عندما تشيخ المؤسسة!

مبنى_قديم_متهالك

ليست الشيخوخة دائماً عدداً من السنين، فقد يكبر الجسد وتبقى الروح شابة، وقد تكبر السنون وتبقى المؤسسة فتية، تتجدد وتتطور وتحضر في الميدان بفاعلية، وقد يحدث العكس تماماً؛ فتشيخ مؤسسة لم يمض على إنشائها إلا سنوات قليلة، ومن هنا يبدأ السؤال الأهم: متى تشيخ المؤسسة؟

إن مصطلح الشيخوخة لم يعد مقتصراً على من تقدم به العمر من البشر، بل أصبح يستخدم لوصف حالة قد تمر بها المؤسسة؛ حيث تفقد قدرتها على التجدد، وتتراجع قدرتها على مواكبة المتغيرات، وتتحول عاداتها القديمة من أدوات للنجاح إلى عوائق أمامها، وليس هذا مشهداً خاصاً بمكان دون آخر؛ فالمرض واحد، وإن اختلفت الأسماء.

وليست شيخوخة المؤسسات حكراً على نوع معين؛ فقد تكون في مؤسسة الدولة، أو في القطاع العام أو الخاص، أو في مؤسسة غير هادفة للربح.. ولكن الحديث عن المؤسسات يبقى نظرياً ما لم ننظر إلى ما يحدث في الواقع.

وأنا أسطر هذه المقالة، جال في ذهني بعض النماذج من المؤسسات التي عايشتها أو كنت قريباً منها، وكان السؤال الذي يلح علي: كيف لا ينتبه أصحابها إلى ما يحدث؟ كيف يرون تراجع الأداء، وبطء اتخاذ القرار، وآليات العمل العقيمة، وبيئات العمل المحبطة والطاردة للكفاءات، ثم يمضي الأمر وكأن شيئاً لم يحدث؟! وكيف يغادر المتميزون واحداً بعد آخر، وتتراجع روح المبادرة، وتضعف الثقة، ثم نقول: إنها مجرد حالات فردية؟!

وهنا لم يعد السؤال: ماذا نرى؟ وإنما لماذا لا نرى ما نراه؟ فعندما تعرفت على مفهوم الإدارة الرشيقة، بدأت تتضح لي معالم الخلل في تلك المؤسسات التي أعرفها، التي أراها تشيخ يوماً بعد يوم، ويضمحل عطاؤها وحضورها في الميدان، فما الذي تقوله لنا هذه الفلسفة؟ وكيف يمكن أن نفهم من خلالها ما يجري؟

إن الإدارة الرشيقة نهج حديث في الإدارة، يركز على تحقيق الكفاءة العالية، وتقديم القيمة بأقل الموارد وأقل هدر ممكن، مع تحسين العمليات واستمرار التطوير.

وقد نشأت هذه الفلسفة من نظام إنتاج تويوتا في اليابان، حيث سعت الشركة إلى تقليل العمليات التي لا تضيف قيمة للمنتج النهائي، فأدى ذلك إلى تحسينات كبيرة في الإنتاجية والجودة.

ومن أبرز سمات الإدارة الرشيقة: تمكين فرق العمل، وتفويض الصلاحيات، وسرعة اتخاذ القرار في المستويات التنفيذية المختلفة، وتعزيز الشفافية والتعاون، وكسر الحواجز التقليدية بين الأقسام؛ لتسهيل تدفق العمل وانسيابيته.

وأهم ما يميزها هو التركيز على القيمة؛ أي توجيه الجهود والموارد نحو تلبية احتياجات المستفيدين، والقدرة على التفاعل مع المتغيرات بكفاءة ومرونة.

ولكن، دعوني أعد إلى شيخوخة المؤسسة؛ فهي دائماً ما تذكرني بقصة ذلك «الضفدع المغلي»؛ وهي قصة رمزية؛ حيث أحضر العلماء ضفدعين، فألقي الأول في ماء مغلي، فوثب مذعوراً لينجو بنفسه، أما الثاني، فوضع في ماء بارد، ثم رفعت حرارته درجة تلو أخرى، لم يشعر بالخطر، بل انساب مع الدفء الوهمي، وتأقلم مع ارتفاع الحرارة ببطء، حتى إذا بلغ الماء الغليان، كان قد فقد القدرة على النجاة.

وهنا تتحول القصة من حكاية عن ضفدع إلى مرآة نرى فيها بعض مؤسساتنا؛ لم يقتله الغليان في لحظته الأخيرة، بل قتله الاعتياد على الخطر، ولعل هنا تكمن العبرة كلها.

فأخطر ما يصيب المؤسسة ليس دائماً ذلك الخلل الذي يظهر صريحاً أمام الجميع، بل ذلك الخلل الهادئ الذي يتسلل يوماً بعد يوم، حتى يصبح جزءاً من طبيعة المكان.

إن تشييخ المؤسسة لا يظهر في قرار خاطئ واحد، بل في تنازلات صغيرة تبدو منطقية في لحظتها:

  • مؤشر أداء يتراجع، فلا يثير القلق.
  • موظف متميز يغادر، فيعد الأمر حالة فردية.
  • ثقافة العمل تتغير بصمت، فيفسر ذلك بأنه تطور طبيعي.
  • تتراجع الثقة، وتنخفض جودة الحوار، وتتآكل روح المبادرة، بينما تظل المؤشرات التقليدية ترسل رسائل مطمئنة، وهنا تبدأ أخطر مراحل الانحدار.

فالمؤسسة لا تسقط في ليلة واحدة، ولا تفقد روحها في لحظة واحدة؛ بل قد تفقد شيئاً منها كل يوم، في صمت، حتى يأتي يوم يكتشف فيه الجميع أن المكان لم يعد هو المكان.

إن الإدارة الواعية والحكيمة ليست تلك التي تجيد إطفاء الحرائق فقط، بل تلك التي تلحظ ارتفاع درجة الحرارة قبل أن تشتعل النار، والقائد الحقيقي ليس من ينجح في إخماد الأزمات فقط، بل من يسأل قبل الأزمة: كيف وصلنا إليها؟

ولهذا، فإن نضج المؤسسات لا يقاس بعدد التقارير التي تصدرها، ولا بكثرة الاجتماعات التي تعقدها، بل بقدرتها على طرح الأسئلة التي قد لا يرغب أحد في سماعها:

  • لماذا تراجع هذا المؤشر؟
  • لماذا غادر هذا الموظف؟
  • لماذا ضعفت روح المبادرة؟
  • لماذا أصبح اتخاذ القرار أبطأ؟
  • ولماذا تبدو الأرقام مطمئنة، بينما يشعر العاملون بأن شيئاً ما ليس على ما يرام؟

ولعل أخطر الأسئلة هو الذي لا يُطرح أصلاً!

إن المؤسسة الناضجة لا تخاف من الأسئلة الصعبة؛ لأنها تعرف أن السؤال المزعج اليوم قد يكون هو الذي ينقذها من أزمة الغد، فأكثر ما يهدد المؤسسات ليس القرار الخاطئ، بل الاعتياد على القرار الذي لم يعد مناسباً، والسياسات لا تشيخ لأنها خاطئة، وإنما تشيخ حين تظل تكرر بعد أن تتغير الظروف التي ولدت فيها، فما كان مناسباً بالأمس قد لا يكون مناسباً اليوم، وما نجح في مرحلة قد يصبح عائقاً في مرحلة أخرى.

والمؤسسة التي لا تراجع أدواتها باستمرار قد تجد نفسها بعد سنوات تدافع عن حلول لمشكلات لم تعد موجودة، وتواجه مشكلات جديدة بأدوات قديمة.

حتى لا تشيخ المؤسسة، فإن أعظم مسؤولية تقع على عاتق القيادة فيها ليست إدارة الحاضر فقط، بل حماية المؤسسة من أخطر خصومها، ذلك الخصم الذي لا يقتحم الأبواب، ولا يثير الضجيج، ولا يظهر في صورة خطر واضح؛ بل يتسلل بهدوء تحت أسماء مألوفة:

  • «هذا هو الموجود».
  • «هذا هو المتوفر».
  • «هكذا اعتدنا».
  • «لقد فعلنا ذلك دائماً».

ولعل من أجمل ما يستأنس به في هذا المعنى ما يروى عن الخليفة الخامس عمر بن عبدالعزيز رضي الله عنه، أنه كان يقول لصاحب له، وهو عمر بن مزاحم رحمه الله: «يا عمر، كن معي دائماً، فإن رأيتني ضللت فهزني هزاً شديداً، وخذ بتلابيبي، وقل لي: اتق الله يا عمر، فإنك ستموت».

كلمات قليلة، ولكنها تحمل معنى كبيراً؛ أن تكون القيادة قابلة للنصيحة، وأن تبحث عمن ينبهها حين تغفل، لا عمن يصفق لها حين تخطئ، فالمؤسسة لا تشيخ حين تكبر سنونها، وإنما تشيخ حين تتوقف عن السؤال، وعن التعلم، وعن التجدد.

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة