كيف تكون ناجحاً اجتماعياً؟ (3)

النجاح الحقيقي في نفع الآخرين

شباب_يساعد_المحتاجين

في 27 أغسطس 2025م، جاء اتصال من جمعية الهلال الأحمر الكويتي بشأن شحنة من المخبوزات تبلغ قيمتها نحو 30 ألف دينار، اشترتها جمعية خيرية من شركة المطاحن الكويتية لإرسالها إلى أهل غزة عبر جمهورية مصر العربية، وكان المطلوب الحضور إلى المطار والإشراف على تحميلها على طائرة تابعة للقوات الجوية الكويتية، لتبدأ بعدها رحلة المساعدات نحو مطار العريش، ثم إلى قطاع غزة.

هذه الحادثة تحمل معنى يتجاوز العمل الخيري نفسه، وتفتح سؤالاً مهماً: ما الذي يجعل الإنسان ناجحاً اجتماعياً؟ هل هو عدد الأشخاص الذين يعرفهم؟ أم قدرته على الكلام والإقناع؟ أم أن النجاح الاجتماعي أعمق من ذلك كله؟

الحقيقة أن النجاح الاجتماعي يبدأ عندما يتجاوز الإنسان ذاته، فيرى أن قيمته ليست فيما يأخذه من المجتمع فقط، بل فيما يضيفه إليه.

الناجح اجتماعياً إنسان نافع

حين يذهب الإنسان إلى المطار ليشاهد بنفسه تحميل مساعدات ساهم فيها، فإنه لا يشاهد صناديق تنتقل من مكان إلى آخر فحسب، وإنما يتعلم أن وراء كل إنجاز شبكة من البشر؛ متبرع، ومتطوع، وموظف، وجمعية، وطائرة، وسائق، وعامل، ومسؤول.

وهذا ما فهمه العالم والفيلسوف المسلم أحمد بن محمد بن مسكويه منذ قرون، فقد كتب في كتابه «تهذيب الأخلاق وتطهير الأعراق» أن الإنسان بالضرورة يحتاج إلى غيره، وأنه لذلك مضطر إلى مصافاة الناس ومعاشرتهم العشرة الجميلة، ومحبتهم المحبة الصادقة، فالإنسان لا يكتمل منعزلاً عن الآخرين، ومن هنا فإن أول أسرار النجاح الاجتماعي أن تسأل نفسك: ماذا أقدم للناس؟

لا تكن مجرد متفرج

العمل الخيري يعلمنا قاعدة اجتماعية مهمة؛ أن المشاركة تصنع الانتماء، يمكنك أن تسمع عن عشرات المبادرات دون أن يتغير في داخلك شيء، لكن عندما تشارك بيدك، وترى النتائج بعينك، يصبح الأمر جزءاً من تجربتك.

والقاعدة نفسها تنطبق على الأسرة والعمل والدراسة، لا تكن ذلك الإنسان الذي ينتقد كل شيء ولا يشارك في شيء، إذا وجدت مشروعاً نافعاً، فساهم فيه، وإذا احتاج صديق إلى مساعدة، فساعده، وإذا امتلكت معرفة يحتاج إليها غيرك، فلا تحتكرها.

ساعد الناس بما تعرفه

وفي 28 أغسطس 2025م، طلبت إحدى القريبات مساعدة في إعداد مسابقات للأطفال، وكان المطلوب 3 مجموعات من الأسئلة تناسب أعماراً مختلفة، وهنا دخلتْ أداة جديدة إلى العلاقات الإنسانية؛ الذكاء الاصطناعي.

استخدمتُ «ChatGPT» لإعداد 30 سؤالاً للأطفال، ثم أرسلت الأسئلة إلى القريبة لتستفيد منها في المسابقات.

قد يبدو الأمر تقنياً، لكنه في جوهره اجتماعي، فالتكنولوجيا تصبح ذات قيمة عندما تحول معرفتك إلى خدمة للآخرين.

والإنسان الناجح اجتماعياً في عصر الذكاء الاصطناعي ليس من يعرف الأدوات الحديثة فقط، وإنما من يعرف كيف يوظفها لخدمة أسرته وأصدقائه ومجتمعه.

العاقل لا يسلم عقله للتقنية

وفي اليوم نفسه، دار نقاش مع متخصص في علم النفس حول استخدام الذكاء الاصطناعي في تفسير الأحلام، وكان جوهر النقاش ضرورة الحذر من التسليم لكل ما تنتجه الآلة.

وهنا تظهر صفة اجتماعية مهمة قد لا ننتبه إليها؛ أن الناجح اجتماعياً لا ينقل كل ما يسمع، ولا يقدم كل ما تقوله التقنية للآخرين باعتباره حقيقةً، إنه يتحقق، ويسأل المختص، ويميز بين المعلومة والرأي، وبين الاحتمال والحقيقة.

فالذكاء الاصطناعي أداة نافعة، لكنه ليس عقلاً معصوماً من الخطأ، كما أن كتب تفسير الأحلام المنسوبة إلى محمد بن سيرين وما ينقل عنها لا تجعل كل تفسير آلي لحلم حكماً صحيحاً.

اجعل لقاءاتك أكثر قيمة

وفي 29 أغسطس 2025م، كانت نزهة مع الأخ الأكبر على شاطئ أنجفة في الكويت، امتدت لنحو ساعة من المشي والحوار، لم يكن المشي مجرد رياضة، بل أصبح فرصة لمناقشة الذكاء الاصطناعي ومنافعه وأخطاره.

وهذه عادة تستحق أن يتعلمها الشباب والشابات؛ ألا تجعلوا لقاءاتكم مجرد قتل للوقت؛ فحين تجلس مع صديق في مقهى، أو تمشي مع أخيك على شاطئ، أو تجتمع مع زملائك، افتح موضوعاً يستحق التفكير، ناقش كتاباً، أو فكرةً، أو مشروعاً، أو مشكلةً اجتماعية، أو تجربةً مررت بها.

ليس المطلوب أن تتحول كل جلسة إلى محاضرة، وإنما ألا تصبح ساعات العمر مجرد أحاديث تنتهي بانتهاء المجلس.

اختر علاقاتك بوعي

وقد تنبه أبو الحسن عليّ بن محمد الماوردي إلى أهمية اختيار الصديق، فجعل العقل والدين والخلق والرغبة من الصفات التي ينبغي مراعاتها عند اختيار الإخوان.

وهذه الفكرة شديدة الأهمية في عصر وسائل التواصل الاجتماعي، فليس كل من يتابعك صديقاً، وليس كل من يضحك معك محباً، وليس عدد العلاقات دليلاً على جودتها.

الصديق الحقيقي يضيف إلى عقلك وقلبك وحياتك، وأنت بدورك تضيف إلى حياته، والنجاح الاجتماعي ليس في جمع أكبر عدد من الناس حولك، بل في بناء علاقات تستحق البقاء.

تعلم فن الحوار

وفي مساء 29 أغسطس 2025م، كان هناك لقاء مع إمام مسجدنا على العشاء، ودار حديث حول الزواج، والدين، والعادات الاجتماعية، والتوافق بين الزوجين.

بصرف النظر عن الاتفاق أو الاختلاف في الرأي، فإن قيمة هذه اللقاءات تكمن في الحوار نفسه، فالإنسان الناجح اجتماعياً لا يخشى مناقشة القضايا الحساسة، لكنه يناقشها بأدب، ويفرق بين احترام الإنسان والموافقة على رأيه.

إنه يستطيع أن يقول: أنا أخالفك، دون أن يقول: أنا أحتقرك، وهذه مهارة يحتاج إليها جيلنا أكثر من أي وقت مضى.

الألفة لا تعني التصنع

يقول أبو الحسن علي بن محمد الماوردي في «أدب الدنيا والدين»: «وأما المؤاخاة بالمودة؛ فلأنها تكسب بصادق الميل إخلاصاً ومصافاة».

تأملوا عبارة «بصادق الميل»، فالنجاح الاجتماعي لا يقوم على التمثيل، تستطيع أن تتعلم مهارات الحديث ولغة الجسد، لكن الناس مع الزمن يكتشفون الإنسان المتصنع.

لذلك، كن مهذباً، ولكن كن حقيقياً، كن ودوداً، ولكن لا تنافق، امدح عندما ترى ما يستحق المدح، واعتذر عندما تخطئ، واشكر عندما يقدم لك إنسان معروفاً.

اصنع قيمة أينما كنت

يا شبابنا وشباتنا، إذا أردتم أن تكونوا ناجحين اجتماعياً، فلا تنشغلوا بالسؤال: كيف أجعل الناس يعجبون بي؟ واسألوا بدلاً منه: كيف أجعل وجودي نافعاً لمن حولي؟ تعلموا من العمل الخيري معنى المشاركة، ومن التقنية معنى تسخير المعرفة لخدمة الآخرين، ومن الحوار معنى الإصغاء، ومن أحمد بن محمد بن مسكويه أن الإنسان يحتاج إلى غيره، ومن أبي الحسن علي بن محمد الماوردي أن العلاقات الحقيقية تقوم على المودة الصادقة وحسن الاختيار.

امشوا مع إخوتكم، واجلسوا مع أصدقائكم، واستمعوا إلى المتخصصين، وساعدوا أقاربكم، وشاركوا مجتمعكم، ولا تسمحوا للتقنية بأن تلغي عقولكم، فالناجح اجتماعياً ليس من يستطيع الوصول إلى أكبر عدد من الناس، بل من يستطيع أن يصل إلى قلوبهم وعقولهم بصدق، وأن يترك في حياتهم بعد كل لقاء معرفة، أو منفعة، أو كلمة طيبة، أو أثراً جميلاً.

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة