بين كفاءة الحاكم وأخلاق القيادة..

متى تفقد القوة شرعيتها؟ قراءة في حكم يزيد بن معاوية

الوصف: مخطوط تاريخي مفتوح مع ميزان رمزي بين «القوة والحزم» و«العدل والأثر»، دون رسم تخيلي للشخصيات.

يروي الإمام الذهبي في ترجمة يزيد بن معاوية(1): «قلت: كان قوياً شجاعاً، ذا رأي وحزم، وفطنة، وفصاحة، وله شعر جيد وكان ناصبياً فظاً، غليظاً، جلفاً، يتناول المسكر، ويفعل المنكر، افتتح دولته بمقتل الشهيد الحسين، واختتمها بواقعة الحرة، فمقته الناس، ولم يبارك في عمره، وخرج عليه غير واحد بعد الحسين، كأهل المدينة قاموا لله، وكمرداس بن أدية الحنظلي البصري، ونافع بن الأزرق، وطواف بن معلى السدوسي، وابن الزبير بمكة»(2).

هذا النص من «سيرأعلام النبلاء» لا يقدّم صورة أحادية عن يزيد، بل يجمع بين إثبات صفات شخصية معروفة له وبين نقد ما نُسب إليه من سلوكيات وأحداث سياسية تركت أثرها في الذاكرة الإسلامية، فحكمه امتد بين سنتي 60 و64 للهجرة، وشهد أحداثًا كبرى في العراق والحجاز شكّلت المواقف من تلك المرحلة حتى اليوم، والتعامل مع هذه الأحداث يقتضي التمييز بين نقل الخبر التاريخي وتقييمه، مع مراعاة اختلاف المؤرخين في التفاصيل وحساسية الشخصيات المرتبطة بها.

لماذا لا تكفي الكفاءة المجردة لصناعة القائد؟

وصف الذهبي يزيد بالقوة والشجاعة والحزم والفصاحة والشعر، وهذه صفات محايدة في ذاتها؛ قد تُبنى بها الأمجاد إذا انضبطت بالقيم، وقد تتحول إلى أدوات اضطراب إذا انفصلت عن المسؤولية الأخلاقية.

وبالمثال يتضح المقال فها هو الصحابي الجليل قيس بن سعد بن عبادة رضي الله عنه، الذي كان يمتلك أدوات الدهاء والقدرة القيادية لكن بوصلته الأخلاقية ضبطت قوته، يقول: «لولا أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: المكر والخديعة في النار، لكنت من أمكر هذه الأمة»(3).

أما الوليد بن المغيرة، فقد كان صاحب فصاحة وبلاغة ودراية بأساليب القول، وشهد بذوقه لجمال القرآن، لكنه حين قدّم جاهه على اتباع الحق فتحوّلت فصاحته إلى أداة جحود، فادعى أن القرآن سحر(4).

القائد إذن لا يُقاس بقدرته على إصدار القرار أو فرض النفوذ وحدهما، بل بقدرته على ضبط القوة في إطار من العدل والحكمة، ولهذا جاء التحذير القرآني من اجتماع السلطة مع الإفساد وقطع الروابط: (فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ) (محمد: 22)، فالقدرات الشخصية، مهما بلغت، لا تعوّض غياب الميزان الأخلاقي؛ فالإنسان قد يملك أدوات التأثير ويخسر مع ذلك ثقة الناس.

كيف تؤدي القوة المفرطة إلى سقوط الشرعية؟

ارتبط عهد يزيد بمقتل الحسين بن علي رضي الله عنهما في «كربلاء»، ثم واقعة «الحرة» في المدينة، ثم الصراع مع عبدالله بن الزبير في مكة، يشير الذهبي إلى هذا الترابط بقوله: «افتتح دولته بمقتل الشهيد الحسين، واختتمها بواقعة الحرة»، وهي عبارة تحمل دلالة على أثر هذه الأحداث في صورة الحاكم عند الناس.

فحين اعتمد عبيد الله بن زياد القوة المفرطة وانتهك الحرمات بعد مقتل الحسين، جرّد ذلك السلطة من القبول الأخلاقي في نظر كثيرين، حتى إن أمه مرجانة أنكرت عليه فعلته وقالت له: «يا خبيث، قتلت ابن بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، لا ترى الجنة أبداً!(5).

على النقيض من ذلك، بنى الخليفة عمر بن عبدالعزيز رضي الله عنه حكمه على الرضا لا على الغلبة؛ فحين تولى الأمر صعد المنبر وقال: «يا أيها الناس، إني قد ابتليت بهذا الأمر من غير رأي كان مني فيه، ولا مشورة، وإني قد خلعت ما في أعناقكم من بيعتي فاختاروا لأنفسكم»، فصاح الناس صيحة واحدة: قد اخترناك يا أمير المؤمنين ورضينا بك فلي أمرنا باليمن والبركة(6).

فالسلطة لا تقوم على القوة وحدها، بل تحتاج إلى قبول اجتماعي؛ وحين تتراكم الأزمات المرتبطة بالدماء والحرمات، تتحول المشكلة من سياسية إلى أزمة ثقة يصعب علاجها بالوسائل العسكرية.

أثر المساس بالرموز التاريخية

انتهاك الرموز الكبرى يترك أثرًا يتجاوز الحدث نفسه، لأن المجتمعات لا تتعامل مع الوقائع كأرقام سياسية، بل تربطها بقيمها ومقدساتها، مقتل الحسين ووقائع الحجاز أحدثا صدمة واسعة في الوجدان الإسلامي أثرت تلك الصدمة على نظرة الأمة إلى يزيد حتى الآن.

وفي المقابل، نرى رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم «فتح مكة»، حين رفع سعد بن عبادة رضي الله عنه الراية قائلًا: «اليوم يوم الملحمة، اليوم تستحل الحرمة»، فتدارك النبي صلى الله عليه وسلم أثر هذه الكلمات، وأدرك خطورة استباحة مكة والمسجد الحرام فأخذ الراية منه وسلّمها لابنه قيس، وقال: «بل اليوم يوم المرحمة، اليوم تُعظم الكعبة».

غياب هذا الفهم هو ما جمع ضد يزيد معارضة متعددة الاتجاهات؛ أهل المدينة، والخوارج، وابن الزبير في مكة، فحين تستخدم السلطة القوة دون احتواء وتستبيح الرموز والمقدسات، تتحد ضدها أطراف لم تكن متفقة أصلًا.

لماذا يفشل الخوف في تحقيق استقرار مستدام؟

القيادة القسرية قد تحقق انتصارًا سريعًا، لكنها تؤجل المشكلة بدل أن تعالج جذورها، أصّل النبي صلى الله عليه وسلم هذا المبدأ في وصيته لمعاذ بن جبل، وأبي موسى الأشعري، رضي الله عنهما: «يَسِّرَا وَلَا تُعَسِّرَا، وَبَشِّرَا وَلَا تُنَفِّرَا»(7)، فالسياسة القائمة على القهر تورث البغضاء ولا تقيم استقرارًا.

هذا ما مارسه معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه في سياسته القائمة على الحلم، كما جاء في رسالته لزياد بن أبيه: «إنه لا ينبغي أن نسوس الناس سياسة واحدة؛ أن نلين جميعاً فيمرح الناس في المعصية، ولا نشتد جميعاً فنحمل الناس على المهالك، ولكن تكون للشدة والفظاظة، وأكون أنا للين والألفة»(8)، بينما جاءت مرحلة يزيد في ظروف أكثر اضطرابًا.

كيف يمحق الظلم بركة الحكم والعمر؟

يقول الذهبي: «ولم يبارك في عمره»؛ وهو معنى متكرر في التراث الإسلامي؛ أن البركة مرتبطة بحسن الأثر لا بطول الزمن، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «اتَّقُوا الظُّلْمَ؛ فَإِنَّ الظُّلْمَ ظُلُمَاتٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ»، وقال لمعاذ بن جبل: «وَاتَّقِ دَعْوَةَ الْمَظْلُومِ؛ فَإِنَّهُ لَيْسَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ اللَّهِ حِجَابٌ»، فالظلم لا يقتصر أثره على المظلوم، بل يمحق بركة الظالم نفسه.

في المقابل، حين كتب بعض عمال عمر بن عبدالعزيز يسألونه أموالًا لترميم المدن وبناء الحصون، أجابهم: «حَصِّنُوهَا بِالْعَدْلِ، وَنَقُّوا طُرُقَهَا مِنَ الظُّلْمِ»، فكان عدله سبب البركة في عهده القصير، بينما ذهبت عهود آخرين ولم يبقَ منها إلا الذكر المذموم.

تطبيقات معاصرة

هذه الحوادث تحمل معنى يتجاوز الأشخاص إلى قواعد عامة؛ أن القوة وحدها لا تصنع الاستقرار، سواء في أسرة أو مؤسسة أو مجتمع، أرسى النبي صلى الله عليه وسلم هذا المبدأ بقوله: «كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْؤولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ؛ فَالْأَمِيرُ الَّذِي عَلَى النَّاسِ رَاعٍ وَهُوَ مَسْؤولٌ عَنْهُمْ، وَالرَّجُلُ رَاعٍ عَلَى أَهْلِ بَيْتِهِ وَهُوَ مَسْؤولٌ عَنْهُمْ..».

القائد الذي يملك القدرة ولا يملك الحكمة قد يحقق نتائج مؤقتة لكنه يزرع مشكلات مستقبلية؛ والمدير الذي يعتمد على الخوف بدل الاحترام يصنع النموذج نفسه، وهذا ما رسّخه عمر بن الخطاب رضي الله عنه في تعامله مع ولاته: «إِنِّي لَمْ أَبْعَثْ عُمَّالِي لِيَضْرِبُوا أَبْشَارَكُمْ وَلَا لِيَأْخُذُوا أَمْوَالَكُمْ، وَلَكِنْ بَعَثْتُهُمْ لِيُعَلِّمُوكُمْ دِينَكُمْ وَسُنَّتَكُمْ، فَمَنْ فُعِلَ بِهِ غَيْرُ ذَلِكَ فَلْيَرْفَعْهُ إِلَيَّ؛ فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَأُقِصَّنَّهُ مِنْهُ».

نص الذهبي لا يختزل يزيد في فضيلة واحدة أو خطأ واحد، بل يرسم صورة تجمع بين قدراته وعيوبه، وبين ما أنجزه وما تركه من آثار، والعبرة ليست في شخص بعينه، بل في أن القوة إذا انفصلت عن الرحمة، والذكاء إذا انفصل عن التقوى، والسلطة إذا انفصلت عن العدل، تفقد أهم أسباب بقائها.

الهوامش
  • 1 يزيد بن معاوية بن أبي سفيان (26 - 64 هـ)، ثاني خلفاء الدولة الأموية، تولّى الحكم عام 60 هـ بعهدٍ من أبيه، لتبدأ بعهده الخلافة الوراثية أو «الملك العاض» كما سماه النبي صلى الله عليه وسلم، كان له في شبابه مشاركات عسكرية، من أبرزها قيادته لغزوة القسطنطينية التي شارك فيها جمعٌ من الصحابة، امتدّت خلافته لنحو ثلاثة أعوام ونصف عام، وشهدت أحداثاً مفصلية ومأساوية، وعلى رأسها استشهاد الحسين بن علي رضي الله عنهما في «كربلاء»، إضافة إلى وقعة «الحرّة»، وحصار مكة، ويتلخص موقف أهل السُّنة والجماعة فيه بالاعتدال والتوسط؛ فلا يُحبّونه محبة الصالحين والأئمة ولا يسبّونه، بل ينكرون ما وقع في عهده من مظالم ويكِلون أمره إلى الله تعالى.
  • 2 سير أعلام النبلاء، ج4، ص37.
  • 3 المرجع السابق، ج3، ص107.
  • 4 وفيه نزل قول الله تعالى: (إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ) (المدثر: 21).
  • 5 البداية والنهاية، ج12، ص55.
  • 6 المنتظم في تاريخ الملوك والأمم، ج7، ص33.
  • 7 أخرجه البخاري (4341)، ومسلم (1733) مختصراً باختلاف يسير.
  • 8 سير أعلام النبلاء، ج3، ص154.
الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة