فقه التوسع واستدامة العمل

متى يهدد التوسع النجاح؟ موقف موسى بن نصير

رسم تصويري يجسد حالة التشاور حول التوسع في الفتوحات الإسلامية وما قد يصاحبه من فقدان السيطرة على الأماكن المفتوحة

أورد الذهبي، في «سير أعلام النبلاء»، أن مُوْسَى بن نُصَيْر لَمَّا تَمَادَى فِي سَيْرِهِ فِي الأَنْدَلُسِ، أَتَى أَرْضاً تَمِيْدُ بِأَهْلِهَا، فَقَالَ عَسْكَرُهُ: إِلَى أَيْنَ تُرِيْدُ أَنْ تَذْهَبَ بِنَا؟ حَسْبُنَا مَا بِأَيْدِيْنَا، فَقَالَ: لَوْ أَطَعْتُمُوْنِي، لَوَصَلْتُ إِلَى القُسْطَنْطِيْنِيَّةِ(1).

بين الاكتفاء بما تحقق والتطلع إلى ما وراءه، يتحرك سؤال القيادة الصعب: متى يكون الاستمرار شجاعة، ومتى يصبح استنزافًا؟ وكيف يحفظ القائد طموحه دون أن يجعل من العاملين معه وقودًا لرؤية تتجاوز قدرتهم؟ ليست المسألة اختيارًا بين الحلم والعقل، بل بحثًا عن العقل الذي يحمل الحلم إلى غايته.

علو الهمة يبدأ من صلاح الغاية

تكشف عبارة موسى بن نصير عن أفق لا يقف عند المكسب القريب، وهذه خصلة تحتاجها المشروعات النافعة؛ إذ لا يكفي حفظ الموجود حين تكون هناك مصالح أوسع يمكن تحصيلها، غير أن اتساع الرؤية لا يمنح صاحبه عصمة في تقدير الوسيلة، ولا يجعل كل اعتراض عليها علامة على ضيق الهمة، فقد يصح المقصد، ويحتاج الطريق إليه إلى مراجعة.

والناظر في التوجيه النبوي الشريف يجد أنه يجمع بين المبادرة وطلب النفع والاستعانة بالله: «احرص على ما ينفعك، واستعن بالله ولا تعجز»(2)، وقد فسّر النووي القوة الواردة في الحديث نفسه بأنها «عزيمة النفس والقريحة في أمور الآخرة»(3)، فالممدوح عزيمة تتجه إلى الخير، لا اندفاع يطلب الحركة لذاتها.

وفي واقع المؤسسات، ينبغي أن يسبق سؤالُ المنفعة سؤالَ التوسع: ما الحاجة التي سيعالجها الفرع الجديد؟ وما الذي سيضيفه البرنامج المقترح؟ وهل نطلب زيادة الأثر أم زيادة الحضور؟ وليس المقصود اتهام الطامحين في نياتهم، وإنما مراجعة القرار بمعيار يتجاوز إعجاب صاحبه به، فإذا استطاع القائد أن يشرح منفعة مشروعه، وأن يقبل تعديل وسيلته، كان أقرب إلى خدمة الغاية من قائد يرى في كل تعديل انتقاصًا من شخصه، هكذا تبقى الهمة عالية، دون أن تتحول الرؤية إلى رأي محصّن من النقد.

كيف تبني المؤسسات قدراتها بالتدرج دون قعود؟

لا ينبغي فهم التوازن على أنه دعوة إلى تصغير الأحلام حتى توافق الحال الراهنة دائمًا، فالقدرة قابلة للبناء بالتعلم والتدريب والتعاون، ولكن القدرة التي نأمل اكتسابها ليست هي القدرة المتاحة الآن، والخطأ أن نضع التزامات اليوم على حساب موارد لم تتكون بعد، ثم نطلب من الحماسة أن تسد الفجوة بين الوعد والتنفيذ، يقول الله تعالى: (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ) (التغابن: 16)، يجمع هذا البيان بين العمل بالممكن والاعتراف بالعجز عن غيره؛ فلا يصبح نقص القدرة عذرًا لترك كل شيء، ولا تُلغى حدودها باسم طلب الكمال.

ومن هذا المعنى يمكن استلهام تدرج عملي؛ تبدأ المؤسسة بما تحسن أداءه، ثم تبني أدوات المرحلة التالية، فالجمعية التي لا تملك فريقًا مؤهلًا لافتتاح مراكز متعددة تستطيع أن تتقن مركزًا واحدًا، وتدرب من يتولى التوسع لاحقًا، والمربي الذي يريد رفع مستوى أبنائه لا يجمع عليهم جميع البرامج دفعة واحدة، بل يرتبها بحسب حاجتهم وطاقتهم، بذلك تصبح الواقعية عملًا لتوسيع الممكن، لا إقامة دائمة داخل حدوده، والسؤال الأجدى ليس: لماذا لا نستطيع كل شيء؟ وإنما ماذا نستطيع الآن، وما الذي يلزم حتى نستطيع أكثر؟

كيف يميز القائد بين نبل الغاية وجاهزية الموارد؟

تبرز في الرواية وجهة بعيدة يقصدها موسى بن نصير، ويبرز معها سؤال العسكر عن الطريق الذي يسلكونه، والتمييز بين الوجهة والطريق جوهري؛ فقد تكون الغاية واضحة، بينما تظل شروط بلوغها مجهولة، ومن الخطأ أن تتحول صحة الهدف إلى إجابة جاهزة عن أسئلة الموارد والوقت والمهارات، كأن الحاجة إلى المشروع تكفي وحدها لإثبات القدرة على إنجازه.

يقرر ابن القيم أن الفتوى والحكم يحتاجان إلى نوعين من الفهم، أولهما: فهم الواقع والفقه فيه، وثانيهما: فهم الواجب في الواقع(4)، ومع أن كلامه في الفتوى والقضاء، فإن الاستفادة المنهجية منه واضحة؛ لا يستقيم تنزيل المبدأ قبل التعرف إلى الحال التي ينزل عليها، ولا يغني صدق القصد عن دقة التصور.

وترجمة موقف موسى بن نصير إداريًا أن يسأل المسؤول عن القدرة الفعلية، لا عن الأرقام الظاهرة وحدها، فعدد الموظفين لا يخبره وحده بكفاءتهم أو بقدر انشغالهم، ووجود المال لا يعني توافر الخبرة، وكثرة المتابعين لا تثبت تحقق الأثر التعليمي، ومن المناسب قبل التوسع مراجعة الأعمال المتأخرة، والمهارات الناقصة، والالتزامات القائمة، هذه التفاصيل ليست عدوة للرؤية؛ إنها المادة التي تتجسد فيها، أما الخطة التي لا تحتمل سؤالًا عن التنفيذ، فالأولى مراجعتها قبل مطالبة الناس بالتضحية من أجلها، مهما بدا عنوانها جميلًا أو مقصدها محمودًا.

دور الشورى المؤسسية في كشف أخطار القرارات القيادية

يسهل على قارئ الخبر أن يجعل العسكر كتلة خائفة، وأن يجعل القائد وحده صاحب البصيرة؛ لكن العبارة المنقولة لا تكفي لهذا الحكم، فالاعتراض قد ينشأ من تعب، أو سوء فهم، أو تقدير مختلف للمخاطر، أو رغبة في الاكتفاء، وهذه احتمالات تحتاج إلى استيضاح، لا إلى إدانة مسبقة، والقيادة المنصفة - كقيادة موسى بن نصير - تبدأ بالسؤال عما وراء الاعتراض، قال تعالى: (وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ) (آل عمران: 159)، وعن ابن عطية قوله: «الشورى من قواعد الشريعة وعزائم الأحكام»(5)، وفي هذا تأكيد لمكانة المشاورة، لا بوصفها زينة تلحق بالقرار بعد اتخاذه، بل سبيلًا لإدخال العلم والخبرة في صناعته.

وفي المؤسسة المعاصرة، ينبغي أن يجد القريبون من التنفيذ مجالًا لشرح ما لا يظهر في تقارير الإدارة، فقد يرى المعلم أثر زيادة الأعداد على التعلم، ويرى الموظف صعوبة موعد جديد قبل أن يراها المسؤول، ولا تعني المشاورة قبول كل رأي، أو اعتبار الأكثر عددًا أصوب دائمًا؛ وإنما تعني فحص الاعتراض بحجته، ومن المفيد أن يسأل القائد: ما العقبة المحددة؟ وما البديل المقترح؟ وما الذي يغير تقديركم؟ عندئذ ينتقل الحوار من محاكمة الحماسة إلى تحسين الخطة، ويصبح الاختلاف موردًا للمعرفة بدل أن يتحول إلى خصومة حول الولاء.

لماذا تعد حماية طاقة الفريق شرطًا للاستدامة؟

من الخطأ أن نقيس التزام الإنسان بمقدار احتماله للتكليف المتزايد وحده، فقد يكون جادًا مخلصًا، ثم يحتاج إلى تخفيف عبء أو تنظيم وقت أو تعلم مهارة، ولذلك لا يجوز أن نجزم بأن قول العسكر: «حَسْبُنَا مَا بِأَيْدِيْنَا» دليل على ضعف رسالتهم؛ فالنص لا يكشف جميع أحوالهم، والإنصاف يمنع تحويل الاحتمال إلى حكم على الأشخاص.

ففي الحديث الشريف: «إن الدين يسر»(6)، قال ابن حجر: «لا يتعمق أحد في الأعمال الدينية ويترك الرفق إلا عجز وانقطع فيغلب»(7)، فالمقصود ليس منع الاجتهاد، وإنما التحذير من طريقة في العمل تقطع صاحبها عن استمراره.

ومن باب الاعتبار بهذا المعنى، يمكن للمؤسسة أن تجعل حماية القدرة جزءًا من إحسان الأداء: توضح الأولويات، وتزيل الأعمال المكررة، وتوزع الأعباء، ولا تعامل الراحة اللازمة باعتبارها تقصيرًا، وفي الدعوة خصوصًا، لا يصح أن تصبح رفعة الرسالة سببًا لإغفال حاجات القائمين عليها، فالغاية أن يستمر نفعهم، لا أن يظهروا الحماسة مدة قصيرة ثم يعجزوا عن الوفاء، ولا يعني ذلك إلغاء المشقة الملازمة للإنجاز، بل التمييز بين مشقة لها ثمرة ويمكن احتمالها، وعبء يمكن تجنبه بحسن التدبير، إن احترام حدود العامل ليس خفضًا لقيمة العمل، بل رعاية لشروط بقائه.

فقه المآلات.. ماذا سيحدث بعد النجاح؟

قد ينشغل صاحب المشروع بسؤال: هل نستطيع افتتاحه؟ ويغفل السؤال التالي: هل نستطيع تشغيله والمحافظة على جودته؟ وبين السؤالين فرق؛ فالافتتاح حدث، أما الاستمرار فمسؤولية متجددة، وكذلك لا يكفي في قراءة حركة التوسع النظر إلى بلوغ الموضع التالي، دون التفكير في أثر ذلك على ما تحقق قبله، وعلى القدرة على مواصلة القيام بحقوقه.

وضع الشاطبي أصلًا دقيقًا بقوله: «النظر في مآلات الأفعال معتبر مقصود شرعًا»، وشرح أن الفعل قد تقصد به مصلحة، ثم يفضي إلى مفسدة تساويها أو تزيد عليها؛ ولذلك لا ينفصل تقدير الفعل عن تقدير عاقبته(8).

وبناء على هذا الأصل، ينبغي أن يتسع تصور النجاح ليشمل ما بعد الإعلان عنه، فقبل إطلاق برنامج تعليمي، تُبحث كلفة تشغيله، ومن يتولى متابعته، وما الذي قد يتأثر من البرامج القائمة، ولا يعني ذلك انتظار ضمان كامل؛ فليس كل احتمال للضرر سببًا لتعطيل المصلحة، المطلوب أن تكون المخاطر مفهومة، وأن توزن بقدرها، وأن توجد بدائل معقولة عند تغير الظروف، وقد يكون التوسع السريع مناسبًا في حال، بينما يكون تثبيت العمل أولى في حال أخرى، فلا توجد فضيلة إدارية اسمها السرعة بإطلاق، ولا فضيلة اسمها البطء بإطلاق؛ إنما تُعرف قيمة كل منهما بما يخدمه من مقصد وما يترتب عليه من أثر.

الفرق بين التخلي عن الهدف وتغيير وسيلة التنفيذ

لا تفصل الرواية لنا كيفية اتخاذ قرار الرجوع ولا جميع ملابساته؛ ولذلك لا نستطيع جعلها دليلًا قاطعًا على كل صفة قيادية ننسبها إلى موسى بن نصير، لكن السؤال الذي تثيره يتجاوز تفاصيلها: هل يملك القائد شجاعة تعديل خطته حين يتبين له أن المضي فيها يضر بالغاية التي يريد خدمتها، أم يصبح أسيرًا لما سبق أن أعلنه؟

يقدم الهدي النبوي شاهدًا ثابتًا على مراعاة الحال؛ فقد ترك النبي صلى الله عليه وسلم نقض الكعبة وإعادة بنائها مراعاة لقرب عهد قريش بالكفر(9)، واستنبط ابن حجر من الحديث أن «الإمام يسوس رعيته بما فيه إصلاحهم ولو كان مفضولًا ما لم يكن محرمًا»(10).

والمقصود ليس تبرير كل تراجع، وإنما التفريق بين التخلي عن الغاية وتغيير الوسيلة، فقد يؤجل المسؤول افتتاح فرع حتى يستكمل تأهيل العاملين، أو يقلل نطاق برنامج ليحفظ جودته، ويكون التعديل أوضح وأعدل حين يشرح أسبابه، ويحدد ما سيبقى، وما سيتغير، ومتى يعاد التقييم، أما الاكتفاء بعبارات غامضة، أو تحميل العاملين وحدهم مسؤولية التوقف، فلا يصنع فهمًا مشتركًا، والهيبة التي تستحق الحفظ ليست صورة القائد الذي لا يراجع نفسه، بل الثقة بأنه يقدم مصلحة العمل على الانتصار لرأيه، ويقبل تحمل نصيبه من مسؤولية القرار.

تحويل الأهداف الكبرى إلى مرحلية آمنة: موسى بن نصير أنموذجا

لا تنحصر الخيارات بين توسع مفتوح وتوقف كامل، فقد يكون الأنسب تجربة محدودة، أو تأجيل جزء من المشروع، أو شراكة توفر مهارة ناقصة، وهنا تظهر قيمة المفاضلة بين البدائل، بدل إدارة النقاش على أنه مواجهة بين الطموحين والمترددين، فربما اتفق الجميع على الغاية، واختلفوا في الطريق الأقرب إلى تحقيقها والمحافظة عليها.

ويستحضر ابن تيمية ميزانًا جامعًا، ناقلًا القول: «ليس العاقل الذي يعلم الخير من الشر وإنما العاقل الذي يعلم خير الخيرين وشر الشرين»(11)، فالمواقف المركبة لا تعرض دائمًا خيرًا خالصًا وشرًا خالصًا؛ بل تستدعي ترجيحًا بين مصالح ومفاسد متفاوتة.

وفي مثال افتراضي على موقف موسى بن نصير، قد تخدم مؤسسة مئة طالب بفريق يعمل بكامل طاقته، ثم ترغب في مضاعفة العدد، ليس السؤال هل خدمة المئتين أنفع من خدمة المئة مجردًا، وإنما: هل نستطيع الزيادة دون تضييع حق الموجودين؟ يمكن أن تبدأ بتوسع محدود، وتحدد حاجتها إلى المعلمين والتمويل، وتراجع أثر التجربة قبل تعميمها، ومن المناسب أن تعرف مسبقًا علامات النجاح، وموعد المراجعة، والظروف التي تستوجب الإبطاء أو التوقف، بذلك لا تكون المراجعة استجابة مرتبكة بعد وقوع الضرر، بل جزءًا من الخطة نفسها، وتبقى الرؤية بعيدة، بينما تصير الخطوة التالية واضحة، ومسؤوليتها معلومة، ونتيجتها قابلة للفحص والتصحيح.

إن القيمة التربوية في التأمل في خبر موسى بن نصير ليست أن ننحاز سلفًا إلى عبارة القائد أو عبارة الجند، بل أن نتعلم كيف نجمع بين سؤالين: إلى أين ينبغي أن نصل؟ وبماذا نستطيع الوصول؟ فإذا انفرد الأول تحول الطموح إلى مطالبة لا تعرف حدودها، وإذا انفرد الثاني أمكن أن تتحول الواقعية إلى اكتفاء لا يبحث عن فرصته.

والقيادة التي نحتاجها لا تطفئ الحلم، ولا تتستر به على ضعف التدبير، إنها تبني القدرة، وتصغي إلى الخبرة، وتزن العاقبة، وتحفظ حقوق من يحملون المشروع، فليس أعظم الإنجاز أن نعلن أبعد غاية، وإنما أن نسلك إليها طريقًا يصون الناس، ويحسن العمل، ويترك لمن يأتي بعدنا قدرة على إكماله.

الهوامش
  • 1 سير أعلام النبلاء (4/ 496).
  • 2 صحيح مسلم (2664).
  • 3 شرح النووي على مسلم (16/ 215).
  • 4 إعلام الموقعين (1/ 69).
  • 5 تفسير ابن عطية (1/ 534).
  • 6 صحيح البخاري (39).
  • 7 فتح الباري (1/ 94).
  • 8 الموافقات (5/ 177).
  • 9 متفق عليه، أخرجه البخاري (126)، ومسلم (1333).
  • 10 فتح الباري (1/ 225).
  • 11 مجموع الفتاوى (20/ 54).
الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة