قراءة في فقه النفس وصناعة القيادة وبناء الإنسان المستعد لسباق الآخرة

أبو مسلم الخولاني.. كيف تُعدّ النفس لسباق الآخرة؟

مشهد تعبيري عن أبي مسلم الخولاني في أرض الروم

روى الذهبي في سير أعلام النبلاء قال أبو بكر بن أبي مريم: عن عطية بن قيس، قال: دخل ناس من أهل دمشق على أبي مسلم وهو غاز في أرض الروم، وقد احتفر جورة(1) في فسطاطه وجعل فيها نطعاً وأفرغ فيه الماء وهو يتصلق فيه فقالوا: ما حملك على الصيام وأنت مسافر؟ قال: لو حضر قتال لأفطرت، ولتهيأت له وتقويت؛ إن الخيل لا تجري الغايات وهن بدن(2)، إنما تجري وهن ضمر(3)، ألا وإن أيامنا باقية جائية لها نعمل.

وقيل: كان يرفع صوته بالتكبير حتى مع الصبيان، ويقول: اذكر الله حتى يرى الجاهل أنه مجنون.

وروى محمد بن زياد الألهاني، عن أبي مسلم الخولاني، أنه كان إذا غزا أرض الروم، فمروا بنهر فقال: أجيزوا بسم الله، ويمر بين أيديهم، فيمرون بالنهر الغمر، فربما لم يبلغ من الدواب إلا الركب، فإذا جازوا قال: هل ذهب لكم شيء؟ فمن ذهب له شيء فأنا ضامن له، فألقى بعضهم مخلاته عمداً، فلما جاوزوا قال الرجل: مخلاتي وقعت، قال: اتبعني فأتبعه، فإذا بها معلقة بعود في النهر، قال: خذها(4).

تكشف هذه الأخبار جانبًا من شخصية أبي مسلم الخولاني رحمه الله، أحد مشاهير العباد والزهاد من التابعين، كما نقل أهل السير والتراجم، وهي مواقف جرت في سياق حياة اتسمت بالجهاد والسفر ومخالطة ميادين الشدة، ولذلك فإن قراءتها تحتاج إلى وضعها في إطارها الصحيح؛ فهي ليست مجرد قصص عن تحمل المشقة، وإنما صور عن إنسان تشكلت داخله معاني اليقين والمراقبة والاستعداد.

كما أن التعامل العلمي مع أخبار الكرامات والأحوال الخاصة بالصالحين يكون بالنظر إلى ثبوت النقل ودلالته، مع التفريق بين أصل الفضائل الثابتة للشخصية وبين الاستنباطات التربوية التي تستخرج من المعنى العام للسيرة.

لماذا شبه أبو مسلم نفسه بالخيل المضمرة للسباق؟

المشهد الأول في أرض الروم يرسم صورة فريدة من صور التعامل مع الجسد، كان أبو مسلم صائمًا في السفر والغزو، ومع ذلك لم يكن ذلك عنده انفصالًا عن الواقع أو إهمالًا لمقتضيات المعركة؛ بل صرح بأنه لو حضر القتال لأفطر واستعد له.

هذه العبارة تكشف عن عقلية تقوم على ترتيب الأولويات، فهو لا ينظر إلى العبادة باعتبارها حركات منفصلة عن مقاصدها، وإنما باعتبارها وسيلة لصناعة الإنسان الذي يقوم بواجبه في الوقت المناسب.

وقد ثبت هذا المعنى عند الصحابة، فنرى كيف أن السيدة فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم في إعداد نفسها وتحملها لمشاق العمل المستمر، حيث جرت بالرحى حتى أثرت بيدها، واستقت بالقربة حتى أثرت بنحرها، وقمت البيت حتى اغبرت ثيابها، وأوقدت تحت القدر حتى دنست ثيابها، فكانت تروض جسدها على العمل الشاق، فأرشدها النبي صلى الله عليه وسلم إلى ما يقوي روحها على تحمل هذه المشاق بالتسبيح والتكبير قبل النوم بدل الاعتماد على خادم.

وقوله: «إن الخيل لا تجري الغايات وهن بدن، إنما تجري وهن ضمر» يحمل صورة بلاغية عميقة؛ فقد نقل المعنى من عالم الخيل إلى عالم الإنسان، فالفرس المعد للسباق يحتاج إلى تدريب وتخفف من الزوائد حتى يستطيع قطع المسافات الطويلة، وكذلك النفس البشرية تحتاج إلى تهذيب وتربية حتى تستطيع حمل المسؤوليات الكبرى.

وهذا المعنى قريب من قول الله تعالى: (وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحاً {1} فَالْمُورِيَاتِ قَدْحاً) (العاديات)، حيث أقسم الله بالخيل لما فيها من معاني الحركة والقوة والانضباط، وهي صورة تستحضر قيمة إعداد الوسائل للغايات.

ومن هنا يظهر أن الزهد عند أمثال أبي مسلم لم يكن هروبًا من الحياة، وإنما إعداد لها؛ فالقوي في ميزان الإيمان ليس من يترك الأسباب، وإنما من يربي نفسه لتكون قادرة على حمل الأمانة.

كيف وازن ابو مسلم بين شدة العبادة ومقتضيات المعركة؟

قد يظن بعض الناس أن شدة العبادة تعني الجمود على صورة واحدة من العمل، لكن موقف أبي مسلم يقدم نموذجًا مختلفًا؛ فهو جمع بين العزيمة والفقه.

لقد صام وهو مسافر، لكنه قال بوضوح: لو حضر قتال لأفطرت، فالمعيار عنده ليس مجرد تحمل المشقة، بل تحقيق الغاية الأعلى.

وهذا يوافق الهدي النبوي في مراعاة المصالح، فقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يأمر أصحابه بالفطر عند الحاجة إلى القوة في مواجهة العدو، ومن ذلك حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه في صيام السفر في حال الجهاد، حيث قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إنَّكُم قد دَنَوتُم مِن عَدوِّكُم، والفِطرُ أقوى لَكُم»(5) .

فتوجيه النبي صلى الله عليه وسلم للحولاء بنت تويت رضي الله عنها حينما غالت في العبادة على حساب مقتضيات الجسد، فقد دخلت على عائشة رضي الله عنها وعندها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: هذه الحولاء، وزعموا أنها لا تنام الليل، فأنكر النبي صلى الله عليه وسلم هذا الغلو المخل بالتوازن وقال: «خُذوا مِن العَمَلِ ما تُطيقونَ؛ فواللهِ لا يَسأمُ اللهُ حتى تَسْأموا]، وقال: فإنَّ اللهَ لا يَسأمُ حتى تَسْأموا.»(6)

فالإنسان الراشد لا يجعل الوسيلة مقدمة على المقصد؛ لأن العبادة نفسها جاءت لبناء الإنسان القائم بالحق، لا لتعطيله عن واجباته، وهذا درس مهم في الإدارة والعمل المعاصر؛ فكثير من الأفراد والمؤسسات قد ينشغلون بأدوات النجاح وينسون الهدف النهائي، أما صاحب الرؤية الواضحة فيعرف متى يثبت على عادته، ومتى يغير خطته لتحقيق المقصود الأكبر.

الجهر بالذكر.. حين تسقط هيبة القبول الاجتماعي

كان أبو مسلم يرفع صوته بالتكبير حتى مع الصبيان، ويقول: «اذكر الله حتى يرى الجاهل أنه مجنون»؛ هذه العبارة تكشف عن تحرر عميق من أسر نظرة الآخرين، فالإنسان غالبًا يتردد في إعلان ما يؤمن به إذا خاف من تقييم المجتمع، أما من امتلأ قلبه بمعنى أعلى فإنه لا يجعل استحسان الناس معيارًا لحركته، لكن هذا لا يعني الدعوة إلى مخالفة الحكمة أو مراعاة أحوال الناس، وإنما يدل على أن الخوف من السخرية لا ينبغي أن يكون سببًا لترك الخير، وقد أثنى القرآن على الذين لا يخافون في الحق لومة لائم، قال تعالى: (يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ) (المائدة: 54).

إن إعلان عمر بن الخطاب رضي الله عنه إسلامه وتحديه لقريش والمجتمع المكي دون خوف من العواقب، حيث قال: «والله ما بقي مجلس كنت أجلس فيه بالكفر إلا أظهرت فيه الإيمان غير هائب ولا خائف».

وكذلك فعل أبو ذر رضي الله عنه، فقد جهر أبو ذر الغفاري رضي الله عنه بإسلامه في مكة أمام قريش غير مبالٍ بنظرتهم أو بطشهم، حيث قال بعد أن أمره النبي صلى الله عليه وسلم بالرجوع لقومه: «والذي بعثك بالحق لأصرخن بها بين ظهرانيهم، فخرج حتى أتى المسجد فنادى بأعلى صوته: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله».

وفي واقع اليوم، حيث أصبحت صورة الإنسان أمام الآخرين تشغل مساحة كبيرة من تفكيره، تظهر الحاجة إلى هذا المعنى؛ أن يملك الإنسان معيارًا داخليًا يضبطه، فلا يعيش أسيرًا للقبول الاجتماعي.

ضمان الخسائر.. درس عملي في شجاعة القائد

أما مشهد النهر فيكشف جانبًا قياديًا آخر في شخصية أبي مسلم، فالقيادة في لحظات الخطر لا تقوم فقط على إصدار التعليمات، وإنما على صناعة الثقة، عندما قال: «أجيزوا بسم الله»، لم يكن يقدم أمرًا مجردًا، بل كان يتقدمهم بنفسه، والقائد الذي يدخل منطقة الخطر قبل أتباعه يرسل رسالة قوية؛ أنا معكم في الميدان، ثم زاد ذلك بقوله: «فمن ذهب له شيء فأنا ضامن له»، فجمع بين الشجاعة وتحمل المسؤولية، حتى إنه من تعمد امتحانه وأسقط مخلاته، وجدها قد تلقعت بعود في النهر، إنها من حفظ الله لعباده.

إن هذا الفعل تعلمه المسلمون جيلاً بعد جيل من محمد صلى الله عليه وسلم، فقد حدث علي بن أبي طالب: كُنَّا إذا احمرَّ البأسُ، ولَقيَ القومُ القومَ، اتَّقَيْنا برسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فما يكونُ منَّا أحَدٌ أَدْنى منَ القومِ منه(5).

لا يقدر أحد على ما كان يقدر عليه أشجع الخلق طُرَّا:

يكون أمامَ الخيلِ أولَ طاعنٍ     ويضرب أُخْراها إذا هي ولَّتِ

وليس هذا وصفاً لشجاعة في أبيات لم يسجلها التاريخ عنه، بل هو ما شهد به صحبه رضي الله عنهم فيقول أنس بن مالك: كان النبِيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ أحسنَ الناسِ وأَجْوَدَ الناسِ وأَشْجَعَ الناسِ ولقدْ فَزِعَ أهلُ المدينةِ ذاتَ ليلةٍ فانطلقَ الناسُ قِبَلَ الصَّوْتِ فَاسْتَقْبَلهُمُ النبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ قد سَبَقَ الناسَ إلى الصَّوْتِ وهوَ يقولُ: «لَنْ تُرَاعُوا لَنْ تُرَاعُوا»، وهوَ على فَرَسٍ لِأَبي طلحةَ عُرْيٍ ما عليهِ سَرْجٌ في عُنُقِهِ سَيْفٌ، فقال: لقدْ وجَدْتُهُ بَحْرًا(6) أوْ إنَّهُ لَبَحْرٌ(7).

وهذا من أهم مبادئ القيادة الناجحة؛ فالأتباع لا يثقون بمن يطلب منهم تحمل الأخطار وهو بعيد عنها، وإنما بمن يشاركهم الطريق ويتحمل تبعات القرار بكل يقين وثقة بالله.

وفي عالم المؤسسات اليوم، يحتاج القائد إلى هذا المعنى؛ أن يكون حاضرًا عند الأزمات، وأن يتحمل نتائج قراراته، لا أن يجعل المسؤولية دائمًا على الآخرين.

لماذا تحتاج المجتمعات إلى نماذج القدوة الصامتة؟

تكشف سيرة أبي مسلم الخولاني أن الإنسان القوي لا يولد قويًا، وإنما يبني قوته عبر التدريب المستمر، فالصيام، والذكر، ومجاهدة النفس، والصبر على المشاق كلها وسائل لصناعة شخصية أكثر ثباتًا، لكن هذه التربية لا تبقى داخل حدود الفرد؛ فالإنسان المنضبط يؤثر في أسرته، وبيئته، ومجتمعه، والقدوة الصامتة أحيانًا تكون أبلغ من الكلام الطويل.

القدوة الصامتة التي جسدها علي بن الحسين (زين العابدين) في مجتمعه، حيث كان يحمل جراب الخبز والدقيق على ظهره بالليل ليتصدق به على فقراء أهل المدينة سراً دون أن يعلموا من هو، ولم يكتشف المجتمع هذه القدوة العظيمة إلا بعد موته، حيث وجدوه يقوت مائة أهل بيت، وقال أهل المدينة: «ما فقدنا صدقة السر حتى مات علي بن الحسين»(8).

ولهذا كان وجود أمثال أبي مسلم في تاريخ الأمة عاملًا من عوامل حفظ معاني الجد والاجتهاد؛ لأن المجتمعات تحتاج دائمًا إلى نماذج تذكرها بأن الإنسان قادر على تجاوز ضعفه إذا ارتبط هدفه بمعنى أكبر.

اليقين بالآخرة يصنع وعيًا أعمق بمسؤوليات الواقع

تقدم مواقف أبي مسلم الخولاني صورة لإنسان جمع بين العبادة والبصيرة، والقوة الروحية والوعي بالواقع، فقد كان صائمًا لكنه يعرف متى يفطر، وكان جريئًا لكنه يحمل المسؤولية، وكان شديد التعلق بالله لكنه حاضر في ميادين الحياة.

عرف هذا المعنى كثير من التابعين فقد نقل الذهبي عن أبي نعيم يقول: حدثنا مخلد بن جعفر، حدثنا ابن جرير، حدثنا محمد بن حميد، حدثنا زافر بن سليمان، عن شريك عن جابر، عن الشعبي، قال: مر رجل من مراد على أويس القرني فقال: كيف أصبحت؟ قال: أصبحت أحمد الله عز وجل، قال: كيف الزمان عليك؟ قال: كيف الزمان على رجل إن أصبح ظن أنه لا يمسي، وإن أمسى ظن أنه لا يصبح، فمبشر بالجنة أو مبشر بالنار، يا أخا مراد، إن الموت وذكره لم يترك لمؤمن فرحاً، وإن علمه بحقوق الله لم يترك له في ماله فضة ولا ذهباً، وإن قيامه لله بالحق لم يترك له صديقاً(9).

إن أعظم ما تكشفه هذه السيرة أن اليقين الحقيقي لا يعزل الإنسان عن الواقع، بل يمنحه قدرة أكبر على مواجهته، فكلما امتلأ القلب بمعنى الآخرة، أصبح الإنسان أكثر استعدادًا لإتقان عمله، وتحمل مسؤولياته، وصناعة أثره في الدنيا.

الهوامش
  • 1 احتفر ما يجعل في الأرض ليجمع به الماء فيتخفف به مما يصيب المرء من عناء الحرارة.
  • 2 جمع بدينة، والمعنى أن الخيل التي تسبق هي التي تكون مضمرة.
  • 3 الخيل التي دربت حتى تصبح خفيفة فتدق خصورها وبطونها.
  • 4 سير أعلام النبلاء (4/ 8).
  • 5 من أفراد مسلم على البخاري الرقم: 1120
  • 6 أخرجه البخاري (43) بنحوه، ومسلم (785) باختلاف يسير
  • 7 أخرجه النسائي في «السنن الكبرى» (8639)، وأحمد (1347) واللفظ له.
  • 8 فشَبَّهَ الفَرَسَ بالبَحرِ؛ لِسَعةِ جَرْيِه مع انسيابِه وخِفَّتِه مِثلَ البَحرِ.
  • 9 أخرجه البخاري (2908)، وفي «الأدب المفرد» (303) واللفظ له، ومسلم (2307).
  • 10 حلية الأولياء وطبقات الأصفياء (3/ 136).
  • 11 سير أعلام النبلاء (4/ 20).
الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة