انفصال الذكاء عن التقوى..
كيف يصنع الادعاء الديني نفوذاً زائفاً؟ المختار الثقفي نموذجاً
مشهد رمزي لخطيب يخطب في الكوفة ضمن مقال عن المختار الثقفي وصناعة القداسة الزائفة.
روى الإمام الذهبي في ترجمة الكذاب المختار بن أبي عبيد الثقفي(1): وَنَشَأَ
الْمُخْتَارُ، فَكَانَ مِنْ كُبَرَاءِ ثَقِيفٍ، وَذَوِي الرَّأْيِ،
وَالْفَصَاحَةِ، وَالشَّجَاعَةِ، وَالدَّهَاءِ، وَقِلَّةِ الدِّينِ، وَقَدْ قَالَ
النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «يَكُونُ في ثَقِيفٍ كَذَّابٌ
ومُبيرٌ»(2)، فَكَانَ الْكَذَّابُ هَذَا، ادَّعَى أَنَّ الْوَحْيَ
يَأْتِيهِ، وَأَنَّهُ يَعْلَمُ الْغَيْبَ، وَكَانَ الْمُبِيرُ الْحَجَّاجُ، قَبَّحَهُمَا
اللَّهُ.
قَالَ أَحْمَدُ
فِي «مُسْنَدِهِ»: حَدَّثَنَا ابْنُ عُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ عُمَرَ
حَدَّثَنَا السُّدِّيُّ، عَنْ رِفَاعَةَ الْفِتْيَانِيِّ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى
الْمُخْتَارِ، فَأَلْقَى لِي وِسَادَةً، وَقَالَ: لَوْلَا أَنَّ جِبْرِيلَ قَامَ
عَنْ هَذِهِ، لَأَلْقَيْتُهَا لَكَ، فَأَرَدْتُ أَنْ أَضْرِبَ عُنُقَهُ، فَذَكَرْتُ
حَدِيثًا حَدَّثَنِيهِ عَمْرُو بْنُ الْحَمِقِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ
صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَيُّمَا مُؤْمِنٍ أَمَّنَ مُؤْمِنًا عَلَى
دَمِهِ فَقَتَلَهُ، فَأَنَا مِنَ الْقَاتِلِ بَرِيءٌ»(3)،
يأتي هذا الخبر
في سياق مرحلة شديدة الاضطراب من التاريخ الإسلامي، في النصف الثاني من القرن
الأول الهجري، حين كانت الأمة تعيش آثار الفتن السياسية التي أعقبت مقتل الإمام
الحسين بن عليّ رضي الله عنهما، وتداخلت فيها مشاعر الحزن والندم والثأر مع الصراع
على السلطة والنفوذ، وكانت الكوفة على وجه الخصوص بيئة متحركة تتجاذبها الولاءات
المختلفة؛ ما جعلها مجالًا خصبًا لظهور القيادات ذات الحضور القوي والقدرة على
التأثير.
والقراءة
المتأنية لشخصية المختار كما يعرضها هذا النص لا تقف عند حدود موقف تاريخي منفرد،
بل تتجاوز ذلك إلى دراسة نموذج إنساني يتكرر في صور مختلفة؛ نموذج الإنسان الذي
يمتلك أدوات التأثير من ذكاء وفصاحة وشجاعة، لكنه حين يفقد ميزان التقوى والضبط
الأخلاقي قد تتحول مواهبه من وسائل بناء إلى أدوات تضليل وسيطرة.
كما أن هذه
القراءة لا تعني اختزال مرحلة تاريخية معقدة في حكم واحد، وإنما تتناول ما ورد في
النص من صفات ومواقف، وتستخرج منه الدلالات المتعلقة بخطر الانحراف حين يستعمل
الإنسان المقدرات الكبيرة في غير موضعها.
لماذا حذر النبي من المنافق عليم اللسان؟
يصف النص
المختار صاحب الترجمة بأنه كان من كبراء ثقيف، ومن أهل الرأي والفصاحة والشجاعة
والدهاء؛ وهي صفاتٌ جليلة تكون في ذاتها سببًا لرفعة الإنسان إذا اقترنت بصلاح
القصد والاستقامة، فالفصاحة نعمة إذا سُخّرت في بيان الحق، والذكاء قوة إذا أُعد
للإصلاح، والشجاعة فضيلة إذا انضبطت بمرضاة الله.
لكن الخطر
الأكبر يكمن حين تنفصل القدرة عن القيمة، ويصبح التفوق العقلي أو الجسدي وسيلة
لصناعة الهيمنة أو زرع الفتنة؛ فكثير من الناس يفتنون بذكاء الشخص ومواهبه ويغفلون
عن ميزان صلاحه وتقواه، ولهذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحذر الأمة من هذا
النموذج الشديد الخطر بقوله: «إنَّ أخْوَفَ ما أخافُ عليكُم بعدي، كلُّ منافقٍ
عليم اللِّسانِ»(4).
ويتجلى هذا
الانحراف حين تُسخر المقومات العالية للباطل أو التسلط؛ كما ظهر في شخصية عبدالله
بن أُبَيّ بن سلول؛ فقد قال عنه ابن إسحاق: «وكان رأس المنافقين ورئيس الخزرج
والأوس أيضًا، كانوا قد أجمعوا على أن يملكوه عليهم في الجاهلية، فلما هداهم الله
للإسلام قبل ذلك، شَرِقَ اللعين بريقه، وغاظه ذلك جداً.. وقد نزلت فيه آيات كثيرة
جداً»(5)؛ فكانت مقومات قيادته داءً أورثه النفاق ودفعه لشق صف الأمة.
بل إن الموهبة والذكاء قد يتحولان مع غياب التقوى إلى أداة إضلال شيطاني؛ كما وقع للأسود العنسي؛
حيث «كان له شيطان يخبره بالمُغَيَّبَاتِ فَضَلَّ به كثيرٌ من النَّاس، وكان بين
ظهوره وقتله نحو من أربعة أشهر، ولكن استطارت فتنته استطارة النار»(6).
ولا يقف هذا
الانحراف عند الذكاء السياسي أو الخداع، بل قد يتسلل حتى إلى طاقة العبادة
والاجتهاد إذا تجردت من الفهم الصحيح وميزان الحق؛ كما جرى لطائفة الخوارج الذين
اجتمع نفر منهم فتذاكروا قتلاهم في النهروان وقالوا: «ماذا نَصْنَعُ بالبقاء
بعدهم؟! كانوا من خير الناس وأكثرهم صلاة.. فلو شرينا أنفسنا(7) فأتينا
أئمة الضلالة فقتلناهم فأَرَحْنا منهم البلاد»(8)؛ فكان اجتهادهم بلا
فقه أداة لقتل خيرة الصحابة!
وفي المقابل،
فإن النموذج الصالح هو من يزمّ ذكاءه وقدراته بخطام الدين وخوف الله؛ كما تجسد في
قيس بن سعد بن عبادة رضي الله عنه -وكان من أذكى العرب وأشدهم حيلة في الحرب- إذ
كان يضبط عبقريته بتقواه فقال: «لولا أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:
المكر والخديعة في النار، لكنت من أمكر هذه الأمة»، وفي رواية: «لولا الإسلام
لمكرت مكراً لا تطيقه العرب»(9).
إن المعيار
الحقيقي الذي ينبغي أن نقيس به الأشخاص والقدرات هو الأمانة والكفاءة أو كما وعبر
عنه يوسف عليه السلام حين قال: (اجْعَلْنِي
عَلَى خَزَآئِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ) (يوسف: 55).
وفي واقعنا
المعاصر، تشتد الحاجة إلى استحضار هذا الميزان؛ فقد يمتلك الإنسان حضورًا
إعلاميًا، أو قدرة إدارية، أو مهارة خطابية، أو ذكاءً مبهرًا، لكن هذه المواهب
مجتمعة لا تكفي لصناعة أثر صالح أو قيادة راشدة ما لم يعصمها صدق النية، وأمانة
القصد، وخشية الله.
كيف تُستغل الرموز الدينية لصناعة نفوذ كاذب؟
من أكثر المشاهد
دلالة في الخبر قول المختار لرفاعة الفتياني عن الوسادة: «لولا أن جبريل قام عن
هذه، لألقيتها لك»، فالموقف يكشف محاولة صريحة لتحويل أمر عادي من شؤون الضيافة
إلى رمز يحمل إيحاءً بالاتصال بالغيب لصناعة قداسة زائفة.
إن أخطر صور
التلاعب ليست دائمًا في المعلومات الكاذبة المجردة، بل في إعادة تفسير الأشياء
البسيطة وتوظيف الادعاءات الغيبية بطريقة تمنح صاحبها مكانة غير مستحقة؛ فالرمز
الديني حين يُستعمل خارج موضعه يتحول من وسيلة هداية إلى أداة تأثير ونفوذ.
وهذا ما شهدناه
في نماذج تاريخية حاولت صناعة هذه القداسة وهيمنة السيطرة:
1- مسيلمة الكذاب: حين حاول استخدام الادعاءات الغيبية والسجع المصنوع لصناعة قداسة زائفة
وهيمنة سياسية على قومه، فادعى نزول الوحي بسجع ركيك يتلاعب فيه بالرموز، فكشف
عمرو بن العاص (قبل إسلامه) تلاعب وتصنع هذه القداسة الزائفة واستغلالها للسيطرة،
وقال له بوضوح ومباشرة: «والله إنك لكاذب، وإنك لتعلم أني أعلم أنك كاذب»(10).
2- ابن صياد: في
ادعائه للقداسة والنبوة وتوظيفه للكهانة، ومواجهة النبي صلى الله عليه وسلم
لادعاءاته وكشف زيفها؛ حين قال ابن صياد لرسول الله صلى الله عليه وسلم: أتشهد أني
رسول الله؟ فرفضه النبي صلى الله عليه وسلم، وقال له النبي صلى الله عليه وسلم
ليختبره ويكشف حقيقته: «إني خَبَأْتُ لك خَبِيئاً»، وخَبَأ له: (فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي
السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ) (الدخان: 10)، فقال هو: «الدُّخُّ»، فقال صلى
الله عليه وسلم: «اخسأ فلن تَعْدُوَ قَدْرَكَ»(11).
وقد حذر القرآن
الكريم من أعظم صور هذا الافتراء والادعاء، فقال تعالى: (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا
أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ) (لأنعام: 93).
وهنا يظهر
الفارق الجوهري بين العلم الشرعي الذي يرفع الإنسان بتواضعه لله، وادعاء الخصائص
الإلهية والغيبية الذي يدفع الإنسان لطلب مقام ليس له؛ فكلما اقترب المرء من
الحقيقة ازداد خشية ويقينًا، وكلما ابتعد عنها احتاج إلى صناعة صورة أكبر عن نفسه
لتغطية هذا الخلاء الداخلي.
لماذا امتنع رفاعة عن قتل المختار الثقفي؟
لا يقل موقف
رفاعة أهمية عن موقف المختار؛ لأن الرواية لا تقدم نموذج المنحرف فحسب، بل تقدم
النموذج الملهم للإنسان الذي يملك القدرة على ضبط نفسه في أحلك لحظات الاستفزاز، فقد
ذكر أنه همّ بضرب عنقه لما سمع افتراءه، لكنه استعصم بالحديث الذي بلغه عن النبي صلى
الله عليه وسلم في حرمة قتل من أُمن على دمه، فتراجع عن الفعل؛ ليرسخ قيمة عظيمة
في بناء الشخصية المؤمنة؛ ألا تكون ردود الفعل محكومة بوهَج الغضب، بل خاضعة
لموازين الشرع.
إن الانفعال قد
يكون رد فعل بشريًا طبيعيًا أمام القول الشديد الانحراف، لكن المؤمن لا يدع غضبه
يلغي المبادئ التي يعتنقها، وهنا يتجلى المعنى الأصيل للقوة؛ فالقوي ليس من يمتلك
قدرة البطش والرد بالمثل، بل من يملك زمام نفسه ويقف عند الحدود، مصداقًا لقول
النبي صلى الله عليه وسلم: «ليسَ الشَّديدُ بالصُّرَعَةِ، إنَّما الشَّديدُ الَّذي
يملِكُ نفسَه عندَ الغَضبِ»(12).
وهذا الثبات
الأخلاقي أمام الاختبارات هو ما تجسد في أروع المواقف التاريخية:
1- تغليب
الميثاق على الحاجة: كما في موقف حذيفة بن اليمان، وأبيه، رضي الله عنهما، حين
أخذت قريش عليهما العهد ألا يقاتلا مع النبي صلى الله عليه وسلم في «بدر»، ورغم
شدة حاجة المسلمين للرجال يومئذٍ، غلّب النبي صلى الله عليه وسلم الالتزام بالعهد
على حاجته إليهم وقال: «نَفِي لَهُمْ بِعَهْدِهِمْ، وَنَسْتَعِينُ اللَّهَ
عَلَيْهِمْ»(13).
2- الالتزام
بالعدل مهما كان فحش الظلم: كما تجلى في موقف أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي
الله عنه حين أخبر أصحابه بنبوءة النبي صلى الله عليه وسلم: «وَالَّذِي فَلَقَ
الْحَبَّةَ وَبَرَأَ النَّسَمَةَ لَتُخَضَّبَنَّ هَذِهِ مِنْ هَذِهِ (لِلِحْيَتِهِ
مِنْ رَأْسِهِ)»، فسارع أحد أصحابه قائلاً: وَاللَّهِ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ
لَوْ أَنَّ رَجُلَا فَعَلَ ذَلِكَ لَأَبَرْنَا عِتْرَتَهُ(14)، فرده
علي رضي الله عنه إلى العدل والإنصاف قائلاً: أنْشُدُكم بالله أن يُقْتَلَ بي غير
قاتلي»(15)، وهو التطبيق العملي لقول الله تعالى: (وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ
قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى) (المائدة:8).
وهذا المفهوم هو
أشد ما يحتاجه الإنسان في عصر تتسارع فيه ردود الفعل وتكُثر فيه المغريات
بالانتقام؛ سواء في نطاق الأسرة، أو بيئة العمل، أو المجال العام؛ إذ تبقى القوة
الحقيقية في ألا يدفعك الاستفزاز إلى تتجاوز القيم التي تؤمن بها، ولهذا فإن
المؤسسات والمجتمعات التي تريد الاستقرار تحتاج إلى قواعد ثابتة لا تتغير بتغير
الخصومات، لأن انهيار الضوابط الأخلاقية يبدأ غالبًا من تبرير الاستثناءات
الصغيرة.
سر تعلق المجتمعات المأزومة بأوهام المنقذ السريع
لم تظهر
الشخصيات ذات الخطاب الخلاصي في التاريخ إلا في بيئات مضطربة تبحث عن مخرج سريع من
أزماتها؛ فالإنسان حين يعيش حالة ألم جماعي يصبح أكثر استعدادًا لتصديق من يقدم له
تفسيرًا بسيطًا ومغريًا للواقع.
ومن هنا تأتي
خطورة استغلال جراح المجتمعات؛ إذ قد يتحول الألم الحقيقي إلى باب يدخل منه أصحاب
الطموح غير المنضبط، فيقدمون أنفسهم باعتبارهم أصحاب الحل النهائي أو أصحاب
المكانة الاستثنائية التي لا تُراجع.
والوعي المجتمعي
لا يُبنى برفض كل قيادة أو كل شخصية مؤثرة، وإنما ببناء القدرة على التمييز بين
القائد الذي يستمد شرعيته من الصدق والعمل، ومن يصنع حول نفسه هالة تمنع النقد
والمحاسبة.
ولهذا، كان من
أصول التربية الإسلامية أن يرتبط تعظيم الأشخاص بالحق، لا أن يرتبط الحق بالأشخاص،
وتتجلى هذه القاعدة التربوية لحماية المجتمعات من التعلق بالأوهام في توجيه أمير
المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه للحارث بن حوط؛ لما التبست عليه الموازين
في أوقات الفتنة وظن أن الحق يُعرف بأشخاص معينين، فقال له علي موضحًا الميزان
الأصيل: «إِنَّ الْحَقَّ لَا يُعْرَفُ بِالرِّجَالِ، اعْرِفِ الْحَقَّ تَعْرِفْ
أَهْلَهُ»؛ فالرجال يُعرفون بالحق ويُوزنون بميزانه، وليس الحق هو الذي يُعرف
بالرجال أو يتبدل بتبدّلهم.
كيف نحمي المجتمعات من التقديس الزائف؟
القصة تحمل
رسالة تتجاوز زمانها؛ فكل مجتمع معرض لظهور من يجمع بين القدرة على التأثير وتضخم
الذات، والحماية لا تكون فقط بمواجهة الأشخاص بعد ظهورهم، بل ببناء وعي يمنع
تحولهم إلى رموز غير قابلة للمراجعة.
ويبدأ ذلك من
التربية على تعظيم الوحي لا الأشخاص، وعلى تقديم الدليل على الانبهار، وعلى فهم أن
النجاح الدنيوي أو قوة الحضور لا تعني بالضرورة صحة المنهج.
كما أن بناء
القادة الصالحين لا يكون بتنمية المهارات فقط، بل بتزكية النفوس؛ لأن المهارة بلا
أخلاق قد تصنع إنسانًا أكثر قدرة على الخطأ، بينما الأخلاق مع المهارة تصنع
إنسانًا أكثر قدرة على الإصلاح.
إن أعظم ما
يكشفه هذا الموقف أن الإنسان قد يحمل صفات تجعله مؤهلًا للرفعة بين الناس، لكنه
يحتاج قبل ذلك إلى أن يكون مستقيمًا عند الله؛ فالقوة التي لا يحكمها الإيمان قد
تتحول إلى فتنة، أما القوة التي يقودها الحق فتكون رحمة وبناء.
يبقى خبر
المختار بن أبي عبيد الثقفي مثالًا تاريخيًا غنيًا بالدلالات؛ فهو يكشف كيف يمكن
للذكاء والفصاحة والشجاعة أن تفقد معناها إذا انفصلت عن التقوى، كما يكشف في
المقابل قيمة ضبط النفس والوفاء بالعهد حتى أمام الاستفزاز الشديد.
فليست العبرة فقط بمن يملك القدرة على التأثير، وإنما بمن يملك البوصلة التي توجه هذا التأثير، فالإنسان لا يُقاس بما يستطيع أن يفعله فقط، بل بما يختار ألا يفعله حين تكون لديه القدرة عليه.
الهوامش
- 1 المختار بن أبي عبيد الثقفي شخصية جدلية يتلخص موقف أهل السُّنة منه في التفريق بين فعله وعقيدته، فقد أثلج صدور المسلمين بتتبعه لقتلة الإمام الحسين بن علي رضي الله عنهما والقضاء عليهم، إلا أنهم يعيبون عليه استغلال عاطفة محبة آل البيت للوصول إلى السلطان والنفوذ في الكوفة، كما يَعدونه «كذاب ثقيف» الوارد في الحديث النبوي الشريف لادعائه نزول الوحي عليه والتكهن بالغيب، وبناءً على ذلك يُحمد ما جرى على يديه من الثأر للحسين ولا يُترحم عليه بسبب انحرافاته العقائدية.
- 2 رواه مسلم (2545)، والترمذي (2220)، وأحمد (5607).
- 3 رواه أحمد (21947) واللفظ له، والطبراني (6/ 368)، وابن ماجه (2688).
- 4 صححه الألباني في صحيح الترغيب (132)، وأخرجه الطبراني (18/ 237) (593)، والبيهقي في «شعب الإيمان» (1775) واللفظ لهما، والبزار (3514) بمعناه.
- 5 البداية والنهاية، ج 5، ص 13.
- 6 شذرات الذهب، ج 1، ص 131.
- 7 بعنا أنفسنا لله.
- 8 البداية والنهاية، ج 11، ص 12.
- 9 سير أعلام النبلاء، ج 3، ص 108.
- 10 أورده الحافظ ابن كثير في تفسير سورة العصر، ج 8، ص 479.
- 11 رواه البخاري (6618)، ومسلم (2930).
- 12 رواه البخاري (6114)، ومسلم (2609).
- 13 رواه مسلم (1787).
- 14 أفنينا عشيرته.
- 15 البداية والنهاية، ج 11، ص 6.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً