شجّة في الجبين وخشية في القلب

عمر بن عبدالعزيز.. شجة الجبين وبواكير الخشية والعدل

طفل مجروح في جبينه وقد شج على اثر سقوطه في الاسطبل وابوه يمسح الدم عن وجهه في صبر ويقين بالله.

ذكر الإمام الذهبي، في «سير أعلام النبلاء»، في ترجمة عمر بن عبدالعزيز(1)، وَقَالَ إِسْمَاعِيلُ الْخُطَبِيُّ: «رَأَيْتُ صِفَتَهُ فِي بَعْضِ الْكُتُبِ: كَانَ أَبْيَضَ، رَقِيقَ الْوَجْهِ، جَمِيلًا، نَحِيفَ الْجِسْمِ، حَسَنَ اللِّحْيَةِ، غَائِرَ الْعَيْنَيْنِ، بِجَبْهَتِهِ أَثَرُ حَافِرِ دَابَّةٍ، فَلِذَلِكَ سُمِّيَ أَشَجَّ بَنِي أُمَيَّةَ، وَقَدْ وَخَطَهُ الشَّيْبُ».

قَالَ ضَمْرَةُ بْنُ رَبِيعَةَ: «دَخَلَ عُمَرُ بْنُ عبدالعزيز إِلَى إِصْطَبْلِ أَبِيهِ، وَهُوَ غُلَامٌ، فَضَرَبَهُ فَرَسٌ، فَشَجَّهُ، فَجَعَلَ أَبُوهُ يَمْسَحُ عَنْهُ الدَّمَ، وَيَقُولُ: إِنْ كُنْتَ أَشَجَّ بَنِي أُمَيَّةَ إِنَّكَ إِذًا لَسَعِيدٌ».

وَرَوَى ضِمَامُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ عَنْ أَبِي قَبِيلٍ: «أَنَّ عُمَرَ بْنَ عبدالعزيز بَكَى وَهُوَ غُلَامٌ صَغِيرٌ، فَأَرْسَلَتْ إِلَيْهِ أُمُّهُ، وَقَالَتْ: مَا يُبْكِيكَ؟ قَالَ: ذَكَرْتُ الْمَوْتَ، قَالَ: وَكَانَ يَوْمَئِذٍ قَدْ جَمَعَ الْقُرْآنَ، فَبَكَتْ أُمُّهُ حِينَ بَلَغَهَا ذَلِكَ(2).

تضعنا ترجمة هذا الخليفة الزاهد أمام تفاصيل دقيقة تنبئ عن استقامة مبكرة ورسوخ أخلاقي؛ حيث يصفه المؤرخون بملامح تنضح بالهيبة والوقار، كما وثق ذلك إسماعيل الخطبي في مصنفه واصفاً هيئته الخارجية، وتكتمل هذه اللوحة الإنسانية الفريدة بحادثتين شكلتا وعيه المبكر؛ أولاهما حين تعرض لإصابة جسدية في صباه وهو بين خيل والده، أما الواقعة الثانية فكانت ارتعاشة وجدانية أظهرت عمق بصيرته التعبدية في سن الطفولة.

فيُمثل عهد الخليفة الراشد عمر بن عبدالعزيز نموذجاً استثنائياً للنشأة المتوازنة التي تلتقي فيها العناية بسلامة البدن ببناء الروح وصقل الضمير؛ إذ كشفت وقائع طفولته المبكرة عن معدن أصيل تشكل بين أحضان التربية الحانية والخشية الإيمانية الصادقة، ولم تكن مواقف الصبا في حياته مجرد ذكريات عابرة تروى في كتب التراجم، بل كانت إشارات مضيئة وبواكير واضحة رسمت ملامح ذلك الإمام العادل الذي جمع بين احتمال المكاره، والزهد في مباهج السلطان، واستحضار هيبة الوقوف بين يدي الله عز وجل.

فتفتح هاتان الواقعتان نافذة مهمة على طفولة الخليفة الزاهد؛ حيث اجتمع في نشأته الأولى احتمال ألم الجسد العارض، مع يقظة مبكرة للضمير والوجدان تدرك حقيقة الدار الآخرة.

ترجمة عمر بن عبدالعزيز في سير النبلاء وتأسيس نهج المشورة

تُجمع كتب السير والمصنفات الكبرى كـ«سير أعلام النبلاء» على أن مرحلة الطفولة والنشأة الأولى تمثل الأساس المتين الذي تُبنى عليه تصرفات القادة الكبار وسياساتهم المستقبلية؛ إذ لم تكن استقامة عمر بن عبدالعزيز وليدة مفاجأة تاريخية أو صحوة طارئة عند استلام الخلافة، بل كانت امتداداً طبيعياً لبيئة صالحة تضافرت فيها حكمة الأب ورقة الأم وعناية المربين في طيبة الطيبة.

إن إدراك أبعاد هذه الشخصية القيادية الفريدة يتطلب فحص العوامل التربوية المبكرة التي أسهمت في بناء تصوره للملك والسلطة؛ حيث يتضح هذا التأسيس من خلال الركائز الآتية:

1- الصبر على عوارض البدن وابتلاءات الجسد دون جزع أو تسخط على أقدار الله النافذة.

2- الربط الواعي بين الحوادث اليومية والمعاني الإيمانية العليا التي ترتقي بهمّة الناشئ نحو معالي الأمور.

3- توظيف المحبة الأسرية لتثبيت الطمأنينة النفسية، بدلاً من إغراق الطفل في الترف والدلال المفسد.

لقد استطاع عمر بن عبدالعزيز أن ينقل تلك التربية الراشدة من حيز الوجدان الشخصي إلى فضاء المؤسسات الحكومية، فكانت خلافته تجسيداً حياً لثمار التنشئة التي تعلي من شأن الحق والعدل والمراقبة الإلهية فوق كل مصلحة دنيوية عاجلة.

سبب تلقيب عمر بن عبدالعزيز بأشج بني أمية

لم تكن الشجة التي تركت أثرها الغائر في جبين عمر منقصة تنال من بهاء وجهه أو عيباً يُواريه عن أعين الناظرين، بل تحولت في كتب السير والتراجم إلى علامة فارقة زادت من هيبته ومكانته، وشاهداً حياً على جلده وصبره منذ نعومة أظفاره، إن الذاكرة التاريخية للأمة المسلمة تحتفي بندوب الأكابر وأوسمة جراحهم بوصفها شواهد صدق وتضحية في سبيل المبادئ الكبرى.

ويظهر هذا المعنى جلياً في الموقف البطولي المشهود للصحابي الجليل أبي عبيدة عامر بن الجراح رضي الله عنه حين جاد بنفسه لإنقاذ رسول الله، فـلَمَّا نَزَعَ أَبُو عُبَيْدَةَ الْحَلْقَتَيْنِ مِنْ وَجْنَةِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم انْقَلَعَتْ ثَنِيَّتَاهُ، فَحَسُنَ ثَغْرُهُ بِذَهَابِهِمَا، حَتَّى قِيلَ: «مَا رُؤِيَ هَتَمٌ أَحْسَنُ مِنْ هَتَمِ أَبِي عُبَيْدَةَ»(3).

يتعلم النشء من هذه النماذج التاريخية أن القيمة الذاتية للإنسان لا تصنعها سلامة الملامح من العيوب الطارئة ولا التأنق في المظاهر، بل تبنيها عظمة المكارم ونقاء السريرة والعمل الصالح الذي ينفع الناس، فالندبة التي تبقى في الوجه تذكرة دائمة بضعف ابن آدم وافتقاره إلى حفظ خالقه.

قصة ضربة الفرس لعمر في إسطبل والده

وقعت حادثة الإسطبل حين كان الفتى الصغير يتفقد خيل أبيه عبدالعزيز بن مروان، والي مصر وصاحب المكانة المرموقة في البيت الأموي؛ فرمحه فرس فشج جبينه الشريف وسال الدم على وجنتيه الصغيرتين، وفي تلك اللحظة الحرجة التي تطير فيها قلوب الآباء فزعاً، استقبل الأب الحكيم إصابة ولده بنظرة مفعمة بالتفاؤل وحسن الظن بالله، فربط بين دم الغلام المسفوك وبين استبشار بمستقبل يحمل السعادة والريادة ورفع لواء العدل.

تتحول الشدائد في ميزان المؤمنين الصادقين إلى أبواب للرجاء واستنزال البركات والأجر الجزيل؛ ومصداق ذلك ما حفظته كتب الآثار من سلوك أبي عبيدة بن الجراح حين أصابته علة يسيرة فرأى فيها باباً لرحمة ربه، حيث خَرَجَتْ بِأَبِي عُبَيْدَةَ بُثْرَةٌ فِي خِنْصِرِهِ، فَجَعَلَ يَنْظُرُ إِلَيْهَا، فَقِيلَ لَهُ: إِنَّهَا لَيْسَتْ بِشَيْءٍ، فَقَالَ: «أَرْجُو أَنْ يُبَارِكَ اللَّهُ فِيهَا، فَإِنَّهُ إِذَا بَارَكَ فِي الْقَلِيلِ كَانَ كَثِيرًا»(4).

يغرس الوالد الحكيم في روع ابنه معاني الصبر الجميل عند الصدمة الأولى، محولاً فزع اللحظة إلى طاقة أمل تعين الفتى على مجابهة مصاعب الحياة برجاء ثابت لا يتزعزع، وهو درس تربوي يحول المحن إلى منح تصنع الرجال المؤهلين لقيادة الأمم.

أثر مسح الدم واحتواء الصغير وقت الألم

لم يقابل الوالد عبدالعزيز بن مروان استغاثة طفله بالصراخ أو التوبيخ على دخوله الإسطبل، بل سارع بمسح الدم عن وجه ولده بيده الحانية قبل أن ينطق بكلمة واحدة، مقدماً الرعاية الجسدية والتطمين النفسي الفوري للغلام المتألم من وطأة الضربة، إن هذا السلوك الأبوي الحكيم يعكس فهماً عميقاً لسيكولوجية الطفل وحاجته الماسة إلى الاحتواء وقت الصدمات.

وتستقر هذه الرحمة الوالدية في عمق الهدي النبوي الشريف وتطبيقاته العملية في بيت النبوة؛ كما ذكرت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها واصفة فيض الشفقة النبوية حين «عَثَرَ أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ بِعَتَبَةِ الْبَابِ وَهُوَ صَبِيٌّ فَْشُجَّ فِي وَجْهِهِ، فقال لي رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: «أميطي عنه الأذى فَجَعَلَ يَمَصُّ الدَّمَ عَنْهُ وَيَمُجُّهُ وَيُسَكِّنُهُ وَيَقُولُ: لَوْ كَانَ أُسَامَةُ جَارِيَةً لَكَسَوْتُهُ، وَحَلَّيْتُهُ حَتَّى أُنَفِّقَه»(5).

إن مواساة الصغير وتضميد ألمه باللمسة الشفيقة تسبق كل موعظة نظرية؛ فالأمان العاطفي يمنح الطفل حصانة تمنعه من الانكسار أمام العوارض البدنية المؤقتة التي قد تصيبه، ويؤسس في قلبه نموذجاً للرحمة التي سيفيض بها لاحقاً على رعيته حين يصبح أميراً للمؤمنين.

الفارق الجوهري بين مصيبة الجسد ومصيبة الدين

يخشى الآباء في كل زمان ومكان على أبدان أبنائهم من الجراح والندوب والعاهات، غير أن الخطر الحقيقي الذي يهدد مصيرهم الحقيقي يكمن في فساد العقيدة، واعتياد الظلم، وضياع الأمانة في المعاملات مع الخلق، تهون مصائب الأجساد إذا سلم للعبد دينه وبقي يقينه بربه نقياً خالصاً، فكم من صحيح البدن سقيم القلب ميت الوجدان لا يعرف معروفاً ولا ينكر منكراً.

وقد سطر التابعون دروساً خالدة في تقديم عافية الدين على عافية البدن، ويظهر هذا المعنى ناصعاً في موقف التابعي الجليل عروة بن الزبير حين ابتلي بقطع طرفه وفقد ولده، حيث قَالَ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ لَمَّا قُطِعَتْ رِجْلُهُ: «اللَّهُمَّ إِنَّهُ كَانَ لِي أَطْرَافٌ أَرْبَعَةٌ فَأَخَذْتَ وَاحِدًا وَأَبْقَيْتَ ثَلَاثَةً فَلَكَ الْحَمْدُ.. وَايْمُ اللَّهِ لَئِنْ أَخَذْتَ لَقَدْ أَبْقَيْتَ، وَلَئِنِ ابْتَلَيْتَ طَالَمَا عَافَيْتَ»(6).

تبقى الندبة في الجبين أثراً لا يضر صاحبه عند الموازين القسط يوم القيامة، بينما يسقط المرء ويهوي في قعر الخسران إذا تلطخت صحيفته بمظالم العباد وتهاون في أداء فرائض ربه التي افترضها عليه؛ ولذلك كانت تربية عمر بن عبدالعزيز موجهة لحفظ الدين قبل حفظ المظهر.

لماذا بكى عمر بن عبدالعزيز في طفولته؟

فاضت دموع عمر بن عبدالعزيز وهو طفل غض الإهاب لم يبلغ الحلم بعد، حين استشعر في خلوته هول المطلع وحقيقة الرحيل عن هذه الدار الفانية الزائلة ومفارقة الأهل والأحباب، مستحضراً ذلك التحذير الإلهي البليغ الذي يوقظ الغافلين: (كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ۗ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) (آل عمران: 185)، وتكشف هذه الخشية الباكرة عن وجدان حي ونفحات ربانية استقرت في أعماق ذلك الصبي الصغير:

1- إدراك فطري مبكر لحقيقة فناء الدنيا وحتمية الوقوف للحساب والجزاء بين يدي الخالق.

2- فيض المشاعر الإيمانية الرقيقة التي تنأى بالناشئ عن الغفلة وتصرف قلبه عن اللهو العابث.

3- نشوء الوازع الأخلاقي الذاتي الذي يحرس تصرفات الفتى وسلوكه في سره وعلانيته على السواء.

وقد تلاقت مشاعر عمر بن عبدالعزيز الغضة مع دموع الصالحين وأولياء الله في صباهم؛ ومصداق ذلك ما سطره التاريخ من حوار خاشع بين الفضيل بن عياض وابنه، حيث قَالَ الفُضَيْلُ بْنُ عِيَاضٍ لِابْنِهِ عَلِيٍّ وَهُوَ يَبْكِي: «يَا بُنَيَّ مَا يُبْكِيكَ؟ قَالَ: أَخَافُ أَلَّا تَجْمَعَنَا الْقِيَامَةُ»(7)، تتحول هيبة المعاد في وجدان الغلام إلى رادع باطني يصقل روحه، ويهيئ نفسه لتحمل المسؤوليات الكبرى بتجرد وعفة تامة عن المظالم.

أثر تدبر القرآن في بناء ضمير الطفل

اقترن بكاء عمر بن عبدالعزيز بجمعه لكتاب الله وحفظه لآياته في سن مبكرة؛ فالقرآن حين يخالط شغاف القلب يثمر خشية حية تدفع الجوارح نحو الاستقامة، وتتجاوز مجرد سرد الحروف دون فهم وتأمل، تحقيقاً للمقصد الإلهي العظيم الذي أنزل الله لأجله كتابه: (كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ) (ص: 29).

ويؤصل هذا المسار التربوي ما نقله الصحابي الجليل جندب بن عبد الله رضي الله عنه مبيناً المنهج النبوي في تربية جيل الصحابة والتابعين، حيث قَالَ جُنْدُبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ: «كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ونحن فِتْيَانٌ حَزَاوِرَةُ، فَتَعَلَّمْنَا الْإِيمَانَ قَبْلَ أَنْ نَتَعَلَّمَ الْقُرْآنَ، ثُمَّ تَعَلَّمْنَا الْقُرْآنَ فَازْدَدْنَا بِهِ إِيمَانًا»(8).

يغرس القرآن الراسخ في الصدور موازين الإنصاف والمراقبة؛ فينشأ الفتى معظماً لحدود الله، وقافاً عند حرماته، ومدركاً أن آيات العدل تلزمه بالانتصار للضعيف ونصرة المظلوم في كل حين، فكان القرآن دليله الإداري والسياسي حين تولى أريكة الخلافة.

موقف أم عمر حين علمت سبب بكائه

لم تستخف أم عمر بن عبدالعزيز –وهي ابنة عاصم بن عمر بن الخطاب– بمشاعر ولدها الباكي أو تصفه بالضعف والخور، بل بادرت بإرسال رسولها تستبين أمره بحكمة وشغف، فلما علمت أن ذكر الموت وملاقاة الله هو الذي أجرى دموعه، انخرطت معه في البكاء إشفاقاً ورقة ورجاء لمغفرة الله ورحمته.

تتكامل عاطفة الأمومة مع التربية الإيمانية حين تصغي الأم لخوف صغيرها وتقوده إلى بر الأمان الروحي؛ ويظهر هذا الأثر التربوي البالغ في تراجم العباد المخلصين، كما يروى عن التابعي الجليل منصور بن المعتمر في تعامله مع أمه، حيث كَانَ مَنْصُورُ بْنُ الْمُعْتَمِرِ إِذَا صَلَّى الْغَدَاةَ بَكَى، فَتَقُولُ لَهُ أُمُّهُ: «يَا بُنَيَّ، قَتَلْتَ قَتِيلًا؟ فَيَقُولُ: يَا أُمَّاهُ، أَنَا أَعْلَمُ بِمَا صَنَعَتْ نَفْسِي»(9)، فَتَبْكِي لِبُكَائِهِ إِشْفَاقًا.

إن احتضان انفعالات الطفل وتوجيهها نحو حسن الظن برحمة الله يصنع شخصية سوية، تجمع بين وجل القلوب من عقابه ورجاء مغفرته الواسعة التي وسعت كل شيء، لتخرج إلى معترك الحياة بقلب نقي لا يحقد على أحد ولا يطمع في باطل.

التكامل بين رعاية الجسد وبناء الوازع الروحي

تتكامل في نشأة عمر بن عبدالعزيز صورتان بارزتان من صور البلاء البشري والتعامل معه؛ ألم خارجي في الجسد تمسحه يد الأب بالرحمة والتطمين المادي، ووجل داخلي في الفؤاد تشاركه الأم بالدموع والمواساة الإيمانية، ليصنع هذا التناغم توازناً نادراً بين مطالب الجسد وأشواق الروح.

تغدو المكاره الحسية والمعنوية كفارة لذنوب العبد وسبباً في رفعته متى قابلها بالصبر والاحتساب؛ كما أكد ذلك الحبيب المصطفى في بيانه النبوي الشافي حين قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «مَا يُصِيبُ الْمُسْلِمَ مِنْ نَصَبٍ وَلَا وَصَبٍ، وَلَا هَمٍّ، وَلَا حَزَنٍ، وَلَا أَذًى، وَلَا غَمٍّ حَتَّى الشَّوْكَةِ يُشَاكُهَا إِلَّا كَفَّرَ اللَّهُ بِهَا مِنْ خَطَايَاهُ»(10).

تعتني التربية الإسلامية المتوازنة بسلامة البدن والروح معاً دون إفراط أو تفريط؛ فلا يُهمل ألم الجسد بدعوى الزهد البارد، ولا يُغفل بناء الضمير والورع التعبدي طلباً للمتاع الدنيوي المجرد، وهو التوازن الذي أنتج شخصية قيادية فذة كعمر بن عبدالعزيز.

هل تنبأت طفولة عمر بن عبدالعزيز بخلافته؟

استبشر عبدالعزيز بن مروان بإصابة ولده وظهور تلك الشجة في جبينه رجاء أن يكون هو المصلح الأموي الموعود، مستنداً إلى ما كان يتناقله الرواة عن الخليفة الثاني عمر بن الخطاب في بشارته برجل من ولده بوجهه شجة يملأ الأرض عدلاً كما ملئت جوراً.

يتفق هذا الاستبشار التفاؤلي مع السمت النبوي الكريم الذي كان يستحسن الفأل الطيب ويفرح بالأسماء الحسنة؛ كما صح في السنة المطهرة عَنْ بُرَيْدَةَ: «أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم كَانَ لَا يَتَطَيَّرُ، وَكَانَ إِذَا بَعَثَ عَامِلًا سَأَلَ عَنِ اسْمِهِ، فَإِذَا أَعْجَبَهُ اسْمُهُ فَرِحَ بِهِ وَرُئِيَ بِشْرُ ذَلِكَ فِي وَجْهِهِ»(11).

غير أن النظرة المنهجية المنصفة تقتضي التأكيد على أن الأوصاف الجسدية والعلامات الظاهرة لا تصنع العدالة بذاتها، بل تظل علامات شرف ومحفزات تستنهض الهمم للعمل الدؤوب؛ فالإصابة الجسدية قد تهيئ صاحبها للصبر والتجلد، لكنها لا تغنيه أبداً عن مجاهدة النفس في ميادين الحكم ومصارعة أهواء القرابة والنفوذ.

أولويات التربية الأسرية بين نجاح الدنيا وصلاح الآخرة

ينشغل كثير من الآباء في المجتمعات المعاصرة بتأمين الثراء المادي وتوفير أعلى درجات الرفاهية لأولادهم، بينما يكمن الواجب في وقايتهم من عذاب الآخرة، وتوريثهم مكارم التقوى والأمانة وحفظ حدود الله، امتثالاً للأمر الإلهي الصارم: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا) (التحريم: 6)، وتتحدد أولويات الرعاية الأسرية الرشيدة في معايير جوهرية:

1- غرس مراقبة الله في السر والعلن قبل تلقين الطفل مهارات تحصيل المكاسب الدنيوية.

2- تعليم الأبناء أداء الأمانات والتحرج من أكل الحرام واستحلال حقوق الآخرين.

3- ربط قلوب الناشئة بقدوات الصلاح والاستقامة بدلاً من الانبهار بأصحاب الثراء الزائل.

وقد صاغ العالم الحكيم أبو حازم هذا الميزان التربوي الأبدي حين خاطب الخليفة سليمان بن عبد الملك في حوار جامع، حيث مر أبو حازم بأبي جعفر المديني وهو مكتئب حزين، فقال: ما لي أراك مكتئباً حزيناً، وإن شئت أخبرتك؟ قال أخبرني ما وراءك قال ذكرت ولدك من بعدك، قال نعم! قال: فلا تفعل فإن كَانُوا لِلَّهِ أَوْلِيَاءَ فَلَا تَخَفْ عَلَيْهِمُ الضَّيْعَةَ؛ فَإِنَّ اللَّهَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ، وَإِنْ كَانُوا لِلَّهِ أَعْدَاءً فَلَا تُبَالِ مَا لَقُوا بَعْدَكَ»(12)، إن بناء الضمير الذي يخشى الموت في صباه هو الحصن الحقيقي الذي يقي الفتى من الانزلاق خلف الشهوات حين تقبل عليه الدنيا بزينتها.

خلاصة أثر التربية الصالحة في نشأة عمر

تتحدد الزاوية المركزية في بيان أن إصابات الجسد وعوارضه ليست أعظم ما يُخشى على النشء، بل الخطر الأكبر يكمن في غفلة القلب وفساد الدين؛ فالألم البدني يزول أثره ولا يقدح في رفعة صاحبه، بينما يثمر الورع والخشية المبكرة عدلاً واستقامة في حياة الأمم، مصداقاً لما نطق به سيد الخلق حين قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ اللَّهَ لَا يَنْظُرُ إِلَى صُوَرِكُمْ وَأَمْوَالِكُمْ، وَلَكِنْ يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ وَأَعْمَالِكُمْ»(13).

رحل عمر بن عبدالعزيز عن دنيانا بعد أن ترك بصمة لا تمحى في جبين الزمان؛ فتلاشت مع الأيام شجة وجهه وندبة بدنه، وبقيت في ضمير الأمة دمعته الخاشعة عند تذكر الموت، وما أثمرته تلك الخشية الباكرة من عزل لولاة الجور، ونصرة للمستضعفين، ورد للمظالم التي أثقلت كواهل الناس، ليبقى برهاناً ساطعاً على أن العدل ينبت في المحاريب وأحضان الأسر الصالحة قبل أن يظهر في دواوين الخلافة.

الهوامش
  • 1 عمر بن عبدالعزيز بن مروان الأموي القرشي، وُلد سنة 61هـ بالمدينة، وهو من كبار التابعين وخلفاء بني أمية العادلين ومجدد المئة الأولى؛ عُدّ لخلافته الراشدة امتداداً للخلفاء الأربعة كما قرره الثوري والشافعي وأحمد، اشتهر بالفقه والحديث، وإقامة العدل، ورد المظالم، والزهد، وتدوين السنة النبوية، سكن المدينة ثم الشام دار الخلافة، وتوفي بدير سمعان من أعمال حمص بالشام سنة 101هـ.
  • 2 سير أعلام النبلاء (5/ 114).
  • 3 تذهيب تهذيب الكمال في أسماء الرجال (5/ 34/ 3090).
  • 4 جامع الأحاديث (32/ 281/ 35257)، وقال السيوطي: أخرجه ابن عساكر (25/ 485).
  • 5 المصنف لابن أبي شيبة (18/ 134/ 34481).
  • 6 صفة الصفوة (1/ 350).
  • 7 المرجع السابق (1/ 433/ 219).
  • 8 سنن ابن ماجه (1/ 23/ 61).
  • 9 محاسبة النفس لابن أبي الدنيا (111/ 90).
  • 10 صحيح البخاري (5/ 2137/ 5318).
  • 11 السنن الكبرى، البيهقي (8/ 240/ 16522).
  • 12 حلية الأولياء وطبقات الأصفياء (3/ 232).
  • 13 صحيح مسلم (8/ 11/ 2564).
الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة