 2010–2011م. وأعدت الدكتورة إيمان صميدة رسالة ماجستير بعنوان «عبد الله ربيع محمود لغويًّا»، بإشراف الأستاذ الدكتور أبي السعود الفخراني.

وقد عرفت أستاذي الأستاذ الدكتور عبد الله ربيع محمود عن قرب، حين أشرف على رسالتي للدكتوراه منذ تسجيلها حتى إتمامها ومناقشتها؛ فكان نعم الأستاذ المخلص، والوالد الرؤوف، والموجّه الحريص على أن يأخذ طلابه بأسباب الدقة والأمانة والمنهج العلمي الرصين.

رحل الأستاذ الدكتور عبد الله ربيع محمود بعد أن أمضى حياته في خدمة العربية وعلومها، منافحًا عن المنهج العلمي الصحيح في الدراسات اللغوية والصوتية، وجامعًا بين وفائه للتراث واستيعابه لمناهج البحث الحديث. وبقي أثره حاضرًا في كتبه وبحوثه وتلاميذه، وفي الصرح العلمي الذي أسهم في تأسيسه، شاهدًا على سيرة عالم أزهري أدرك أن خدمة اللغة لا تكون بحفظ تراثها فحسب، بل بتجديد النظر فيه، وتطوير أدوات دراسته، ونقله بأمانة إلى الأجيال اللاحقة. جزاه الله عن العربية وطلابها خير ما جزى أستاذًا عن علمه وتلاميذه.

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة