حين تحفظ القدوة ميزان المجتمع.
كيف يحفظ العالم الرباني أمان المجتمع؟ عبد الله بن محيريز
أورد الذهبي، في
«سير أعلام النبلاء»، عن رَجَاء بن حَيْوَةَ قَالَ: بَقَاءُ عبد الله بْنِ مُحَيْرِيْزٍ
أَمَانٌ لِلنَّاسِ، وَعَنِ الأَوْزَاعِيِّ، قَالَ: مَنْ كَانَ مُقْتَدِياً،
فَلْيَقْتَدِ بِمِثْلِ ابْنِ مُحَيْرِيْزٍ، إِنَّ اللهَ لَمْ يَكُنْ لِيُضِلَّ
أُمَّةً فِيْهَا ابْنُ مُحَيْرِيْزٍ(1).
ليست هذه
الكلمات مجرد ثناء عابر على عابد من التابعين؛ فحين يقول رجاء بن حيوة إن بقاء رجل
واحد «أمان للناس»، وحين يرى الأوزاعي أن وجوده في الأمة مما يبعث على الطمأنينة
إلى بقائها على طريق الهدى، فنحن أمام معنى يتجاوز العبادة الفردية إلى وظيفة
العالم الرباني في المجتمع: أن يكون ميزانًا حين تختلط الموازين، وصوتًا للحق حين
ترتفع كلفة الكلام، وقدوةً تمنح القيم صورة حية يراها الناس أمامهم.
كيف يحفظ العالم الرباني المعيار الأخلاقي للمجتمع؟
هذه من أعمق
العبارات في ترجمة عبد الله بن محيريز: «بقاء ابن محيريز أمان للناس»، وقد نقل النووي
أيضًا عن رجاء بن حيوة قوله بعد وفاة ابن محيريز: «والله إن كنت لأعد بقاء ابن
محيريز أمانًا لأهل الأرض»(2).
وليس المقصود أن
فردًا صالحًا يمنع كل فتنة أو يضمن عصمة المجتمع من الخطأ؛ فالعصمة ليست لأحد بعد
رسول الله صلى الله عليه وسلم، والأمم لا تُحفظ بمجرد وجود الأشخاص، وإنما تكشف
العبارة عن وظيفة اجتماعية شديدة الأهمية يؤديها العالم العامل: وجوده يضع أمام
الناس معيارًا مرئيًا للحق، ويمنح المترددين مرجعًا، ويجعل الانحراف أقل قدرة على
تقديم نفسه باعتباره الوضع الطبيعي الذي لا بديل له، وهنا يلتقي هذا المعنى مع
قوله تعالى: (فَلَوْلَا كَانَ
مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي
الْأَرْضِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ) (هود: 116).
وقد فسر الطبري
«أولو بقية» بأنهم أصحاب فهم وعقل يعتبرون بمواعظ الله، وينهون أهل المعاصي عن
معاصيهم(3)، وذكر ابن كثير أنهم «بقايا من أهل الخير» ينهون عما يقع من
الشر والمنكر والفساد(4)، فالمجتمع لا يحتاج إلى كثرة الصالحين في
الزوايا فحسب، بل إلى وجود أناس يجمعون بين الصلاح والبصيرة، وبين العبادة والقدرة
على حماية المعيار الأخلاقي العام.
ولهذا قد يكون
الرجل الواحد أكبر من مجرد فرد في الحساب الاجتماعي؛ لأن آلاف الناس قد يعرفون
الحق نظريًا، بينما يستطيع إنسان واحد صادق أن يجعل ذلك الحق مشاهدًا متجسدًا، فلا
يعود مجرد فكرة في الكتب.
وفي أوقات
الاستقرار قد يبدو وجود العلماء الربانيين إضافة محمودة، لكن قيمتهم الحقيقية تظهر
أكثر عند الفتن والتحولات؛ لأن الفتنة لا تغير الوقائع وحدها، بل تربك تعريف
الأشياء، ما كان منكرًا قد يصبح مألوفًا، وما كان تنازلًا قد يعاد تقديمه بوصفه
حكمة، وما كان شجاعة قد يصور تهورًا، وهنا يحتاج المجتمع إلى أشخاص لم تتغير
بوصلتهم كلما تغيرت الريح.
ولهذا كانت
وظيفة العلماء والمربين والمصلحين أوسع من تقديم المعلومة، إنهم يحمون «ذاكرة
المعيار»: يذكرون المجتمع بما كان يعده حقًا قبل أن تضغط عليه المصلحة والخوف
والعادة.
والمؤسسات كذلك
تحتاج إلى أشخاص يؤدون هذه الوظيفة، فكل فريق عمل يحتاج إلى من يطرح السؤال الذي
لا يريد الآخرون سماعه، وكل مؤسسة تعليمية تحتاج إلى معلم لا يقبل أن يصبح النجاح
الرقمي بديلًا من بناء الإنسان، وكل بيئة إعلامية تحتاج إلى من يتذكر أن الانتشار
ليس مرادفًا للصواب.
وحين تغيب هذه
النماذج لا يحدث الانهيار دائمًا دفعة واحدة؛ بل يبدأ الانحراف صغيرًا، ثم يفقد
الناس بالتدريج القدرة على الشعور بأنه انحراف أصلًا.
ويكشف كلام
السلف عن عمق هذه الوظيفة الاجتماعية للعلماء؛ فقد قال سعيد بن جبير رحمه الله،
حين سُئل عن علامة هلاك الناس: «إذا ذهب علماؤهم»(5)، وهذه العبارة
تقابل بصورة لافتة قول رجاء بن حيوة: «بقاء ابن محيريز أمان للناس»؛ فالأولى تكشف
أثر غياب العلماء، والثانية تكشف أثر بقائهم، فإذا كان ذهاب العلماء من علامات
الهلاك، فإن بقاء العالم الرباني القائم بالحق يمثل أحد أسباب بقاء ميزان الهدى في
المجتمع.
صناعة القدوة الحقيقية للأمة: عبد الله بن محيريز نموذجا
قال الأوزاعي:
«من كان مقتديًا فليقتد بمثل ابن محيريز؛ فإن الله لم يكن ليضل أمة فيها ابن
محيريز»، والاقتداء في اصطلاح العلماء ليس انبهارًا بالشخصية، وإنما اتباع لما
تجسد فيها من صفات موافقة للهدى، ولذلك فإن السؤال الأهم ليس: ماذا قال الناس في عبد الله بن محيريز؟ وإنما ما الذي رأوه فيه حتى قالوا ذلك؟ تجيب ترجمته عن هذا السؤال
بصورة لافتة.
كان من شأنه أن
يخفي محاسنه، حتى وصف بأنه من أشد الناس حرصًا على ستر أفضل ما عنده، وكان يخشى أن
تتحول مكانته العلمية نفسها إلى باب على قلبه؛ فقال لمن سمعوا منه الحديث ألا
يقولوا: «حدثنا ابن محيريز»، خوفًا مما قد يحدثه ذكر اسمه وتعظيمه في نفسه، وروي
عنه الدعاء الموجز العجيب: «اللهم إني أسألك ذكرًا خاملًا»(6).
هنا تتكشف إحدى
المفارقات الكبرى في صناعة القدوة: لقد طلب الخمول، فخلّد التاريخ ذكره؛ وهرب من
صناعة الصورة، فصارت صورته الأخلاقية أقوى من صور كثير ممن طلبوا الشهرة.
فالقدوة التي
تبحث عن أعين الناس معرضة لأن تصبح أسيرة لتوقعاتهم، أما من تحرر من حاجته إلى
التصفيق فإنه يصبح أقدر على قول ما يعتقد أنه حق ولو أغضب الناس.
وليس العالم
الرباني هو الذي يكثر من معرفة الأحكام فحسب، وإنما هو الذي تتحول المعرفة عنده
إلى سلوك ظاهر، ولهذا قال سفيان بن عيينة رحمه الله: «ليس العالم الذي يعرف الخير
من الشر، إنما العالم الذي يعرف الخير فيتبعه، ويعرف الشر فيجتنبه»(7)،
فالعلم الذي يجعل صاحبه صالحًا للاقتداء هو العلم الذي يثمر موقفًا وسلوكًا، لا
مجرد محفوظات وأقوال؛ ومن هنا نفهم سر اجتماع الثناء على عبد الله بن محيريز بين علمه
وعبادته واستقامته.
كيف يصنع العلم والتربية الأمن الأخلاقي للمجتمع؟
كان الأمن في
عبارة رجاء أوسع من حماية الطرق والحدود، فثمة أمن آخر لا يقل ضرورة؛ أمن
المعايير.
- أن يعرف الناس
أين الحق وأين الباطل.
- أن يبقى للخير
اسم واضح.
- أن يجد الشاب
أمامه نموذجًا يثبت له أن الاستقامة ممكنة.
- أن يعلم صاحب
السلطة أن في المجتمع من لا يشتري رضاه.
- أن يدرك
الجمهور أن الشهرة ليست أعلى منزلة يمكن أن يبلغها الإنسان.
هذا كله نوع من
الأمن لا تصنعه الأجهزة وحدها، وإنما تصنعه التربية والعلم والقدوة.
ومن هنا يمكن أن
نفهم لماذا بدا فقد عبد الله بن محيريز في عين رجاء فقدًا يتجاوز غياب فرد، فحين يموت عالم
عامل لا تُغلق حياة رجل فقط؛ قد تفقد جماعة بأكملها ميزانًا كانت تقيس به نفسها، وهذه
الحقيقة تضع مسؤولية كبيرة على المجتمعات: أن تبحث عن أهل العلم والصدق قبل أن تفقدهم،
وأن تفسح لهم مجال التربية والتعليم، وأن تنقل ميراثهم إلى الأجيال، وألا تجعل
نجوم المجتمع محصورين في أصحاب الثراء والشهرة والقوة، فالأمم تكشف عن أولوياتها
أيضًا من خلال الأسماء التي تختار أن تقدمها لأبنائها بوصفها نماذج للنجاح.
كيف تصنع الاستقامة مرجعية أعمق من السلطة؟
لم يكن سر عبد الله بن
محيريز في منصب إداري، ولا في جهاز سياسي، ولا في قدرة تنفيذية واسعة، ومع ذلك
وصفه رجال عصره بما يشبه وصف مؤسسة كاملة تحفظ الاتجاه، وهنا يظهر أحد الفروق
المهمة بين السلطة والمرجعية.
- السلطة تستطيع
أن تلزم الناس بالفعل؛ أما المرجعية فتجعلهم يراجعون أنفسهم.
- السلطة تستمد
جانبًا من قدرتها من الموقع؛ أما المرجعية الأخلاقية فتستمد قوتها من الثقة.
ولهذا قد يفقد
المسؤول منصبه فينتهي أثره، بينما يموت العالم الرباني وتظل طريقته في النظر إلى
الأمور حاضرة أجيالًا.
ويدخل هذا في
المعنى العام لقوله تعالى: (وَجَعَلْنَا
مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا
بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ) (السجدة: 24)، قال ابن تيمية: «فَالصَّبْرُ وَالْيَقِينُ
بِهِمَا تُنَالُ الْإِمَامَةُ فِي الدِّينِ»(8)، وقال ابن كثير: لما
صبروا على أوامر الله وترك نواهيه، وصدقوا رسله واتبعوهم، جعل الله منهم أئمة
يهدون إلى الحق ويدعون إلى الخير(9).
فالإمامة
الحقيقية في الدين لا تبدأ من طلب التقدم، وإنما من الصبر واليقين، ومن أكثر ما
يحتاجه واقع القيادة اليوم أن يستعيد هذه المعادلة: ليست القيادة أن يراك الناس في
المقدمة، بل أن يجدوا عندك عند اضطراب الطريق ما يعينهم على معرفة الاتجاه.
لماذا يسبق أثر السلوك كثرة الكلام والظهور؟
وصف الذهبي ابن
محيريز بأنه كان «صموتًا معتزلًا في بيته»، وهذه السمة تمنح شخصيته بعدًا إضافيًا؛
إذ لم يكن تأثيره وليد كثرة الظهور، بل جودة الحضور.
في ثقافة يزداد
فيها الاعتقاد بأن التأثير مرادف لكثرة الكلام، تقدم هذه السيرة نموذجًا مختلفًا:
قد يكثر الرجل من الكلام ولا يصبح مرجعًا، وقد يقل كلامه وتصبح حياته نفسها حجة
تربوية.
وليس المقصود
تمجيد الصمت لذاته؛ فعبد الله بن محيريز نفسه كان يتكلم بالحق إذا تبين له، إنما المقصود
أن الكلام عنده لم يكن وسيلة لصناعة الذات، بل وظيفة يؤديها حيث يجب، وهذا فارق
دقيق بين من يتكلم لأنه يريد أن يُرى، ومن يتكلم لأنه يرى أن الكلام واجب.
وتلك قاعدة مهمة
في التربية والدعوة: الأطفال والطلاب والجمهور لا يتعلمون مما يقال لهم فقط، بل
مما يرونه متكررًا أمامهم، وحين تتناقض الخطب مع السلوك تفقد الكلمات قوتها؛ أما
إذا تطابق القول والعمل فإن التصرف اليومي البسيط قد يصبح أبلغ من محاضرة طويلة، ولعل
وصف الذهبي له بأنه «مِنَ العُلَمَاءِ العَامِلِيْنَ، وَمِنْ سَادَةِ
التَّابِعِيْنَ»(10)، يلخص هذه الثنائية: العلم لم يكن عنده مخزون
معلومات، والعمل لم يكن حماسة مجردة من البصيرة، بل اجتمع الأمران حتى صار كل
منهما شاهدًا للآخر.
وقد كان السلف
يرون أن حقيقة العالم لا تظهر في كثرة كلامه، وإنما في أثر علمه عليه؛ ولذلك قال
الفضيل بن عياض رحمه الله: «لا يزال العالم جاهلًا بما علم حتى يعمل به، فإذا عمل
به كان عالمًا»(11)، وهذا يفسر لماذا كانت سيرة عبد الله بن محيريز نفسها جزءًا
من رسالته؛ فلم يكن الناس بحاجة إلى أن يسمعوا منه في كل لحظة ليعرفوا قدره، لأن
السلوك الصالح كان يترجم العلم الذي يحمله.
لماذا يشترط استقلال العالم لحفظ أمان الأمة؟
من أسباب تحول
العالم إلى «أمان للناس» أن يبقى علمه مستقلًا عن أهواء أصحاب النفوذ؛ لأن العالم
إذا فقد استقلاله؛ فقد المجتمع أحد أهم الأصوات التي تستطيع أن تقول للسلطة
والجمهور معًا: هذا حق وهذا باطل، وقد كان السلف شديدي التحذير من أن يتحول العلم
إلى تابع للسلطان؛ فقال سعيد بن المسيب رحمه الله: «إذا رأيتم العالم يغشى الأمراء
فاحترزوا منه فإنه لص»(12)، ونقل الغزالي عن الأوزاعي قوله: «ما من شيء
أبغض إلى الله تعالى من عالم يزور عاملًا»(13)، وليس المقصود منع
العالم من كل لقاء بأصحاب السلطة، وإنما التحذير من أن يتحول القرب منهم إلى
مداهنة أو تبعية أو طلب للدنيا؛ لأن العالم إذا صار تابعًا لمن يملك القوة فقد
المجتمع شيئًا من أمانه الأخلاقي.
كيف تتحول القيم النظرية إلى نماذج واقعية؟
لم يكن عبد الله
بن محيريز صاحب دولة، ولم يترك ثروة ضخمة، ولم يكن همه أن يترك اسمه في كل مجلس، وما
بقي منه شيء أبقى من المعنى الذي رآه فيه معاصروه: رجل إذا حضر ذكّر بالله، وإذا
ظهر الحق لم يمنعه خوف الناس من بيانه، وإذا أحسن عملًا خاف أن يشتهر به، وإذا
اقتدى الناس احتاجوا إلى من يشبهه.
لهذا اجتمعت
عبارتا رجاء والأوزاعي على معنى واحد: الإنسان الصالح الراسخ قد يتحول من فرد في
المجتمع إلى عنصر من عناصر توازنه.
ولا يعني ذلك
صناعة الهالات حول الأشخاص أو تعطيل النقد، وإنما صناعة الإنسان الذي يستحق
الاقتداء لأن حياته نفسها خضعت للميزان الذي يدعو إليه.
وذلك هو التحدي
الأصعب في كل عصر؛ ليست المشكلة الكبرى أن نعرف ما القيم التي يحتاجها المجتمع؛
فالحديث عن الأمانة والشجاعة والزهد والاستقلال سهل، الأصعب أن تظهر بين الناس
شخصيات تجعل هذه المعاني قابلة للرؤية، هناك فقط تتحول القيمة من فكرة إلى قوة.
وحين توجد في الأمة نماذج من هذا الطراز، يفهم المرء كيف خرجت من أفواه كبار العلماء كلمات ثقيلة كتلك التي قيلت في ابن محيريز: «بقاء ابن محيريز أمان للناس».
الهوامش
- 1 سير أعلام النبلاء (4/ 495 - 496).
- 2 شرح النووي على مسلم (1/ 228).
- 3 تفسير الطبري (12/ 628).
- 4 تفسير ابن كثير (4/ 309).
- 5 جامع بيان العلم وفضله (1/ 596).
- 6 تاريخ دمشق: ابن عساكر (33/ 18).
- 7 تهذيب الكمال في أسماء الرجال (11/ 192).
- 8 مجموع الفتاوى (3/ 358).
- 9 تفسير ابن كثير (6/ 331).
- 10 سير أعلام النبلاء (4/ 495).
- 11 اقتضاء العلم العمل: الخطيب البغدادي، ص 37.
- 12 إحياء علوم الدين (1/ 68).
- 13 ربيع الأبرار ونصوص الأخيار (4/ 77).
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً