ماذا حدث لـ560 ألف جندي أمريكي حتى لجؤوا لـ«المهلوسات»؟!

سيف باكير

21 أبريل 2026

53

في ظل التحولات المتسارعة في طبيعة الحروب الحديثة، لم تعد المعركة مقتصرة على الميدان العسكري، بل امتدت إلى عمق الإنسان نفسه، حيث باتت الصحة النفسية أحد أبرز التحديات التي تواجه الجيوش النظامية.

وفي هذا السياق، يفتح القرار الأمريكي الأخير بتسريع استخدام العقاقير المهلوسة للعلاج بابًا واسعًا للنقاش حول حقيقة الأزمة داخل المؤسسة العسكرية الأمريكية، وحدود قدرتها على التعامل مع تداعيات الحروب الممتدة، في مقابل نماذج أخرى تخوض ظروفًا أكثر قسوة دون أدوات علاج مماثلة.

توجه أمريكي نحو «الإيبوجاين»

وقّع الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، السبت 18 أبريل 2026م، أمرًا تنفيذيًا يهدف إلى تسريع الوصول إلى الأبحاث والعلاجات الطبية القائمة على بعض العقاقير المهلوسة، وفي مقدمتها «الإيبوجاين»، الذي يُنظر إليه كمركب قد يحمل مؤشرات علاجية لاضطرابات نفسية معقدة، بينها اضطراب ما بعد الصدمة.

ووفق البيت الأبيض، يوجّه القرار إدارة الغذاء والدواء إلى تسريع مراجعة هذه العلاجات، مع تخصيص 50 مليون دولار لدعم الأبحاث، في خطوة تعكس توجهًا رسميًا نحو البحث عن حلول غير تقليدية لأزمة متفاقمة.

أرقام تكشف عمق الأزمة

تأتي هذه الخطوة في وقت تتصاعد فيه المخاوف من تفاقم أزمة الصحة النفسية داخل المؤسسة العسكرية الأمريكية؛ إذ أفادت بيانات مجلة «ببمد» للأبحاث الطبية بأن 560035 من أفراد القوات الأمريكية الفعلية شُخّصوا باضطراب نفسي واحد على الأقل بين عامي 2020 و2024م.

كما أكد تقرير إدارة شؤون المحاربين القدامى أن معدل الانتحار بلغ 35.2 لكل 100 ألف في عام 2023م، في مؤشر خطير على عمق التحدي.

وتشير المصادر الطبية إلى أن العقاقير المهلوسة، ومنها «الإيبوجاين»، ما تزال محل جدل علمي وتنظيمي بسبب أخطارها، وهو ما أكدته وكالتي «رويترز» و«أستوشيتد برس»، حيث لا تزال هذه المواد مقيدة قانونيًا رغم تصاعد الاهتمام البحثي بها.

إحصاءات الاضطرابات النفسية

تكشف الدراسات عن نسب مرتفعة للاضطرابات النفسية بين الجنود الأمريكيين:

1- الاكتئاب: بين 14% و16% من الجنود الذين خدموا في العراق وأفغانستان، وترتفع إلى 17.8% بين المحاربين القدامى (مكتبة ستات بيرلز الطبية، 2023، ومجلة BMJ للصحة العسكرية، 2023).

2- القلق: ارتفاع مستمر منذ عام 2020 حتى 2024م، مع وصوله إلى 15% في بعض الفئات (تقرير مراقبة الأمراض الطبية العسكرية MSMR، 2025، ومركز الأبحاث PMC، 2022).

3- اضطراب ما بعد الصدمة: بين 2% و17% آنياً، وقد يصل إلى 31% خلال المسيرة العسكرية (دراسات المركز الوطني لمعلومات التقانة الحيوية، 2023).

4- الأفكار الانتحارية: زيادة بنسبة 6% في عام 2023، مع ارتفاع خطر الانتحار لدى المحاربين القدامى بنسبة 57% مقارنة بالمدنيين (مؤسسة سوبر فيرست للتعافي، 2025).

أسباب التدهور النفسي

ترتبط هذه الأزمة بعدة عوامل رئيسة:

1- التعرض المباشر للقتال ومشاهد الموت (مجلة صحة المحاربين القدامى، 2020).

2- تكرار الانتشار العسكري في مناطق النزاع (الجمعية الأمريكية لعلم النفس، 2020).

3- الضغوط الاجتماعية والانفصال عن الأسرة (مؤسسة راند للأبحاث، 2020).

عوائق العلاج

رغم توفر الإمكانات، تواجه المنظومة العلاجية تحديات واضحة:

1- 60% إلى 70% من الجنود لا يطلبون المساعدة (مركز تميز الصحة النفسية العسكرية، 2025).

2- 28.8% يعانون من وصمة مرتبطة بالعلاج النفسي (المكتبة الوطنية للطب، 2024).

3- 66% يواجهون نقصًا في الأطباء النفسيين (المجلة العلمية للبحث العلمي SCIRP، 2025).

الاعتماد على العقاقير.. خلل متصاعد

في موازاة ذلك، يبرز اتجاه متزايد للاعتماد على الأدوية المنبهة والمهدئات داخل الجيش الأمريكي، حيث كشف فيديو منشور على منصة «Life is a Special Operation» بعنوان «الجيش يعاني من مشكلة مخدرات» عن انتشار هذه الظاهرة، خاصة في علاج اضطرابات مثل (اضطراب نقص الانتباه وفرط النشاط).

ويشير المحتوى إلى أن وزارة الدفاع الأمريكية تمنح استثناءات واسعة تسمح بانضمام أفراد يعتمدون على هذه العقاقير، ما أدى إلى توسع استخدامها، مع تحذيرات من تأثيرها على التركيز والأداء القتالي، وبالتالي على الجاهزية العسكرية والأمن القومي.

لماذا لا تظهر هذه الظواهر لدى مقاومي غزة؟

في المقابل، يبرز سؤال جوهري: لماذا لا تظهر هذه المؤشرات بالشكل ذاته لدى عناصر المقاومة الإسلامية في غزة؟

الإجابة لا تكمن في غياب الضغط النفسي، بل في اختلاف البنية والسياق، حيث تؤدي المنظومة العقدية دورًا محوريًا في تشكيل التماسك النفسي للمقاتل، فالدافع الإيماني يمنح المعاناة معنى، ويحوّل الألم إلى جزء من مسار الصبر والثبات، وهو ما ينعكس على قدرة التحمل في البيئات القاسية.

ويجد هذا البعد جذوره في النصوص الشرعية، كما في قوله تعالى: (وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ) (آل عمران: 139)، وقوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ) (البقرة: 153)، وهي معانٍ تُرسّخ لدى المقاتل حالة من الصبر واليقين، وتمنحه قدرة على التماسك رغم شدة الابتلاء.

كما يستند هذا التصور إلى ما ورد في السُّنة النبوية، حيث قال النبي صلى الله عليه وسلم: «عجبًا لأمر المؤمن، إن أمره كله له خير..» (رواه مسلم).

في دلالة على أن الابتلاء ذاته يمكن أن يتحول إلى مصدر قوة نفسية ومعنوية.

إلى جانب ذلك، تتكامل عدة عوامل أخرى، منها:

1- الدافع العقائدي والوطني: يشكّل الإيمان بعدالة القضية عنصر تماسك نفسي يعزز القدرة على التحمل، ويمنح المقاتل معنى وجوديًا يتجاوز الضغوط الفردية.

2- طبيعة القتال الدفاعي: القتال المرتبط بحماية الأرض والهوية يختلف نفسيًا عن الحروب الخارجية، ما يقلل من التناقضات الداخلية لدى المقاتل.

3- الترابط الاجتماعي: البيئة المجتمعية المتماسكة في غزة توفر دعمًا نفسيًا غير رسمي، يعوض جزئيًا غياب المؤسسات العلاجية.

4- غياب ثقافة «التشخيص الطبي المفرط»: بخلاف الجيوش النظامية، لا يتم تحويل كل عرض نفسي إلى ملف طبي، ما يقلل من تضخم الأرقام الظاهرة.

5- بنية تنظيمية مختلفة: تعتمد المقاومة على نماذج تعبئة نفسية وتربوية مستمرة، تعزز الصبر والانضباط، وتُعيد تفسير المعاناة ضمن إطار معنوي.


اقرأ أيضاً:

الصدمات النفسية في ظل الحروب وعلاجها

غزة.. ملحمة الثبات ومدرسة الصمود


الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة