كيف نتعامل مع تفرّق العلم؟ بصيرة محمد بن سيرين

عبدالله السيد

26 أكتوبر 2026

17

تصميم بصري يعبر عن تفرق المعرفة بين مصادر متعددة

روى الذهبي، في «سير أعلام النبلاء»، في ترجمة محمد بن سيرين(1) عن قرة بن خالد، أنه سمع محمدًا يقول: «ذهب العلم، وبقيت منه شذرات في أوعية شتى»(2).

هذه العبارة ليست مجرد حنين إلى زمن مضى، بل تشخيص لعالم عاش قريبًا من عصر الصحابة، وشهد انتقال العلم من جيل إلى جيل، وتناقص من جمعوا بين الرواية والفقه والعمل والسمت.

وكان محمد بن سيرين من كبار أئمة التابعين بالبصرة، وقد أدرك جماعة من الصحابة، ومن هنا تكتسب كلمته وزنها؛ فهو يصف تحولًا علميًا رآه من داخل عصره، لا من وراء قرون.

لماذا لا تعوض كثرة المعلومات رحيل العلماء الراسخين؟

لا يعني قول محمد بن سيرين «ذهب العلم» أن المعلومات اختفت، بل قد يكون المراد ذهاب نوع من العلم كان مجتمعًا في كبار أهله.

وهذا يلتقي مع قول النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الله لا يقبض العلم انتزاعًا ينتزعه من العباد، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء»(3).

فالعلم لا ينقص فقط بضياع النصوص، بل بذهاب من يحسن جمعها وفهمها وتنزيلها في مواضعها، ولهذا قد تكثر المعلومات ويقل الفقه، وقد تتسع وسائل النشر ولا يزداد الرسوخ.

ويؤيد هذا المعنى قول مجاهد بن جبر رحمه الله: «ذهبت العلماء فما بقي إلا المتعلمون، وما المجتهد فيكم إلا كاللاعب فيمن كان قبلكم»(4)، فالخسارة ليست في قلة المعلومات وحدها، بل في غياب العلماء الذين يجمعون العلم ويفقهون معانيه؛ ولذلك لا تعوّض وفرة المحتوى ما يفقده الناس بذهاب أهله.

وهذا ظاهر في عصرنا؛ إذ أصبح الوصول إلى المعلومة سهلاً، بينما صار التحدي الحقيقي في التحقق منها وفهم سياقها وتمييز الصحيح من المبتور.

تفرق المعرفة وضرورة التحقق من ضبط المصادر

تعبير محمد بن سيرين دقيق؛ فهو لم يقل إن العلم انقطع، بل بقيت منه «شذرات» موزعة في «أوعية شتى»؛ عند هذا شيء، وعند غيره ما ليس عنده، ومن هنا كانت الرحلة في طلب العلم، لأن طالب العلم لم يكن يتوقع أن يجد كل ما يحتاج إليه عند شيخ واحد أو في بلد واحد.

لكن تعدد الأوعية لا يعني تساويها؛ بل يجعل التثبت أشد ضرورة، فلابد من معرفة من يؤخذ عنه، ومقدار ضبطه، وحدود اختصاصه.

ويكشف تفاوت أوعية العلم ما وصفه مسروق بن الأجدع رحمه الله حين جالس أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: «فرأيتهم كالريح؛ منها ما تروي الرجل، ومنها ما تروي الرجلين، ومنها ما تروي العشرة، ومنها ما تروي مئة، ورأيت عبدالله بن مسعود لو نزل به أهل الأرض لأصدرهم»(5)، فالعلم وإن تفرّق بين أهله، فإنهم يتفاوتون في سعته وقدرتهم على إفادة الناس؛ مما يجعل معرفة منزلة العالم وضبطه ضرورةً لطالب العلم، لا مجرد اختيار بين مصادر متعددة.

وهذا المعنى أكثر إلحاحًا اليوم مع كثرة المنصات والحسابات والمقاطع والمصادر الرقمية، فالسؤال لم يعد: أين أجد المعلومة؟ بل: من قالها؟ وبأي دليل؟ وهل يتحدث في مجال يعرفه؟

حدود المعرفة عند الكبار.. لماذا يتجنب العالم التزكية

اللافت أن الذي يصف ما بقي من العلم بأنه «شذرات» هو محمد بن سيرين نفسه، مع مكانته وسعة علمه، وهنا يظهر خلق أصيل من أخلاق العلماء: كلما اتسعت المعرفة، ازداد إدراك الإنسان لما يجهله، ويضع القرآن هذا المعنى في ميزانه الصحيح بقوله تعالى: (وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا) (الإسراء: 85).

فالتواضع العلمي ليس مجرد فضيلة أخلاقية، بل منهج في التفكير، من يعرف حدود علمه يسأل ويراجع ويقبل التصحيح، أما من يتوهم الإحاطة فإنه يغلق على نفسه باب التعلم.

ويتجلى هذا التواضع في موقف القاسم بن محمد، حين سأله أعرابي: «أنت أعلم أم سالم؟(6)، فقال القاسم: «ذاك منزل سالم» فتجنّب المفاضلة بينهما، وفسّر محمد بن إسحاق موقفه بأنه كره أن يقول: «هو أعلم مني» فيكذب، أو يقول: «أنا أعلم منه» فيزكي نفسه(7)، فالعالم حقًّا لا يدّعي الإحاطة، ولا يجعل علمه وسيلةً لرفع منزلته، بل يعرف قدر نفسه ويتجنب ما لا يملك الجزم به.

وهذا يمتد إلى القيادة والتربية والعمل؛ فالقائد الرشيد لا يظن أن منصبه يجعله أعرف بكل شيء، بل يجمع أهل الخبرة، ويعرف أن عند الآخرين جوانب من الصورة لا يراها وحده.

البعد المعرفي للشورى.. جمع العقول لإكمال نقص الفرد

كلما اتسعت العلوم ازداد التخصص، ومع التخصص تظهر فائدة عظيمة وخطر مقابل؛ فقد يتقن الإنسان جزءًا من الصورة ثم يتعامل معه كأنه الصورة كلها.

ولهذا تحتاج القرارات الناضجة إلى تكامل الخبرات، فالطبيب يحتاج أحيانًا إلى غيره، وصانع القرار إلى الاقتصادي والقانوني والاجتماعي، والمربي إلى المتخصص النفسي أو التربوي، وكذلك تتكامل علوم الشريعة بعضها مع بعض.

ومن هنا تصبح «الأوعية الشتى» دعوة إلى حسن الجمع لا إلى ادعاء الاستغناء؛ فالمطلوب أن نعرف قيمة كل وعاء، ثم نضع ما عنده في موضعه الصحيح.

وهذا هو البعد المعرفي للشورى؛ لا يستشير الإنسان غيره لأنه عاجز، بل لأنه يدرك أن الرؤية الكاملة قد تكون موزعة بين أكثر من عقل.

حين تخدعنا سرعة الانتشار.. الفارق بين المعلومة والفقه

تصلح كلمة محمد بن سيرين أيضًا لتصحيح وهم معاصر: الخلط بين كثرة المحتوى وعمق المعرفة؛ فقد تتضاعف المحاضرات والمقالات والمقاطع، ومع ذلك يبقى الفرق واسعًا بين من يملك معلومات كثيرة ومن يملك علمًا راسخًا.

العبرة ليست بعدد ما يُقال، بل بجودة الفهم، وقوة الدليل، وحسن التمييز، وفي البيئة الرقمية قد ينتشر المقطع المختصر أسرع من التحقيق، وقد تمنح الشهرة صاحبها سلطة معرفية لا يمنحه إياها تخصص ولا علم.

ويؤكد هذا المعنى قول الزهري رحمه الله: «إن هذا العلم إن أخذته بالمكابرة غلبك، ولم تظفر منه بشيء، ولكن خذه مع الأيام والليالي أخذًا رفيقًا تظفر به»(8)، فالرسوخ لا تصنعه كثرة المحتوى ولا سرعة استهلاكه، بل تحصيل متأنٍّ وفهم متدرّج يميز بين كثرة المعلومات وحقيقة العلم.

منهج محمد بن سيرين.. تحويل شذرات العلم لضوابط عملية

بعد أكثر من ثلاثة عشر قرنًا، ما تزال عبارة محمد بن سيرين حية؛ لأن مشكلة تفرق المعرفة لم تختف، بل اتخذت صورًا جديدة؛ فالعلم يتسع، والتخصصات تتشعب، والمصادر تتكاثر، ولا يستطيع فرد واحد الإحاطة بكل شيء، ومن هنا تبرز ثلاثة أصول: التواضع أمام حدود المعرفة، والتثبت من مصادرها، والتكامل بين أهل الاختصاص.

فإذا كانت الشذرات موزعة، فاجمعها بحكمة، وإذا كانت الأوعية شتى، فميّز موثوقها من غيره، وإذا كان عندك شيء من العلم، فلا تتوهم أنه العلم كله.

وهكذا تتحول كلمة محمد بن سيرين من وصف لعصره إلى قاعدة لكل عصر: لا تغتر بكثرة ما تعرف، وتثبت ممن تأخذ، واجمع الصورة قبل أن تصدر الحكم.

الهوامش
  • 1 محمد بن سيرين الإمام شيخ الإسلام أبو بكر الأنصاري الأنسي البصري، مولى أنس بن مالك، خادم النبي صلى الله عليه وسلم، توفي سنة 110هـ.
  • 2 سير أعلام النبلاء، ج4، ص612.
  • 3 متفق عليه من حديث عبدالله بن عمرو رضي الله عنهما.
  • 4 حلية الأولياء وطبقات الأصفياء، ج3، ص51.
  • 5 صفة الصفوة، ج2، ص198، ترجمة مسروق بن الأجدع.
  • 6 سالم بن عبدالله بن عمر بن الخطاب القرشي المدني، التابعي الجليل وأحد فقهاء المدينة.
  • 7 صفة الصفوة، ج2، ص89 - 90، ترجمة القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق.
  • 8 المرجع السابق، ج2، ص138، في ترجمة ابن شهاب الزهري.
الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة