اتزان القاضي في زمن الاضطراب..

كيف يصنع الصدق الثقة؟ عباد بن عبد الله بن الزبير

أحمد سعد الدين

09 سبتمبر 2026

160

صورة لرجل مهيب الملامح يجلس بثبات وهدوء كجبل راسخ وسط عاصفة رملية أو أمواج متلاطمة، ليعكس معنى "القاضي في زمن الاضطراب".

ذكر الإمام الذهبي، في «سير أعلام النبلاء»، أن عباد بن عبدالله بن الزبير(1) من الرجال الذين نشؤوا في قلب الأحداث الكبرى، فلم يكن حضوره مجرد امتداد لنسب عريق، بل كان ثمرة تكوين علمي وأخلاقي أهّله ليكون موضع ثقة في مرحلة سياسية شديدة الاضطراب من تاريخ المسلمين.

فهو ابن عبدالله بن الزبير، وحفيد الزبير بن العوام، ومن بيت اجتمع فيه شرف الصحبة والعلم والجهاد، غير أن قيمة عباد لا تُقرأ من خلال نسبه وحده؛ فالتاريخ لا يحفظ الرجال بما ورثوه فقط، وإنما بما أضافوه إلى ما ورثوه، وقد ظهرت إضافته في القضاء، والرواية، وإدارة الشأن العام، حتى وصف بأنه "أصدق الناس لهجة"، وجمع له مع ذلك بين التوقد والاعتدال.

إن قراءة هذه الشخصية لا تهدف إلى استدعاء الماضي لمجرد الإعجاب، وإنما لاكتشاف قوانين ثابتة في بناء الإنسان المسؤول: كيف يصنع الصدق الثقة؟ وكيف يجتمع الذكاء مع الاتزان؟ وكيف تتحول التربية الصالحة إلى قدرة على حمل أعباء المجتمع؟

كيف أسست البيئة الأولى لظهور عباد بن عبدالله بن الزبير؟

نشأ عباد في بيئة لم تكن عادية؛ فقد أحاطته دوائر متعددة من مصادر التكوين، فهو ابن عبدالله بن الزبير، وقد اتصل منذ صغره ببيت الصحابة، وروى عن كبارهم، ومن بينهم جدته أسماء بنت أبي بكر، وعائشة أم المؤمنين، وغيرهما.

وهذا النوع من النشأة يكوّن في الإنسان وعيًا مزدوجًا: وعي العلم ووعي المسؤولية، فالذي يعيش قريبًا من كبار الصحابة لا يتلقى المعلومات فقط، بل يتشرب طريقة النظر إلى الدين والحياة، وكيف يكون الإنسان صاحب مبدأ في زمن الاختبار، ومن هنا يظهر أن صناعة القادة لا تبدأ عند لحظة التكليف، وإنما تضرب بجذورها في عمق التنشئة الأولى؛ في البيئة التي تبني العقل، وتضبط السلوك، وتغرس معنى المسؤولية.

وهذا الإدراك العميق لأثر البيئة في صياغة الشخصية، هو امتدادٌ لنهجٍ أصيلٍ أدركته العرب بفطرتها؛ حين حرصت على إرسال أبنائها إلى البادية لتنشئتهم في محاضن نقية تصقل أرواحهم وتصنع منهم قادة أقوياء، وقد تجلى هذا النهج في أبهى صوره مع النبي صلى الله عليه وسلم حين استُرضع في بني سعد؛ إذ إن «تَنْشِئَةَ الأَوْلَادِ فِي البَادِيَةِ أَدْنَى إِلَى تَزْكِيَةِ الفِطْرَةِ، وَإِنْمَاءِ الأَعْضَاءِ وَالمَشَاعِرِ، وَإِطْلَاقِ الأَفْكَارِ وَالعَوَاطِفِ»(2)؛ مما ينمي فيهم مقومات القيادة السليمة.

وتلك التنشئة الشاملة، سواء أكانت في رحاب البادية الصافية أم في كنف بيوت الصحابة العامرة، هي التي تثمر في النهاية تلك الشخصية المتوازنة التي أشار القرآن إلى أهمية اجتماع ركنيها فيمن يتولى المسؤوليات، فقال تعالى: (إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ) (القصص: 26)، فالقوة وحدها قد تتحول إلى اندفاع، والأمانة وحدها دون قدرة قد تعجز عن الإنجاز، وإنما الكمال في اجتماعهما.

حين يصبح تطابق الظاهر والباطن معيارًا للقيادة

من أبرز ما نُقل عن عباد وصفه بأنه "أصدق الناس لهجة"، وهذه العبارة ليست ثناءً أخلاقيًا عابرًا، بل تحمل دلالة قيادية عميقة؛ لأن المجتمع لا يمنح ثقته الكاملة إلا لمن يشعر أن كلامه متطابق مع حقيقة نفسه، فالقائد قد يمتلك العلم أو القوة أو المكانة، لكنه إذا فقد الثقة فقد أهم أدوات التأثير، أما الصادق فإن الناس يطمئنون إلى حكمه؛ لأنهم لا يخشون أن يكون كلامه وسيلة لمصلحة خفية أو موقفًا متغيرًا بحسب الظروف.

وهذا التطابق الفريد بين الظاهر والباطن هو الميزان الأدق لمعرفة معادن القادة، وهو ذات المعيار الفطري الذي استدل به هرقل ملك الروم على صدق نبوة محمد صلى الله عليه وسلم وأهليته للقيادة العظمى، فقد أدرك هرقل أن الالتزام التام بالصدق ومطابقة الظاهر للباطن قبل البعثة، هو الضمانة الكبرى لصدق دعوته، فحين سأل أبا سفيان: فهل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول الذي قال؟ وأجابه بالنفي، استنتج هرقل قاعدته القيادية الخالدة قائلاً: «فقد أعرف أنه لم يكن ليذر الكذب على الناس ويكذب على الله عز وجل»(3).

ولهذا الارتباط الوثيق بين الصدق والائتمان، كان الصدق في المنهج الإسلامي أصلًا متينًا من أصول بناء الشخصية، كما قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ) (التوبة: 119).

وفي واقع المؤسسات اليوم، يبقى الصدق من أهم عناصر القيادة الناجحة؛ فالموظفون، والطلاب، وأفراد المجتمع لا يتبعون الكلمات الجميلة طويلًا، وإنما يتبعون بصدقٍ ويقين ذلك الشخص الذي يُثبت الزمن أن ظاهره موافق لباطنه.

كيف يحمي العقل المتزن القائد من التهور؟

العبارة التي نُقلت عن عباد: «كان قصداً وقاداً» تجمع بين صفتين قلما تجتمعان؛ فـ«وقادًا» تشير إلى سرعة الفهم، وحضور الذهن، والقدرة على إدراك المعاني الدقيقة، أما «قصدًا» فتشير إلى الاعتدال، وضبط النفس، والابتعاد عن الإفراط.

وهذه الثنائية تمثل قاعدة مهمة في بناء الشخصية المؤثرة؛ فالعقل الذكي إذا لم تضبطه الحكمة قد يتحول إلى تهور، والحذر إذا انفصل عن الذكاء قد يتحول إلى بطء وعجز، وهذا التوازن الدقيق هو التجسيد الحي لحُسن العقل الذي يُعد أجلّ ما يُتقرب به إلى الخالق؛ مصداقاً لما رُوي عن النبي صلى الله عليه وسلم في بيان منزلة العقل المتزن، حيث قال: «والذي نفسي بيده، ما أطاع العبد ربه عز وجل بشيء أفضل من حسن العقل، ولا يقبل الله تعالى صوم عبد ولا صلاته ولا حجه ولا عمرته ولا صدقته ولا شيئًا مما يكون فيه من أنواع البر إذا لم يعمل بعقل»(4).

ولهذا، وبفضل هذا التكامل الاستثنائي، كان عباد أهلًا للمسؤولية؛ لأن القضاء وإدارة الناس لا تحتاج فقط إلى المعرفة، بل تحتاج إلى ذلك العقل الراجح الذي يرى التفاصيل دون أن يغرق فيها، وإلى نفس مستقرة لا تستفزها الخصومات.

وفي عصرنا، تحتاج المؤسسات بشدة إلى هذا النوع من القيادات؛ أشخاص يمتلكون سرعة القرار، لكنهم لا يضحون بالتثبت، ويملكون الحماس، لكنهم لا يسمحون للعاطفة أن تقودهم وتطغى على رجاحة عقولهم.

الهوامش
  • 1 عباد بن عبدالله بن الزبير، كان عظيم القدر عند عبدالله بن الزبير، وكان على قضائه بمكة، وكان يستخلفه إذا خرج إلى الحج، وكان أصدق الناس لهجة.
  • 2 اللؤلؤ المكنون في سيرة النبي المأمون، ج1، ص78.
  • 3 تاريخ مدينة دمشق، ج2، ص91.
  • 4 حلية الأولياء وطبقات الأصفياء، ج3، ص113.
الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة