الزواج في عصر الخوارزميات..
كيف غيَّرت الشاشة أول خطوة في البحث عن شريك الحياة؟
لأجيال طويلة،
كان البحث عن شريك الحياة اجتهاداً إنسانياً؛ حيث أُم تعرف فتاة، أو خالة تعرف
أسرة، أو صديق يعرف شاباً، أو خاطبة تحفظ أسماء البيوت وطباع أهلها، وكان الترشيح
فعلاً بشرياً قبل أن يكون قراراً عائلياً، شخص يقول: أعرفه وأعرف أهله وأظنه
مناسباً لك.
لكن، ومع مرور
الزمن، وطغيان التكنولوجيا على البشر، أصبح من الممكن أن تبدأ الحكاية من شاشة لا
تعرف أحداً بهذه الطريقة، كل ما تعرفه بيانات، صورة، وعمر، ومهنة، وموقع جغرافي،
ومجموعة من الشروط، ثم خوارزمية تقول: ربما يناسبك هذا الشخص.
المشهد لم يعد
افتراضياً، تطبيقات عربية للزواج تعلن عن ملايين المستخدمين والتنزيلات، وأخرى
خليجية تتحدث عن آلاف الزيجات التي بدأت من داخل منصاتها.
في السعودية،
يعلن تطبيق «مِلكة» في أغسطس 2026م تجاوزه 4500 حالة زواج مكتملة عبر المنصة،
بينما يتحدث تطبيق «الخطابة» عن مجتمع يضم 8 ملايين مسلم عزب وأكثر من 5 ملايين
تنزيل للتطبيق، ويؤكد أنه يستخدم استبيانات للتوافق وتقنيات للذكاء الاصطناعي في
اقتراح المطابقات.
فكم شخصاً تزوج
عبر الشاشة؟ وماذا حدث للطريقة التي نبحث بها عن الإنسان الذي سنتزوجه؟ فحين كانت
الخاطبة تعرض رجلاً أو امرأة كان السؤال: هل يناسبك هذا الإنسان؟ أما الشاشة فتفتح
أمام الباحث عشرات ومئات الاحتمالات، وتسمح له بالفرز والمقارنة والاستبعاد في
ثوانٍ.
فهل أصبح
الاختيار أكثر دقة؟ أم أصبح أكثر تعقيداً؟ وهل تستطيع الخوارزمية أن ترى ما كانت
تعرفه الخاطبة عن البيت والطباع والسمعة وطريقة التعامل؟ أم أننا من دون أن نشعر،
نقلنا أول خطوة في واحدة من أكثر قرارات الحياة إنسانية من شبكة العلاقات
الإنسانية إلى شبكة البيانات؟
الخوارزمية.. خاطبة جديدة
لم تعد
الخوارزمية مجرد أداة تقنية تعمل في الخلفية، بل أضحت تدخل اليوم إلى واحدة من
أقدم عمليات الاختيار الاجتماعي، فالتطبيق يجمع مجموعة من البيانات عن الباحث عن
الزواج، ثم يتيح له تحديد العمر والمكان والتعليم والمهنة وغيرها من الشروط، قبل
أن يبدأ النظام في ترتيب الاحتمالات واقتراح من يبدو أكثر توافقاً مع ما أدخله
المستخدم.
وهنا حدث التحول
الأهم، فالخاطبة التقليدية كانت تتحرك داخل شبكة من المعرفة الإنسانية حيث تعرف
الأسرة، وقد تعرف الأب والأم، وربما سمعت عن طباع الابن أو البنت من مخالطة الناس،
أما الخوارزمية فلا تعرف الشخص بهذا المعنى، بل تتعامل مع البيانات التي يمكن
تحويلها إلى عناصر قابلة للمعالجة والمقارنة.
الإنسان.. داخل «بروفايل»
الشاشة لا تعرض
الإنسان كاملاً، بل تعرض نسخة مختارة منه، صورة يختارها بعناية، معلومات يقرر
إدخالها، وصفات يصف بها نفسه، وشروط يحددها في الطرف الآخر، وفي مساحة صغيرة يُطلب
من حياة كاملة أن تتحول إلى ملف شخصي يمكن قراءته في ثوان.
المشكلة هنا
ليست في أن الناس كانوا يخبرون الخاطبة بكل شيء في الماضي؛ فلم يكن ذلك يحدث
بالضرورة، لكن الفارق أن المعرفة التقليدية كانت تتسع مع السؤال واللقاء والعلاقات
المشتركة، بينما «البروفايل» يبدأ من لحظة يكون الإنسان فيها المسؤول عن تحرير
صورته أمام الآخر، ما الذي سيكتبه؟ وما الذي سيخفيه؟ وهل الصورة التي يقدمها عن
نفسه هي صورته فعلاً، أم الصورة التي يعتقد أنها ستكون أكثر جاذبية؟
وهكذا يصبح
البحث عن شريك الحياة قريباً من عملية بناء الهوية الرقمية، بمعنى أنك لا تُعرض
كما أنت في الحياة اليومية، بل كما اخترت أن تظهر، وهو ما يخفي بالضرورة الأسئلة
الأصعب، مثل: كيف يتصرف هذا الشخص حين يغضب؟ كيف يختلف؟ كيف يتحمل المسؤولية؟ كيف
يتعامل مع الضعف؟ وهل يملك من النضج ما لا يظهر في أي خانة من خانات الملف الشخصي؟
الفلترة.. من نراه؟
الفلترة إحدى
أكثر وظائف الشاشة تأثيراً؛ لأنها لا تساعدنا فقط على اختيار من نراه، وإنما تحدد
بدرجة ما من يدخل أصلاً إلى مجال رؤيتنا، العمر، والمكان، والتعليم، والمهنة،
والدخل، والمظهر، والقبيلة أو الخلفية الاجتماعية، كلها يمكن أن تتحول إلى شروط
تسبق اللقاء نفسه.
وهذه الوظيفة
تبدو للوهلة الأولى شديدة الكفاءة، بدل أن يتعامل الباحث مع دائرة واسعة وغير
محددة، يمكنه تضييقها إلى أشخاص يطابقون ما يراه مناسباً، لكن كل شرط جديد يعني
أيضاً استبعاد احتمالات أخرى قبل أن نعرف أصحابها.
الوفرة.. حين يربكنا الاختيار
كثرة الخيارات
تبدو لأول وهلة ميزة هائلة، لكنها ليست كذلك دائماً، فهناك دراسة حديثة عن تطبيقات
المواعدة وجدت أن زيادة عدد الملفات المعروضة قد ترتبط بإرهاق أكبر من الاختيار.
وأكدت الدراسة
أن معدل قبول الملفات في التجربة انخفض من نحو 24% مع الخيارات الأقل إلى 17% مع
الخيارات الأكثر، وهنا تتحول الوفرة إلى سؤال نفسي كبير: إذا كان أمامي دائماً
احتمال آخر، فمتى أتوقف عن البحث؟
وهنا تظهر واحدة
من أغرب مفارقات الشاشة وهي أن العثور على شخص قد يصبح أسهل، بينما يصبح الاكتفاء
بشخص أصعب، فكلما اتسعت قائمة الاحتمالات قد لا يعود السؤال هل هذا مناسب؟ وإنما
هل يوجد شخص أفضل في القائمة التالية؟
الأسرة.. عودة مختلفة
قد يبدو للوهلة
الأولى أن التطبيقات تنقل قرار الزواج بعيداً عن الأسرة، لكنها تكشف في بعض
نماذجها عن نتيجة أكثر تعقيداً، فبعض المنصات الخليجية لم تكتفِ بتوفير حساب فردي
للباحث عن الزواج، وإنما أتاحت لأفراد الأسرة المشاركة في إدارة الملف والبحث، بما
يعيد حضور الأسرة إلى العملية ولكن بأداة رقمية جديدة.
وهنا لا تختفي
الخاطبة تماماً، وإنما تتغير، فبدل أن تكون امرأة تحمل دفتراً وأسماء وصوراً في
ذاكرتها، أصبح بالإمكان أن تكون أُماً أو أختاً أو قريباً يفتح حساباً ويضع الشروط
ويتابع الاحتمالات، ويتواصل من خلال المنصة، فالتقنية إذن لا تلغي دائماً الوسيط
البشري، لكنها أحياناً تعيد تشكيله.
لكن الفرق أن
الأسرة نفسها تدخل هذه المرة إلى فضاء تحكمه البيانات والفلاتر أيضاً وهو ما يطرح
سؤالاً آخر: هل تساعد التكنولوجيا الأسرة على توسيع دائرة البحث، أم تجعلها أكثر
تمسكاً بالشروط التي يمكن إدخالها في خانات؟ وهل يمكن للعائلة أن ترى في الإنسان
ما لا يظهر في ملفه الرقمي؟
الإنسان.. ما لا يُرمّز
هناك أشياء
كثيرة يمكن تحويلها إلى بيانات مثل العمر، والتعليم، والمهنة، والدخل، والمكان،
والهوايات، وحتى بعض التفضيلات، لكن الزواج لا يقوم على هذه الأشياء وحدها.
ثمة خصائص أكثر
عمقاً تتكشف غالباً في المواقف، منها الرحمة، والاحتواء، والنضج، والقدرة على
الاعتذار، وتحمل المسؤولية، وطريقة إدارة الخلاف، وكيف يتصرف الإنسان عندما لا
تسير الحياة وفق ما يريد.
وهذه ليست دعوة
إلى رفض التقنية وإنما إلى فهم حدودها، فالخوارزمية لا تكون مخطئة لأنها لا تعرف
هذه الأشياء، هي ببساطة تعمل داخل نوع محدد من المعرفة، وهي المعرفة التي يمكن
تمثيلها في بيانات، لكن الإنسان أوسع من بياناته، والزواج أوسع من عملية مطابقة
بين ملفين.
ولعل هذه هي
النقطة التي تستحق أن تبقى حاضرة وسط كل الحديث عن الذكاء الاصطناعي والخوارزميات،
ويمكننا اختصارها أنه ليس كل ما يمكن قياسه هو الأكثر أهمية، وليس كل ما هو مهم
يمكن قياسه بسهولة.
من الشاشة.. إلى الحياة
وفي النهاية، لا
تبدأ المشكلة الحقيقية حين تضغط الشاشة على زر تطابق، بل حين ينتقل الشخصان من
عالم الملفات إلى عالم الحياة، هناك تبدأ الأسئلة التي لا يجيب عنها التطبيق، كيف
يتحدثان؟ وكيف يختلفان؟ وكيف يتعامل كل منهما مع أهل الآخر؟ وماذا يحدث عندما تضيق
الموارد أو تتغير الظروف؟ وهل يتحول الإعجاب الأول إلى قدرة على بناء بيت؟
التكنولوجيا
نجحت بالفعل في تغيير نقطة البداية، وجعلت الوصول إلى شريك محتمل أسهل ووسعت دائرة
الاختيار، وقدمت أدوات لم تكن موجودة من قبل، لكن سهولة الوصول لا تعني سهولة
المعرفة، وكثرة الاحتمالات لا تعني بالضرورة جودة الاختيار.
ولهذا ربما لا
يكون السؤال الحقيقي هل الخوارزمية تصلح ليؤسس عليها الزواج أم لا؟ فهذا سؤال أضيق
من الظاهرة نفسها، لكن السؤال الأعمق: ماذا يحدث للزواج عندما يصبح أول ما نراه في
الإنسان هو بياناته، وأول ما نعرفه عنه هو ما اختار أن يكتبه عن نفسه، وأول ما
يجمعنا به هو قرار اتخذته خوارزمية؟
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً