بين إنقاذ المشروع ونجاة القائد

عبدالرحمن بن الأشعث.. صناعة القرار بعد الانكسار

تظهر الصورة نقاشا بين قائد بزي عسكري واحد أعوانه في بيئة طبيعية على الثغور.

ذكر الإمام الذهبي، في «سير أعلام النبلاء»، أن عبدالرحمن بن الأشعث(1) الأمير متولي سجستان، عبدالرحمن بن محمد بن الأشعث بن قيس الكندي.

بعثه الحجاج على سجستان، فثار هناك، وأقبل في جمع كبير، وقام معه علماء وصلحاء لله تعالى لما انتهك الحجاج من إماتة وقت الصلاة، ولجوره وجبروته.

فقاتله الحجاج، وجرى بينهما عدة مصافات، وينتصر ابن الأشعث، ودامت الحرب أشهرًا، وقتل خلق من الفريقين، وفي آخر الأمر انهزم جمع ابن الأشعث، وفر هو إلى الملك رتبيل ملتجئًا إليه.

فقال له علقمة بن عمرو: أخاف عليك، وكأني بكتاب الحجاج قد جاء إلى رتبيل يرغبه ويرهبه، فإذا هو قد بعث بك أو قتلك، ولكن ها هنا خمسمائة مقاتل قد تبايعنا على أن ندخل مدينة نتحصن بها ونقاتل حتى نعطى أمانًا أو نموت كرامًا(2).

بعد أشهر طويلة من القتال، تغير ميزان المعركة، فالثورة التي بدأت وهي تمتلك الزخم الشعبي، والتأييد العلمي، والانتصارات العسكرية الأولى، دخلت مرحلة مختلفة؛ مرحلة لم يعد السؤال فيها: هل نستطيع مواجهة الحجاج؟ بل أصبح السؤال: كيف نحافظ على ما تبقى بعد أن بدأت القوة تتراجع؟

وهنا تظهر إحدى أهم قواعد التاريخ العسكري والسياسي؛ أن القائد لا يُختبر فقط في لحظة الصعود، بل في لحظة الانكسار.

فالانتصار يكشف قدرة الإنسان على التقدم، أما الهزيمة فتكشف قدرته على إدارة الخطر، وقد انتهى الأمر إلى انهزام جمع عبدالرحمن بن الأشعث، وتفرق كثير من رجاله، وأصبح القائد الذي كان يقود جموعًا كبيرة يبحث عن طريق للنجاة، وهذه اللحظة تحمل تحولًا نفسيًا عميقًا؛ فالإنسان الذي اعتاد أن يكون صاحب القرار يجد نفسه فجأة مضطرًا إلى البحث عن قرار الآخرين.

لماذا لجأ عبدالرحمن بن الأشعث لملك كابل؟

بعد انكسار الموقف الميداني والهزيمة، فرّ عبدالرحمن بن الأشعث إلى الملك «رتبيل» ملك سجستان ملتجئًا إليه ومستجيراً بحدوده، وهنا تتكشف نقطة مفصلية دقيقة في قراءة شخصيته وتاريخه؛ فلم تعد القضية مجرد إدارة معركة عسكرية أو فض اشتباك، بل تحولت بالكامل إلى معضلة تقدير سياسي استراتيجي، فبعد أن فقد القوة المادية والجيش الجرار الذي كان يعتمد عليه، وجد نفسه مجبراً على البحث عن قوة خارجية تحميه، فاختار أن يلجأ إلى حاكم يقع خارج دائرة الصراع الإسلامي الداخلي؛ شأن ما أتاه الصحابي الجليل سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه حين اعتزل(3) الفتن وانقطع بقصره في آخر عمره رافضاً الانخراط في الصراعات أو الاستعانة بالأطراف الخارجية عند تغير موازين القوة، ومثل موقف أبي موسى الأشعري(4) رضي الله عنه حين انقطعت عنه الجند ووجد نفسه مجرداً من أسباب السيطرة فاختار السلامة والاعتزال التام.

وهنا ترتفع في المشهد نبرة صوت آخر داخل المعسكر، صوت الناصح الأمين علقمة بن عمرو، الذي قرأ المشهد السياسي بطريقة مختلفة كلياً، فلم ينظر علقمة إلى الملك رتبيل باعتباره منقذًا آمناً أو حليفاً مضموناً، بل أدرك بعين البصيرة السياسية أنه طرف أجنبي له حساباته الخاصة، ومصالحه المتقلبة التي لا يمكن الركون إليها عند اشتداد المحن.

تحذير علقمة بن عمرو من خيانة رتبيل لعبدالرحمن بن الأشعث

قال علقمة بن عمرو ناصحاً ومحذراً: «أخاف عليك، وكأني بكتاب الحجاج قد جاء إلى رتبيل يرغبه ويرهبه، فإذا هو قد بعث بك أو قتلك، ولكن هاهنا خمسمائة مقاتل قد تبايعنا على أن ندخل مدينة نتحصن بها ونقاتل حتى نعطى أمانًا أو نموت كرامًا».

وهذه النصيحة البليغة تمثل إحدى أهم لحظات القصة وأعمقها؛ لأنها لا تقدم مجرد رأي عسكري عابر، بل تؤسس لمنهج متكامل في قراءة الواقع السياسي بدقة، فعلقمة لم يبنِ تقديره وموقفه على العاطفة المشتعلة أو الأمل الخادع، بل بناه على فهم عميق لطبيعة المصالح الدولية وحسابات القوة.

كان يرى بتبصر أن ملك سجستان «رتبيل» واقع لا محالة أمام خيارين قاسيين:

  • إما أن يحتفظ بابن الأشعث ويتحمل بمفرده تبعات المواجهة المباشرة مع دولة قوية وواسعة النفوذ كالدولة الأموية.
  • أو أن يسلمه إلى الحجاج ويظفر بمكاسب سياسية ومالية طائلة ويتجنب الصدام العسكري المدمر.

وبحسب منطق السياسة المجرد، فإن الحاكم الخارجي عاده ما يرجح كفة مصالحه الخاصة على حماية قائد مهزوم وفد عليه بلا سند؛ شأن ما أثبته التاريخ في القراءات التحليلية النافذة كشورى الحباب بن المنذر رضي الله عنه يوم «بدر»(5) حين تفحص الموقع الميداني بواقعية ومصالح جليّة، مشيراً بالبديل الإستراتيجي، ومثل رؤية عبدالرحمن بن عوف(6) رضي الله عنه في تقدير مواقف الأطراف وحسابات الملوك والمصالح قبل اتخاذ القرار.

وهذا تماماً ما حذر منه علقمة بن عمرو، قبل أن يقع المحتوم وتصدق الرؤية السياسية الواقعية.

لماذا تتبدل مواقف الحلفاء بعد الهزائم العسكرية؟

من أكبر الأخطاء الإستراتيجية القاتلة التي يقع فيها القادة المنهزمون قياس المستقبل بعلاقات الماضي وشعاراته؛ فقد يكون الحليف قريبًا منك، مرحباً بوجودك، بل ومبجلاً لك حين تكون في أوج قوتك وامتلاكك لأسباب المنعة، لكنه يسرع في إعادة صياغة حساباته بوحشية فور تغير موازين القوة وتصدع أركانك.

وهذا تماماً ما وقع فيه عبدالرحمن بن الأشعث مع الملك رتبيل؛ ففي لحظة القوة والزحف العسكري الكبير، كان وجود ابن الأشعث في تخومه ورقة سياسية ضخمة يعزز بها أوراقه، أما بعد الهزيمة وانكسار الجيش، فقد تحول إلى «عبء ثقيل» يسعى رتبيل إلى التخلص منه بأسرع الطرق أو تحويله إلى صفقة سياسية رابحة مع الخصم المنتصر؛ شأن ما جرى للمسلمين في حادثة «بئر معونة»(7) حين وثق القراء بالعهود والمواثيق الشفهية مع قبائل رعل وذكوان، فلما تغيرت الموازنة الميدانية وانكشفت الظهور، غدرت القبائل وأسلمت الوفد للقتل، ومثل التغير السريع لمواقف بعض القبائل العراقية مع الحسين بن علي رضي الله عنهما حين تخلت عن عهودها وكتاباتها القديمة وتوارَت خلف المصالح والمخاوف فور انقلاب كفة الميدان.

وهنا يبرز الدرس الإستراتيجي الأعمق؛ أن العلاقات بين الدول والكيانات والقبائل لا تُبنى على أساس العواطف الشخصية أو الوفاء الأخلاقي المجرد، بل تُقاد بمنطق المصالح الحية والقدرة الفعلية على التأثير.

والقائد الذي يفقد أدوات قوته العسكرية والميدانية يفقد بالضرورة قدرته على فرض شروطه، ويصير ملزماً بألا يضع مصيره بين أيدي من لا تجمعهم به إلا أهواء المصالح وتقلبات الأيام.

خطة المقاتلين الخمسمائة للتحصن وطلب الأمان

لم يكتفِ علقمة بن عمرو بتوجيه النقد التحليلي أو رصد موطن الخلل، بل بادر إلى طرح بديل عملي عالي الشجاعة؛ خمسمائة مقاتل ثابت يملكون سلاحهم، يدخلون مدينة منيعة يتحصنون بأسوارها، ويقاتلون بأسلوب يعيد لهم زمام المبادرة حتى يحصلوا على أمان شريف أو يموتوا كرامًا.

وهذا الاقتراح العسكري المحكم يحمل دلالة عميقة في فلسفة إدارة الأزمات؛ فعلقمة لم يكن يدعو إلى انتحار عسكري أعمى، بل كان يهدف إلى الحفاظ المستميت على «القدرة على التفاوض»، فالجندي أو المقاتل الذي يحتفظ بموقعه وسلاحه وعتاده يبقى طرفًا فاعلاً ومحترمًا في معادلة الصراع، يستطيع أن يفرض شروطه أو يحفظ كرامته؛ شأن ما أظهره الصحابي الجليل عاصم بن ثابت رضي الله عنه في سرية «الرجيع»(8) حين رفض بحزم قاطع النزول في ذمة الخصوم بلا سلاح أو شروط تحفظ عزته، مفضلاً الاستبسال والقتال حتى مات كراماً، ومثل موقف سالم مولى أبي حذيفة رضي الله عنه يوم «اليمامة»(9) حين ثبت في مكانه واستمات ليحافظ على الموقد والقدرة على المواجهة إلى آخر رمق.

أما من يسلم نفسه لأرض خصمه بلا سند ولا قوة، فإنه يتخلى عن قراره ويسلم رقبته بلا ثمن، فاقداً للقدرة المطلقة على التحكم في مصيره.

وهنا يتجلى الفارق الجوهري والساحق بين الهزيمة العسكرية العابرة والهزيمة النفسية المطلقة؛ فقد يخسر القائد جولة أو معركة في الميدان، لكنه يظل قادراً على الاحتفاظ بإرادته وكرامته حية، وقد يحقق نصراً مؤقتاً ثم يسقط في فخ خسارة إرادته بالكامل حين يضع مصيره ومصير رجاله رهينة بين أيدي خصومه وأعدائه.

أسباب رفض عبدالرحمن بن الأشعث لمقترح التحصن

يبقى السؤال الأهم والأكثر إلحاحاً في قراءة هذه النهاية: لماذا أعرض ابن الأشعث عن نصيحة علقمة الصادقة ولم يأخذ بها؟ يمكن أن يكون هناك احتمالان في فهم سبب اختيار ابن الأشعث:

1- فالاحتمال الأول يرتكز على رغبة جامحة في إعادة بناء القوة واستئناف الكَرَّة:

فقد يكون ابن الأشعث ظن أن ملك سجستان سيمثل له قاعدة خلفية آمنة، أو فرصة مواتية لإعادة تنظيم الصفوف وتجميع الأنصار الفارين، خصوصًا وأن سجستان تقع في أطراف الدولة المترامية وبعيدة عن مركز الخلافة؛ ما يوفر له مساحة للمناورة؛ إن الناظر في التاريخ الإسلامي يلاحظ مواقف كثيرة يمكن أن تلحظها العين وتستفيد منها بشكل يجعل قراءة المشهد مع ابن الأشعث تبدو أكثر وضوحاً، منها:

أولاً: صعوبة تقبل النفس للنهاية ومحاولة إعادة تنظيم القوة وحشد الجموع؛ كما تجلى في موقف طليحة بن خويلد الأسدي(10)، حين انهزم في حروب الردة ففرّ إلى الشام ثم عاد فأسلم وحسن إسلامه وصار مقاتلاً في صفوف المسلمين في فتوحات العراق.

ثانياً: ما أقدم عليه الصحابي الجليل عثمان بن مظعون(11) ومن معه من الصحابة حين فرّوا بدينهم وهاجروا الهجرة الأولى إلى الحبشة مستجيرين بالنجاشي بحثاً عن قاعدة آمنة ومساحة للحركة وحفظ النفوس ريثما تتهيأ أسباب التمكين.

2- الاحتمال الثاني يتمثل بالتعلق بالأمل الشخصي والهروب من الحتمية المأساوية:

فالاحتمال الثاني يكمن في الرغبة النفسية العميقة للهروب من حتمية السقوط المطلق والتعلق بأي بصيص أمل للنجاة الشخصية، حتى وإن كان مبنياً على أوهام التحالفات غير المستقرة؛ مثل ما جرى لأبي حذيفة بن عتبة(12) ومن معه من المستضعفين في مكة حين واجهوا ضغوط الهلاك وسعوا بكل طريق للنجاة بأرواحهم وأبدانهم حين اشتدت بهم سبل الخلاص.

وهذا التعلق بوهم النجاة الفردية غالباً ما يعمي القائد عن قراءة المآلات الحقيقية لخياراته، فالقائد الذي اعتاد قيادة الجيوش وصدارة المشهد قد يصعب عليه جداً قبول فكرة الانكفاء أو الحصار الميداني، فيدفع ثمن هذا الوهم غالياً حين يكتشف متأخراً أن الرهان على غير الأهل لا يورث إلا الندم.

كيف أثبتت الأيام صحة تحذيرات علقمة؟

أثبتت مجريات الأحداث اللاحقة صحة مخاوف علقمة بن عمرو وحصافته؛ فقد اشتد ضغط الحجاج بن يوسف على الملك رتبيل بأساليب الترغيب تارة والترهيب تارة أخرى، فانتهى الأمر تماماً كما تنبأ: بالتخلص من عبدالرحمن بن الأشعث وتسليمه إلى السلطة المركزية؛ إذ تتجلى في صفحات التاريخ عبرة واضحة تتطابق مع هذا الموقف؛ كمثل صحة فراسة وقراءة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه في تقدير مواقف الأطراف الخارجية وحسابات الملوك والولاة خارج ديار الإسلام عند اشتداد الضغط السياسي والعسكري، وما جرى في مآلات التحالفات التاريخية مع ملوك الأطراف والغساسنة حين خضعوا لضغوط الترغيب والترهيب فتخلوا عن حلفائهم فور اصطدامهم بقوة الدولة المركزية العظمى.

وهنا تتجلى بوضوح القيمة الكبرى للقراءة الواقعية الثاقبة في لحظات الأزمات المفصلية؛ فعلقمة لم يكن أكثر شجاعة مجردة من ابن الأشعث، ولم يكن يملك جيشًا ضخماً ينافسه، لكنه امتلك ميزة حاسمة: القدرة النافذة على رؤية الواقع كما هو دون تجميل أو خداع.

وهذه الصفة تعد من أهم ركائز المستشار الناجح وأرفعها؛ أن يقول لقائده بكل شجاعة ما يحتاج إلى سماعه لمواجهة الحقيقة، لا ما يود سماعه إرضاءً لخواطر الأمل الكاذب.

أسباب سقوط المشروع السياسي من الداخل أولًا

تكشف نهاية عبدالرحمن بن الأشعث ومآلات ثورته الحزينة أن سقوط المشاريع الكبرى لا يكون دائمًا بسبب قوة العدو وحده؛ فقد امتلك الحجاج بن يوسف نفوذاً وسلطاناً عريضاً، لكن ثورة ابن الأشعث انطلقت بمدد شعبي هائل وعناصر قوة حقيقية في بداياتها.

غير أن مكمن الخطر والخلل الحقيقي ظهر جلياً في سوء إدارة المراحل التابعة وحسم المنعطفات الحرجة:

  • كيف تتحول الثورة الغاضبة إلى مشروع دولة مستقر؟
  • كيف تُدار التحالفات السياسية بعيداً عن أوهام الوعود؟
  • كيف يُتخذ القرار الرشيد بعد صدمة الهزيمة وانكسار الميدان؟
  • كيف يحافظ القائد على قدرته وكرامته حين تتراجع قوته المادية؟

وهذه التساؤلات المصيرية هي التي تحدد بصرامة مصير الحركات والكيانات الكبرى؛ إذ تؤكد صفحات التاريخ أن التصدع الداخلي وسوء إدارة الأزمات والتحالفات هو المقتل الحقيقي للمشروع قبل بطش الخصوم الخارجيين؛ إذ يتضح جلياً في سيرة الفتن والتحولات كاشتعال الخلاف الداخلي في غزوة أحد حين انسحب عبدالله بن أبيّ بسلول بثلث الجيش(13)؛ مبيناً أن تفكك الصف الداخلي أشد خطراً على المشروع من قوة الخصم الخارجية، ومثل ما أصله أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه في مراقبة الولاة وإدارة التأسيس الداخلي لمنع السقوط النابع من الخلل التنظيمي والقرارات الإدارية الخاطئة.

وهكذا يسدل الستار على تجربة ابن الأشعث، لتظل درساً خالداً في أن العبرة ليست برفع الشعارات، بل بامتلاك أدوات البناء، واليقظة في إدارة التحالفات، والشجاعة في قبول الحقيقة ولو كانت مرّة.

ضرورة اقتران الشجاعة الميدانية بالحكمة السياسية

لا يمكن قراءة شخصية عبدالرحمن بن الأشعث التاريخية بلون واحد، فهو قائد امتلك شجاعة إنسانية وميدانية كبيرة، واستطاع بفضلها أن يجمع حوله أعدادًا ضخمة من المقاتلين والأنصار، وأن يحقق انتصارات عسكرية لافتة أرهقت أركان السلطة الأموية؛ شأن ما كان في التاريخ من نماذج كبرى كخالد بن الوليد، وأبي عبيدة بن الجراح، رضي الله عنهما، ممن جمعوا بين بأس الشجاعة المطلقة وحكمة القرار الإستراتيجي المنضبط، ومثل عبدالرحمن بن عوف رضي الله عنه حين جمع بين الشجاعة في الميدان والحكمة القيادية الفذة يوم الشورى.

لكن القيادة الحقيقية ليست مجرد شجاعة فردية أو إقدام في ساحة الوغى، فالقيادة تحتاج بالضرورة إلى منظومة متكاملة من الأدوات:

  • قراءة دقيقة وواقعية للواقع بعيداً عن أوهام الأماني.
  • معرفة دقيقة لمتى يستمر الإنسان ومتى يغير الخطة والمسار.
  • فهم عميق لطبيعة الحلفاء والخصوم على حد سواء.

القدرة الواعية على إدارة لحظة الانكسار بنفس كفاءة وحنكة إدارة لحظة القوة والنصر؛ وهو الدرس العملي البليغ الذي أبرزه سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه حين جمع بين بسالة الفتوحات وحكمة اعتزال الفتنة وحقن الدماء عند اختلال الموازين.

وهنا بقي موقف الناصح الأمين علقمة بن عمرو شاهدًا تاريخيًا خالداً على أن كلمة المستشار الصادق الواعي قد تكون أهم وأبقى من ألف سيف في يد جندي؛ لتظل تجربة ابن الأشعث درساً بليغاً في أن الشجاعة وحدها لا تبني الدول، وأن التاريخ لا يرحم من يغفل عن فقه المآلات وحكمة التدبير.

خطورة فقدان القرار الذاتي بظروف الهزيمة

كانت ثورة عبدالرحمن بن الأشعث واحدة من أضخم الحركات المعارضة في التاريخ الأموي وأكثرها هزة لعرش السلطة، لكنها تكشف في مآلها النهائي درساً خالداً لا يُنسى: أن البداية العارمة والقوية لا تضمن بالضرورة نهاية آمنة، وأن الانتصارات الميدانية الأولى لا تعفي القائد بحال من الاختبارات الحتمية للقرارات الصعبة، وأن أخطر لحظات القائد ليست قط حين يواجه عدوه الضروس، بل حين يضطر إلى اتخاذ القرار وهو واقع تحت طائلة الخوف وانكسار الهزيمة؛ شأن ما أثره التاريخ في القرار الحكيم للصحابي الجليل الحسن بن علي رضي الله عنهما يوم عام الجماعة حين رجّح كفة الصلح وحقن دماء الأمة على استمرار القتال، مبرهناً أن حكمة القرار الأخير أعظم شأناً من جلبة الانتصارات، ومثل ثبات أبي بكر الصديق رضي الله عنه وحزمه في إنفاذ القرارات المصيرية الكبرى وقت الأزمات والفتن.

لقد وقف ابن الأشعث يوماً أمام مفترق طرق خطير حُمّل بخيارين قاطعين:

  • إما أن يعتمد على نواة قليلة العدد لكنها تحفظ إرادته وقراره الخالص.
  • أو أن يعتمد على قوة خارجية طارئة لا يملك فيها قراراً ولا سلطة.

فاختار الطريق الثاني، فدفع ثمن قراره باهظاً حين تبخرت إرادته.

وبقيت نصيحة علقمة بن عمرو النافذة واحدة من أبلغ الدروس وأعمقها في تاريخ القيادة والإدارة: في لحظات الانكسار والانهيار، لا تبحث عبثاً عن من ينقذك خارج هويتك وقوتك، بل اسأل نفسك أولاً وبصراحة: هل سيبقى قرارك ومصيرك في يدك وحدك؟

الهوامش
  • 1 عبدالرحمن بن محمد بن الأشعث بن قيس الكندي، من التابعين وأشراف قريش والعرب وقادتهم، اشتهر بالشجاعة والقيادة العسكرية وتولي الحروب، وكان من أمراء الدولة الأموية حتى خروجه وثورته الشهيرة ضد الحجاج بن يوسف الثقفي في وقعة «دير الجماجم»، سكن الكوفة وسجستان، وتوفي بكابل سنة 85هـ.
  • 2 سير أعلام النبلاء (4/ 184).
  • 3 المرجع السابق (1/ 114).
  • 4 المستدرك على الصحيحين (4/ 83).
  • 5 أخرجه البيهقي في «دلائل النبوة» (3/ 31- 35)، وابن الأثير في «أسد الغابة» (1/ 364) كلاهما بنحوه مطولاً.
  • 6 سير أعلام النبلاء (1/ 68).
  • 7 أخرجه مسلم (677).
  • 8 من أفراد البخاري على مسلم (3045).
  • 9 سير أعلام النبلاء (1/ 168).
  • 10 المرجع السابق (1/ 317).
  • 11 المرجع السابق (1/ 154).
  • 12 المرجع السابق (1/ 165).
  • 13 السيرة النبوية: ابن هشام (2/ 64).
الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة